<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>عزالدّين عناية الأرشيف - أنباء تونس</title>
	<atom:link href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/%d8%b9%d8%b2%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%91%d9%8a%d9%86-%d8%b9%d9%86%d8%a7%d9%8a%d8%a9/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/عزالدّين-عناية/</link>
	<description>الأخبار في تونس، وحول العالم</description>
	<lastBuildDate>Mon, 07 Sep 2026 11:33:35 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.3</generator>

<image>
	<url>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2022/05/cropped-logo-anbaa-tounes-32x32.png</url>
	<title>عزالدّين عناية الأرشيف - أنباء تونس</title>
	<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/عزالدّين-عناية/</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>الإسلام كدين أقلّية (الحالة الإيطاليّة)</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2026/09/07/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%83%d8%af%d9%8a%d9%86-%d8%a3%d9%82%d9%84%d9%91%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d8%b7%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%91/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2026/09/07/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%83%d8%af%d9%8a%d9%86-%d8%a3%d9%82%d9%84%d9%91%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d8%b7%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%91/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 07 Sep 2026 11:33:33 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[مجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[إيطاليا]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلام الإيطالي]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلام المهاجر]]></category>
		<category><![CDATA[الكنيسة الكاثوليكية]]></category>
		<category><![CDATA[دين أقلّية]]></category>
		<category><![CDATA[عزالدّين عناية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=7931561</guid>

					<description><![CDATA[<p>"الإسلام الإيطالي" أو "الإسلام في إيطاليا" هو جزء من الإسلام الأوروبي الذي أفرزته أوضاع ما بعد الاستعمار. </p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2026/09/07/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%83%d8%af%d9%8a%d9%86-%d8%a3%d9%82%d9%84%d9%91%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d8%b7%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%91/">الإسلام كدين أقلّية (الحالة الإيطاليّة)</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p class="wp-block-paragraph"><strong>&#8220;الإسلام الإيطالي&#8221; أو &#8220;الإسلام في إيطاليا&#8221; في الحقبة المعاصرة، ومع ما بين الصيغتين من فروقات، هو جزء من الإسلام الأوروبي الذي أفرزته أوضاع ما بعد الاستعمار. إذ لم تنشأ الظاهرة الإسلامية في أوروبا الحديثة والغرب عموما نشأة طبيعية، بل جاءت في معظم تشكّلاتها مثخَنةً بالجراح الاستعمارية، الأمر الذي أبقاها مرتهِنة إلى مخيال حضاري مضطرب. فقد ظلّت سياسات الدول الاستعمارية، وشبه الاستعمارية سابقا، محتكِمة في التعامل مع الوافدين إلى بنى نظر استعلائية، إلى أن فَرَضت تحوّلات من الداخل تحويرات أدّت إلى تغييرات مُهمّة لا تزال في طور الاشتغال.</strong>  (الصورة: الجامع الكبير في روما).</p>



<p class="has-text-align-left wp-block-paragraph"><strong>عزالدّين عناية *  </strong></p>



<span id="more-7931561"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2018/09/عزالدّين-عناية.jpg" alt="" class="wp-image-148015"/></figure>
</div>


<p class="wp-block-paragraph">يقتضي فهم علاقة الإسلام بإيطاليا تنزيل المسألة ضمن إطار أشمل، وهو كيف تنظر التوجّهات الغربية بخلفيتها الدينية والحضارية إلى المسلم القادم إلى ديارها والمستوطِن بأرضها؟ في البدء نشير إلى وجود نظرة تَمايزٍ تُعبِّر عن التغاير شائعة بين الناس، وهي نظرة لا تستبطن خَلفية عدائية أو عنصرية، وإنّما يطبعها حسّ المغايرة، وهو سلوك عفويّ يأتيه المرء كلّما تواصل مع أُناس من غير دائرته الثقافية المألوفة. في مقابل ذلك ثمة نظرة تناصب الآخر العداء مسبَقا، وهي رؤية سقيمة تضع الوجود الإسلامي برمّته ضمن منظور الغزو والتهديد. يؤجّج تلك الرؤية جزع واهمٌ، ويتقاسم تلك النظرة المتوجّسة والبالغة حَدّ العداء العلني علمانيون ومتديّنون على حدّ سواء. وما كان لتلك النظرة أن تتطوّر وتلقى رواجا، لو لم تَجِدْ دعمًا ممّن يؤثرون الصِّدام بدل الحوار والتصلّب بدل التسامح.</p>



<p class="wp-block-paragraph">&nbsp;وعلى العموم يحضر في التاريخ الغربي الراهن شكلان من النظر إلى ظاهرة الهجرة والمهاجرين، غالبا ما يُعبَّر عنهما بمفهوم مزدوج الدلالة ومخاتل ألا وهو <strong>الاندماج</strong>: أحدهما ذو طابع صَهري مقصود، والآخر ذو طابع تشاركي (كومونيتاري) محمود، يراعي الخصوصيات المميزة للجاليات والجماعات. حيث يبدو الصنف الأوّل من الاندماج الصّهري (المذوِّب) مدفوعًا بنموذج مثالي مهيمِن، يتطلّع إلى جعل مختلف الأنماط الوافدة مجرّد عناصر إضافية تثري النموذج القائم. ويخفي منظور الاندماج هذا دونية مضمَرة للأغيار، وهو غالبا ما يفضي إلى أشكال من الصدام تتطوّر بتطوّر الوعي بالهويات الفرعية وبأبعادها الحضارية. في مقابل ذلك يبدو الاندماج التشاركي (الكومونيتاري) الأكثر اعتدالا، فهو حريص على مراعاة خصوصيات الجاليات والجماعات، وهو أكثر الخيارات قبولا بين التلوّنات الثقافية. فلا يهدف الاندماج إلى مجرّد الاعتراف بالمغايَرة، ولكن المقصد الرئيس ينشد خَلْق ثقافة احترام وتثمين للخصوصيات الحضارية، تكون فيها المراعاة ليست منّة من الطرف المهيمِن المتحكِّم بالفضاء الاجتماعي، وإنما بوصفها حقّا طبيعيا ينبغي أن تحظى به سائر المكونات.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وتبعا لمفهوم الدمج الاستعلائي، نرى حركة الدمج القسري في فرنسا، تعاني أزمات متلاحقة أو لعلّه موتا سريريّا، مع ذلك تصرّ على التغاضي عن ذلك لكون العملية في جوهرها تمثّل تشكيكا في قدرات النموذج العلماني، وهو ما تأبى الذات الجماعية الإقرار به. فقد اتّخذت سائر العلمانيات الأوروبية تقريبا مسافةً من سياسة الهجرة الفرنسية، في تعاملها مع التنوّعات الأخرى، ولا سيّما فيما يخصّ المسألة الروحية وتوابعها الرمزية، من حيث تبنّي سياسات إكراه. إيطاليا التي تعدّ حديثة التعامل مع المهاجرين، مقارنة بدول أوروبية أخرى، تراها أقرب إلى النموذجين الإسباني والبلجيكي منه إلى النموذج الفرنسي، وإن كان في ظلّ الافتقاد إلى حاضنة مؤسساتية قانونية.</p>



<p class="wp-block-paragraph">والبيّن أنّ بروز فلسفة الاختلاف، في العقود الأخيرة، مع بعض المفكرين المعاصرين، مثل جاك دريدا، وجيل دولوز، وميشيل فوكو، قد جاءت بمثابة ردّ فعل على سياسات المونوبول السائدة في المجتمعات الغربية. وهي فلسفة تنخرط ضمن مسعى ترسيخ حقوق الجاليات والأقليات والجماعات والمهمَّشين. تحوّلَ النظر معها للتعدّد والتنوّع والاختلاف من عناصر فولكلورية إلى مقتضيات حقوقية، وبالعموم من عناصر سلبية إلى عناصر إيجابية، تهدف إلى الحدّ من احتكار الفضاء الاجتماعي من جانب قوى محافِظة تزعم الوصاية على الذاكرة الجماعية. فالعرْضُ المنصف لأنماط العيش، والتعبير عنها في وسائل الإعلام، وفي الفضاء العمومي، وفي المدرسة، حقٌّ يُفترَض أن تضمنه الدولة الراعية للجميع، بقصد فسح المجال لسائر الأطراف في الحضور داخل النسيج الاجتماعي. لكن الحقيقة أنّ التعدّدية في الغرب بقدر ما تغري البعض، فهي تبعث على الريبة لدى آخرين لتبعاتها وآثارها المتباينة. ليس لأنّ حمولة التعدّدية ضارة، بل لآثارها الجانبية أيضا في الحدّ من احتكار الرأسمال الرمزي من جانب أطراف نافذة، كَنَسية ويمينية وشعبوية، تتحكّم بالسوق الثقافية.</p>



<p class="wp-block-paragraph">لكن رغم الاحتفاء بالتعدّد والاختلاف والتنوّع، لم يسلم الأمر من اختزال قضايا جادة في مظاهر فولكلورية مبتذَلة. فمع الطرف المسلم المستوطِن في الغرب نلحظ اختزالا شكلانيا لقضايا جموع واسعة في مسائل لحم الحلال، والفولار، والصومعة، وما يتخفّى وراء ذلك من حيف اجتماعي في بعض الأحيان، قوامه العزل المقصود من الشغل، والاستبعاد على وجه العمد من مواقع النفوذ، لا سيّما لشبيبة وليدة في الغرب. وتأكيدا على ضرورة الخروج من الإطار الديني الذي غالبا ما تحشر فيه مطالب الجاليات المسلمة يقول سيلفيو فرّاري: &#8220;هناك حاجة لنزع الطابع الإسلامي عن المشاكل التي عادة ما تلحق بالإسلام، فهي في الحقيقة مشاكل معيشية تتعلّق بالأقلّيات المغايرةكافة، كما الشأن في أوروبا وفي إيطاليا أيضا&#8221;.</p>



<p class="wp-block-paragraph">والحال أنّ الاندماج السويّ هو خيار مجتمعي يهدف إلى تكريس ديمقراطية اجتماعية وتسوية جوانب حقوقية، وليس مجرّد احتفاء بالأكلات الإثنية، أو استعراض لأزياء شعبية، أو إقامة حفلات رقص فولكلوري نابع من شغف &#8220;إيزوتيكي&#8221;، وهو ما قد يشيع تعدّدية زائفة. ولعلّ أخطر مستويات التنكّر لمتطلّبات الاندماج السويّ، كما ترصد الباحثة جوسلين شيزاري، حين يكون طمس الهويات المغايرة مدعومًا بقرارات مؤسّساتية تتشابك فيها عناصر الأصول الثقافية والدين والفقر، وهي معادَلة في منتهى الخطورة في حالة المهاجرين المغاربيين إلى أوروبا.</p>



<h2 class="wp-block-heading"><strong>الكنيسة</strong> الكاثوليكية <strong>والإسلام المهاجر</strong></h2>



<p class="wp-block-paragraph">نأتي إلى السؤال المحوري ما الذي تمثّله الكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا؟ تُعَدّ إيطاليا الحديثة نتاج ولادة قيصرية، لم تهدأ فيها العلاقة بين الكنيسة والدولة إلى حين تواضعت الأطراف المتنافسة على أنّ &#8220;الكنيسة حرّة في دولة حرّة&#8221;، بحسب مقولة السياسي الإيطالي الكونت كافور. وقد يذهب في ظنّ البعض أنّ دولة الفاتيكان الحالية منحصرة بحدود ما وراء نهر التيبر البالغ مساحتها أربعة وأربعين هكتارا، وباتّباع السور المحاذي يمكن الطّواف بها على مدار الساعة، ولكن نفوذها الروحي والرمزي والمادي أيضا يمتدّ على كافة التراب الإيطالي وعلى مستويات عدة تربوية وصحية وسياسية وغيرها. وجيشها الحقيقي، هو جيش فريد، يبلغ في الراهن 400 ألف كاهن، و 750 ألف راهبة. كما أن دولة الفاتيكان تربطها علاقات دبلوماسية بـ 177 دولة، وتحت إشرافها ثلاثة ملايين مدْرسة، وخمسة آلاف مشفى، ويضم &#8220;الكاريتاس&#8221; (دُور الإحسان)، المؤسّسة التي تسهر على المساعدات الاجتماعية، 165 ألف بين متطوّع وعامل يقدّمون خدمات لـ 24 مليون نفر. وأما مكتبة الفاتيكان فتضمّ أكثر من مليون كتاب، ومئة ألف بين خريطة ومخطوطة.</p>



<p class="wp-block-paragraph">لقد بدأ إيلاء ظاهرة الهجرة نحو إيطاليا اهتماما منذ مطلع ثمانينيات القرن الفائت، أي إثر توالي موجات من المهاجرين المغاربة (نقصد المغرب الأقصى) تعود إلى السبعينيات، ثم تلتها موجات من التونسيين مع مطلع الثمانينيات، أي قبل موجات الآسيويين والأوروبيين الشرقيين والأفارقة والقادمين من أمريكا اللاتينية. وما إن حلّ عقد التسعينيات حتى بدأت الكنيسة الكاثوليكية تبدي انشغالا مشوبا بالتوجس من القادمين من بلاد المغرب العربي، خصوصا من المغرب الأقصى وتونس، لمّا كانت بعض الشرائح العمالية تتوافد على إيطاليا بحثا عن مورد رزق في الأشغال الفلاحية والصيد البحري وحضائر البناء. مثّلت حينها رسالة الكردينال الراحل كارلو ماريا مارتيني (ت. 2012)، رئيس أساقفة ميلانو، &#8220;<strong>نحن والإسلام</strong>&#8221; (1990) أولى محطات التوجّس في هذا الصدد. وقد تناولت الرسالة في ما تناولت الخطوط العامة للتعامل مع المسلمين في العصر الحديث ضمن منظورين: كنسيّ لاهوتي، تساءل فيه عمّا يمثّله الإسلام في تاريخ الخلاص بالنّسبة إلى المسيحية والوعود والتحدّيات المترتّبة عن ذلك؛ ومدنيّ اجتماعي من خلال القول بمعيارية القبول بالتشريعات العلمانية السائدة في إيطاليا وفي سائر البلدان الغربية، كشرط للاندماج والدمج في النسيج الاجتماعي. وعملية احتواء المسلمين الاجتماعي، ضمن سياسة الهجرة الإيطالية، سياقٌ يحضر ضمن انشغالات الكنيسة وأنشطتها واستراتيجياتها أيضا، نظرا لدورها البارز وخبرتها العريقة مع المسلمين في هذا المجال وغيره.</p>



<p class="wp-block-paragraph">بدا وقعُ رسالة مارتيني منذ ذلك العهد جليا ومؤثّرا. فقد استعادت العديد من الشخصيات والهيئات المسيحية الخطوط العامة مقول الرجل، ومثّلت الرسالة حجر الأساس في بلورة منظور كنسي معاصر مثقل بالتهويمات القروسطية واليمينية غير الملائمة للتحولات الحداثية. ففي سنة 1992 استعادت اللجنة التريفينتية للمسكونية والحوار بين الأديان الخطوط المعلنة من قِبل الكردينال مارتيني، نُشرت في رسالة رعوية بعنوان &#8220;<strong>المسلمون والمسيحيون في حوار</strong>&#8220;، وأعقب ذلك في العام 1993 نشر اللّجنة الكنسيّة المكلّفة بالهجرة التابعة للمؤتمر الأسقفي الإيطالي نصّا بعنوان: &#8220;<strong>كنتُ غريبا فأحسنتم وفادتي</strong>&#8220;. ولم يحِل العام 2000 حتى أصدر مجلس إقليم إميليا رومانيا الأسقفي بإيطاليا أيضا وثيقة &#8220;<strong>الإسلام والمسيحية</strong>&#8220;، أكّد فيها بوضوح على شرطية الإيمان المسيحي، بما يعيد جدل قضايا الهجرة من منظور الكنيسة وفق أطر دينية مغتربة لا تتلاءم مع مجتمع باتت تحكمه أوضاع علمانية. ولكن مع المسلمين، كان التغاضي عن هذا المنظور المغترب البائس، وكأن الكنيسة لم تشهد تحولات مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965) وإصدار قراراتها الجريئة مع المسلمين. واللافت أنه منذ ذلك العهد بدأت الكنيسة، ممثّلةً في المجلس الأسقفي الإيطالي، تفصح عن منظور مناوئ وأكثر حدّة وانغلاق تجاه الوافدين المسلمين أمام تزايد أعدادهم بشكل ملحوظ، وإن كانت في الخارج حينها تشهد وتحرّك استراتيجيات حوار مكثّفة مع المسلمين. لكن الجلي في خضمّ هذه التحولات مع القادمين الجدد ومع حماس احتفالات &#8220;اليوبيل&#8221; -حلول الألفية الثالثة- أصدر المؤتمر الأسقفي الإيطالي ضمن توجيهاته الرعوية الخاصة بالعام 2000 وثيقة بعنوان: &#8220;<strong>التبشير بالإنجيل في عالم متغيّر</strong>&#8220;، رسمت استراتيجيات العشرية الأولى، وتضمّنت في النقطة 58 ما يلي: &#8220;ينبغي أن نواجه محورا مستجدّا شديد الأهمية، ذلك المتعلّق بتنصير الأفراد الوافدين علينا عبر الهجرة. فنحن مطالبون بأداء رسالتنا بين غير المسيحيين على أرضنا. ومع إيلاء تقاليدهم وثقافاتهم اهتماما، ينبغي أن نكون في مستوى تقديم الشهادة بالإنجيل نحوهم، وإن وجد ذلك رغبة لديهم حريّ تبليغهم كلمة الرب&#8221;. فمنذ بدايات هجرة المسلمين نحو إيطاليا لاح هاجس توظيف عمل الإحسان (الكاريتاس)، فهو ليس عملا إنسانيا خالصا، بل يبقى اللغة الأكثر ملاءمة لإبلاغ شهادة المسيح للمسلمين. حيث تَلخّصَ الدور في تَولّي مهمة غير المسيحيين (<em>ad gentes</em>) على أرضنا، مع الحذر من تقاليدهم وثقافاتهم، وأن نكون قادرين على الشهادة بالإنجيل في أوساطهم. ومنذ ذلك العهد دبّت مخاوف في أوساط الكنيسة، وأصدرت رئاسة المؤتمر الأسقفي الإيطالي سنة 2005 وثيقة على صلة بالزواج بين الكاثوليكيات والمسلمين في إيطاليا أعرب فيها المؤتمر عن انشغاله البالغ بقضية الزواج المختلط. كما أكد على ثلاثة عناصر تُلخّص الاستراتيجيا الكنسية في إيطاليا: العمل الخيري المسيحي الموجه للمهاجر غير المسيحي، الحوار الديني بشكل حازم ونقدي، ومهمّة التبشير بالإنجيل في أوساط غير المسيحيين في إيطاليا. وما إن حلّ العام 2006 حتى نشر ‘’الكاريتا “ &nbsp;**الإيطالي مذكرة بعنوان &#8220;<strong>المسيحيون والمسلمون. تجارب الحوار والتآخي. شبكة الكاريتاس في بلدان ذات أغلبية مسلمة</strong>&#8220;، لم تقتصر على رواية تجارب التعاون في البلدان ذات الأغلبية المسلمة فحسب، بل تضمّنت تأملات في أشكال التعامل مع المهاجرين المسلمين الموجودين في إيطاليا.</p>



<h2 class="wp-block-heading">الإسلام العمّالي</h2>



<p class="wp-block-paragraph">كما أسلفنا القول، تظلّ الصبغة العمّالية غالبة على المهاجرين المسلمين في إيطاليا، فكلّما احتاج المصلَّى -وليس المصلّي- إلى سمكري أو كهربائي أو بنّاء، فهو حاضر بين المصلّين، حتى باعة السمك وصنّاع البيزا وغيرهم يأتون بتبرّعاتهم من بضاعتهم إلى المسجد وخصوصا في شهر الصيام. هذه العوامل وغيرها جعلت مفهوم الدين بالنسبة إلى هذه الأقلية هو مجرّد بحث عن إشباع حاجات روحية، ولملمة هوية مبعثرة يتهدّدها التفسّخ داخل أغلبية منتظمة ومُمَأسسة على مستوى ثقافي ودينيى وتربوي. الأمر الذي جعل النشاط الهوياتي في أوساط الجالية المسلمة يتركز داخل البيت، ويستعين بمصليات بسيطة، لا يمكن أن يطلق عليها اسم مساجد بالمعنى الوظيفي.</p>



<p class="wp-block-paragraph">ولئن كانت أعداد المصلَّيات إلى حدود العام 1993 لا تتجاوز الخمسين مصلى فالأعداد اليوم باتت بالميئات، ولكن السؤال ما هوية هذه المساجد؟ يتحدّث عالم الاجتماع الإيطالي ستيفانو أَلِيافي عن أن كلمة مسجد أو جامع ضمن السياق الإيطالي تشير إلى مخازن، مستودعات، أو محلّات أعيد تهيئتها بحسب الحاجة. مع العام 2005 شهدت الساحة الإيطالية تطورا ملحوظا مع الجمعيات الإسلامية لاقتناء المحلات المخصصة للنشاط الثقافي الديني وإقامة المصليات. وينقسم نشاط الجمعيات الإسلامية إلى ثلاثة أنواع رئيسة: جمعيات على ارتباط بالدول الإسلامية وبسياساتها الثقافية والدينية؛ جمعيات ذات طابع شعائري؛ جمعيات ذات طابع حركي تمزج السياسي بالديني. يورد أندريا باشيني في دراسة بعنوان: &#8220;المسلمون في إيطاليا: الحضور المتعدد&#8221; أن التردد على المساجد بين المسلمين يتراوح بين 6 و 7 بالمئة من مجموع المسلمين، على اعتبار التردد على المسجد مرة شهريا.</p>



<p class="wp-block-paragraph">لم تخل تلك التطورات من ردود أفعال، وترافق ذلك مع اعتداءات على مراكز إسلامية في منطقة لومبارديا، وجراء العداء السافر لحزب &#8220;عصبة الشمال&#8221; للإسلام، عبّر بعض ناشطيه في منطقة لودي في السادس من أكتوبر 2000 عن معارضتهم إقامة مركز لأداء الشعائر الإسلامية بإلقاء كميات من البول وخراء الخنازير في المكان المزمع إقامة المسجد فيه بقصد تدنيسه. تكرر الحدث مع اقتراح نائب رئيس مجلس الشيوخ روبارتو كلديرولي &#8220;يوم الخنزير&#8221; “<em>Maiale day</em>” سنة 2007<a href="#_ftn1" id="_ftnref1">[1]</a>. إذ لدى مجموعات المتطرفين تتمازج مفخرة معركة ليبانتو التي أوقفت زحف العثمانيين بضرورة القيام بالصد ذاته في الراهن.</p>



<p class="wp-block-paragraph">ومع تحولات الهجرة خلال العقدين الأخيرين ما عاد اللون المغاربي الغالب على مسلمي إيطاليا، بل انضمّت مكوّنات جديدة، خصوصا من شبه القارة الهندية، ومن دول إفريقية، ومن الشرق الأوسط، من الأكراد والإيرانيين والعرب، وبات التنوّع العرقي واللغوي ميزة المهاجرين المسلمين في إيطاليا. وإن كان المخيال الشعبي الإيطالي يجمعهم تحت مسمى &#8220;الماروكيني&#8221; أو &#8220;الملوَّنين&#8221;، كما يتردّد على ألسنة العامة. تجدهم يحضرون بكثافة في المهن الشاقة والوضيعة والهامشية، وهي مهن غالبا ما ينفر منها الإيطاليون، مثل حضائر البناء، والأشغال الفلاحية اليدوية، وأسواق بيع الخضار والسمك، وفي محطات تعبئة البنزين، ومحلات بيع الورود، وفي مختلف المهن الظرفية وكباعة متجولين على شواطئ البحر، أو مسّاحي واجهات السيارات على قارعة الطرقات، أو في بيع الممطريات والورود بالتفصيل بالتردد على الساحات والمطاعم والمقاهي ليلا. إذ يدرك المهاجر المسلم في إيطاليا معنى أن يجد إعلانا للكراء يشترط فيه صاحب المحل عدم الكراء للأجانب، ويدرك جيدا معنى بحث نادل مسلم أسود البشرة عن شغل فلا يظفر بذلك البتّة، وتدرك جيدا مرأة محجبة معنى التفتيش عن شغل في الخدمة المنزلية أو في أعمال التنظيف فتتقلّص حظوظها كثيرا.</p>



<p class="wp-block-paragraph">أملت أوضاع الجالية المهترئة أن يظلّ النشاط في تلك المصليات متمحورًا حول الأداء الشعائري، وقائما على استهلاك مفاهيم دينية مغرقة في السطحية تستند إلى الوعظ والتذكير والإرشاد. فالمصلى هو ملجأ ضد الخارج، وسياج رؤيوي وديني يحول دون اختراق المنافس القِيَمي الخارجي. وبالتالي لا يشكل الدين لدى معظم أفراد الجالية منظورا منفتحا أو متحاورا مع المغاير يقوم على طروحات ثقافية أو فلسفية، بل هو مجرّد حصن يأوي إليه المهاجر، وإن ظلّ في الغالب بشكل غير منتظم. الأمر الذي يجعل مجمل ما يستجلبه المهاجر، من مخزون تراثي وشعائري وعقدي وفولكلوري أيضا، عنصرا من عناصر الهوية الدينية وحائلا دون اختراقات المغاير في مجتمع يشتدّ فيه التنافس على مستوى رمزي وقيَمي.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وبرغم أنّ الإسلام العمّالي في إيطاليا يخوض مسار حضور وعرا، في ظلّ تدنّي دعم دول المأتى التي لا تزيد مساعدتها عن التبرع ببعض المصاحف أو بشيء من التمر في شهر رمضان، فهو يلبّي بعض حاجات الجالية السائبة، السيكولوجية والروحية. تجده يكافح بأدوات بسيطة تتميز بطابع شعائري ليتوجّه خصيصا إلى شريحة عمالية مرهقة. ويقيم هذا الإسلام داخل مصليات هي أقرب إلى المحلات والدكاكين ليقدّم داخلها خطابا دينيا بسيطا بقصد الحفاظ عل هويات جريحة، مع تطور موجات الهجرة القادمة من المغرب والمشرق، ومن إفريقيا وآسيا. فهو إسلام لسدّ الحاجات الأولية في الدين، وبالأساس لتلبية حاجات شعائرية مثل أداء الصلوات الخمس، وإن كان الارتياد غير منتظم بسبب حالات عدم الاستقرار التي تميز مجمل أفراد الجالية، والإفطار الجماعي في رمضان وإقامة صلاة التراويح، والاحتفاء بالأعياد والمواسم الدينية، وقد يرتقي أحيانا إلى إقامة بعض الدروس ذات الطابع الفقهي، أو تحفيظ القرآن الكريم، أو تعليم المبادئ الأولى للغة العربية. لا يتمتّع هذا الإسلام بقدرات تسمح له بالتحاور مع الوسط الإيطالي الثقافي أو الديني، أو تداول قضايا ذات طابع عمومي. ونادرا جدّا ما يخرج القائمون على تلك المصليات للمشاركة في حوارات ندّية مع الأطراف الإيطالية.</p>



<p class="wp-block-paragraph">يقابل ذلك الحضور المحدود لتجمعات المسلمين الوافدين تجمّع الإيطاليين المهتدين على حدة، في جمعيات ذات طابع صوفي ثقافي، ولا تربطهم صلات وثيقة بمشاغل الجاليات المسلمة. ولا يرتاد كل منهما مصليات الآخر سوى بشكل عابر أو خاطف، جراء اختلاف الخطاب، وتباعد مفهوم التديّن، واختلاف المشاغل. إذ غالبا ما تحضر معوقات ذات طابع نفسي ثقافي تحول دون اختلاط بعضهم ببعض. فهناك نزوع لدى الإيطاليين المهتدين في جمعياتهم ونواديهم في النظر إلى الدين كمعطى روحي متخفّف من الضوابط الشعائرية ومن الصرامة العقدية، التي تبدو محورية لدى مجمل الجاليات المسلمة. لذلك تجد المسلمين المهتدين أقرب إلى مزاج الإيطالي سواء كان مراعيا لتعاليم الكاثوليكية أم غير مبال بالضوابط الدينية. في مؤلفه &#8220;<strong>المسلمون الجدد.. المهتدون إلى الإسلام</strong>&#8221; تعرّض الباحث الإيطالي ستيفانو أَلِيافي إلى جملة من العوامل والمسارات التي تجعل الإسلامَيْن متجاورين وغير مندمجيْن.</p>



<p class="wp-block-paragraph">لا يختلف مسجد روما الكبير عن دور تلك المصليات الصغرى، فهو مسجد كان في مضى تحت الإشراف السعودي ثم تحوّل إلى المغرب، الأمر الذي أدخل ارتباكا لدى مرتاديه على موعديْ بداية شهر الصيام ومنتهاه نظرا للخلافات بشأن موعد ظهور الهلال. لكن يبقى المحل المحبّذ لدى كثير من المهتدين، ممّن يختارونه لإعلان الشهادة والحصول على شهادة اهتداء قد تسمح لنفر منهم بالزواج من مسلمة أو ارتياد العربية السعودية للحجّ. لكنه يظلّ الأبرز في التوافد عليه من قِبل وفود رسمية إيطالية أو غيرها للزيارة أو الاستشارة، فهو المسجد الوحيد الذي يتمتع بترخيص قانوني من الدولة الإيطالية.</p>



<h2 class="wp-block-heading">الأقلية إزاء احتكار المجال الديني</h2>



<p class="wp-block-paragraph">صحيح يشكّل المسلمون الأقلّية الأوسع حضورا في المجتمع الإيطالي، وهي أقيلة تضمّ ثلاثة ملايين يقيمون بشكل قانوني على التراب الإيطالي، ينضاف إليهم عدد يناهز ثلاث مئة ألف من المهاجرين غير الشرعيين، أو ممّن هم في طور تسوية أوضاعهم القانونية، مع ذلك تظلّ هذه الفئة مستبعَدة حقوقيا عن الظهور في الفضاء العام. وبحسب تقديرات المركز الأمريكي &#8220;بو&#8221; للأبحاث (<em>Pew Research Center</em>) المعني بالانتماءات الدينية، تتوزّع التكتلات الأكثر عددا بينهم: المغاربة (زهاء 700 ألف)، يليهم البنغال (160 ألفا)، ثم المصريون والتونسيون بحوالي (150 ألفا) لكل تكتّل، ثم الباكستانيون (145 ألفا) والسينغاليون (130 ألفا) مع تجمعات أخرى لمشارقة وأفارقة. ويفترض أن تكون الجالية الثانية التي تلي المغاربة الألبان بـ (600 ألفا)، غير أنهم يتوزّعون إلى مسلمين ومسيحيين حيث التقدير العام في البلد الأصلي 60 بالمئة مسلمين و40 بالمئة مسيحيين.</p>



<p class="wp-block-paragraph">كيف تنبني علاقة الدين بالدولة في إيطاليا على مستوى عام وضمن إطار تشريعي دستوري؟ تنتظم العلاقة وفق ما يُعرف بنظام &#8220;الكونكورداتو&#8221; أي &#8220;الوفاق&#8221; الذي ينظّم الشأن الديني، وهو نظام يعود إلى الاتفاقات اللاتيرانية (<em>I patti lateranensi</em>) سنة 1929، انتظمت بمقتضاه علاقة الكنيسة بالدولة. ومنذ العام 1984 سوّت الدولة الإيطالية أوضاع 12 دينا وتقليدا دينيا لتغدو معترفا بها. وبما يضمن لها جملة من الحقوق، منها الحصول من الدولة الإيطالية على خصم ثمانية بالألف من الدخل على الضريبة الشخصية، إقامة معابدها الخاصة، والحق في المدافن والمحارق للموتى، وتنظيم عمليات الذبح.</p>



<p class="wp-block-paragraph">لكن في ظلّ هذا الإطار العام، يُصنِّف مجموعة من علماء الاجتماع الأمريكان إيطاليا ضمن المجتمعات الأوروبية الأكثر خضوعا للمونوبول الديني، فالكنيسة الكاثوليكية من المؤسسات المحتكرة للفضاء الديني بشكل لافت. فقد بقي &#8220;المؤتمر الأسقفي الإيطالي&#8221; شديدَ الانشغال بتطوّر أعداد المسلمين وتفاعلاتهم مع الأوساط الاجتماعية، حيث حذّر منذ العام 2005 من تداعيات &#8220;زواج الكاثوليكيات بالمسلمين في إيطاليا&#8221;، وقد ترافق ذلك بتكرار التوصية بعدم التنازل للمسلمين عن محلات رعوية بقصد الاستعمال الشعائري أو في أنشطة تهمّ المسلمين. ويُبرِز مؤلف &#8220;<strong>أوروبا والأديان</strong>&#8221; استنفار الأوساط الكنسية غير القابلة بأوروبا المتعددة إبّان مساعي سَنّ الدستور الأوروبي، والإلحاح على استعادة الماضي من خلال مقولة &#8220;الجذور اليهودية المسيحية&#8221; وهو ما لا يلائم الراهن الأوروبي التعدّدي. فقد جاء مشروع الدستور المتوقّف بما يناقض آمال البابا الراحل يوحنا بولس الثاني حينها، المتحفّز &#8220;لإعادة أنجلة أوروبا&#8221; وما يقتضيه من ترسيخ الطابع الكنسي في القارة.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وبخصوص المهاجرين المسلمين فغالبا ما تتناغم الكنيسة مع الرؤى اليمينية في النظر إليهم، ولا تتعامل معهم كمقيمين لهم حقوق اجتماعية وثقافية تضاهي نظرائهم من مواطني البلد، وتتبنى بشأنهم موقفا حضاريا مسبقا. الأمر الذي يدفع كثيرا من أفراد الجالية المسلمة أثناء الانتخابات إلى التصويت للأحزاب اليسارية والتكتلات المعارضة لليمين التي يجدون لديها تفهّما لقضاياهم، وينأون في عمومهم عن الأحزاب اليمينية ذات الخلفية الدينية، التي عادة ما تكون مدعومة من الكنيسة. فالاعتراف بخصوصيات الهوية الإسلامية في إيطاليا يجد سندا من اللادينيين أكثر مما يجده من المتديّنين، ومن المفارقات في إيطاليا أن المسلم أقرب إلى اللامتدين منه إلى المتديّن، لما يجد لديه من تفهّم لقضاياه، في وقت يُفترض فيه أن يكون المسلم بين إخوانه من أهل الكتاب، على اعتبار انتماء المسلم والمسيحي إلى تراث إبراهيمي جامع.</p>



<p class="wp-block-paragraph">تتحكّم الكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا، ممثّلة بالمجلس الأسقفي، بالفضاء الديني، سواء ما تعلّق منه بصياغة السياسة الدينية ذات الصلة بالمجتمع، عبر ما يعرف بـ &#8220;تعليم الكنيسة الاجتماعي&#8221; (<em>Dottrina sociale della chiesa</em>) أو من ناحية إقرار البرامج التربوية والتعليمية الدينية، في كافة مراحل التعليم قبل الجامعي، هذا بالإضافة إلى تتبّع النشاط الديني لأيّ تجمّع غير كاثوليكي يحضر في إيطاليا، حيث يلعب &#8220;المجلس الأسقفي الإيطالي&#8221; دورا أساسيا في صياغة السياسة الدينية في الداخل الإيطالي بوصفه الوصي أو الرقيب على الضمير الجمعي. صحيح لا توجد في إيطاليا وزارة تعنى بالشؤون الدينية، ولكن توجد دولة دينية داخل دولة علمانية تتجاوز انشغالات الوزارة المحصورة بقطاع معين، وهي تتحكم بجملة من الملفات والملف الإسلامي إحداها.</p>



<p class="wp-block-paragraph">ففي أوضاع التوتر بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، تُصوَّر الجالية المسلمة كجالية مقلقة، وتغدو مادة دسمة للإعلام المخاتل، لتتحول فجأة من جالية عمالية تكافح من أجل لقمة العيش إلى خزّان للتوترات الأمنية. يعلو الحديث عن استراتيجية المسجد، وعن مخطّطات اجتياح الغرب وأسلمة أوروبا. ويجري تسييس الجالية ومصلياتها، ولا يخلو الأمر من بعض الاعتداءات هنا وهناك خصوصا على نسوة محجبات. هي حملات موسمية ودورية يشنّها اليمين الشعبوي ويؤججها كتّاب. تتحول فيها حتى مطاعم &#8220;الشاورمة&#8221; و&#8221;الكباب&#8221; إلى نقاط غزو ثقافي وقلب لهوية المجتمع. ثمة هاجس شعبوي يصرّ على اختلاق المغايرة والتصارع، ولا يقرّ بالتنوع والإثراء ومراعاة الخصوصيات، لتصبّ عملية الشحن في زيادة عزل المهاجر والتضييق عليه في الشغل والسكنى والشارع.</p>



<p class="wp-block-paragraph">فلا يفوتنا دائما أن &#8220;الإسلام في الغرب&#8221; أو &#8220;الإسلام الغربي&#8221; -كما هو بصدد التحوّل والتشكّل- هو مكوَّن حضاري من مكوَّنات الغرب ما بعد الكولونيالي، لا يزال يشقّ طريقه بتؤدة، ويصوغ تفاعلاته مع حاضنة حضارية يطغى عليها الطابع العلماني وتستند إلى مرجعية دينية مسيحية. وأنّ الملايين المسلمة التي أضحت مستوطِنة في الغرب لا تشكّل مكوَّنا نقيضا للغالبية السائدة، كما يجري الحديث أحيانا، في أوقات التوتر أو عند اندلاع الأحداث الأمنية، وإنما هو مكوَّن أفرزه سياق التحولات لا يزال يشقّ طريقه ويبحث عن هويته داخل تجاذب مزدوج: الارتباط بالأصول الحضارية السّالفة والتماهي مع قضاياها وإشكالياتها؛ والقبول بسياسات مجتمعية تختلف أبعادها ومقاصدها من بلد غربي إلى آخر.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وحريّ أن ندرك أنّ التوتر المتفجر في إيطاليا وفي الغرب عموما -من حين إلى آخر- بين المهاجرين المسلمين وبعض الأطراف المحلية، ذات التوجه الديني المحافظ أو اليميني المتطرّف الذي يُصبَغ بصبغة التهديد لنمط الحياة الغربية، ليس قائما على جلب الشريعة أو أسلمة أوروبا أو ما شابه ذلك. فالسوادُ الأعظم من المسلمين صاروا جزءا من تلك الديار، ويتماهون مع فلسفتها الاجتماعية وأعرافها المعيشية. وأنّ المطالبة ببعض الحقوق لا تعني تغيير النموذج الغربي أو تهديده، كما يُصوِّر المغالون، بل تنشد خوض إصلاحات ذات طابع اجتماعي حقوقي. كون المسألة تتلخّص في حيف اجتماعي، قوامه العزل المقصود في الشغل، والاستبعاد على وجه العمد من مواقع النفوذ، والتضييق المتعمَّد على سُبُل الرزق.</p>



<p class="wp-block-paragraph">لكن عملية النفي تعود أيضا إلى وهن داخل الجاليات المسلمة وإلى لامبالاة مقصودة أحيانا من المجتمع الحاضن. يظلّ فيها كدح المهاجرين والإسهام في بناء المجتمع مرحبا به، ولكن تطلّعات أرواحهم بمناجاة خالقهم، وعيش شعائرهم، واستلهام مخزونهم الروحي في حياتهم ومماتهم يبقى شأنا مصادَرا. والحال أن الكاثوليكية تقرّ بقول المسيح &#8220;لا يعيش الإنسان بالخبز وحده، بل بكلمة من فم الربّ&#8221;.</p>



<p class="wp-block-paragraph">ظلّ المسلمون في إيطاليا، رجالا ونساء، على مدى عقود، ولا يزالون مبعَدين قسرا من الإسهام في الدورة الاقتصادية في المجتمع المضيف إلا بما اقتضته الضرورة. ولذلك تجد جلّهم يشتغلون في الأشغال الهامشية والظرفية التي عادة ما ينفر منها الإيطالي. تلك العطالة المفروضة تمسّ جنسيْ الذكور والإناث من المهاجرين، ولربما العنصر الأنثوي الأكثر تضررا بشكل أوضح، مع أننا نسمع صباح مساء في الإعلام الإيطالي عن انتهاك حقوق المرأة المسلمة في البلدان التي تدين بدين الإسلام.</p>



<p class="wp-block-paragraph">الإبعاد العمد من نسيج الشركات والمؤسسات الكبرى وحتى الصغرى منها التي تكوّن الاقتصاد الإيطالي، ومن الأشغال التابعة للبلديات بأنواعها هي مظلمة خفية في حقّ الجالية المسلمة، إذ يندر أن تشغّل شركات محلية أو عالمية منتصبة في إيطاليا المهاجر المسلم مثل &#8220;كارفور&#8221;، و&#8221;إيكيا&#8221;، و&#8221;هاش آم&#8221;، و&#8221;أوفياس&#8221;، و&#8221;ماكدونالدس&#8221;. ولسائل أن يسأل كيف تدبّر الأقلية المنبوذة عيشها في ظلّ وضع طارد تتقلص فيه استراتيجيات الاستيعاب. الوضع أجبر شقّ واسع من هؤلاء &#8220;المنبوذين&#8221; إلى الاشتغال في الأعمال الحرة، في الأسواق والمتاجر والمحلات الخاصة، وثمة عدد لا بأس من بين هؤلاء من يختار الهجرة ثانية إلى مجتمعات أوروبية أخرى بمجرد الحصول على الجنسية.</p>



<p class="wp-block-paragraph">عملية الدحر والصدّ لا تقف عند الشغل، بل يصل مداها المدرسة. نجد نصف مليون من اليافعين والناشئة من أبناء الجالية المسلمة، ممّن هم في سنّ التمدرس الإلزامي، معفون اضطرارا من &#8220;ساعة الدين&#8221; التي تُقدّم في المدارس والمعاهد الإيطالية. ففي نظام تعليمي يقرّ بتدريس مادة &#8220;التربية الدينية&#8221; ضمن البرامج التعليمية، التي هي في الأصل مادة للتربية الكاثوليكية يتولى تدريسها مدرسون ينتقيهم &#8220;المؤتمر الأسقفي الإيطالي&#8221; وتدفع رواتبهم الدولة الإيطالية بموجب اتفافيات تعود إلى &#8220;الكونكورداتو&#8221;، تحضر لامبالاة بحقوق أبناء الديانة الثانية غير المعترف بها. وأحيانا يثار جدل بشأن &#8220;ساعة الدين&#8221;، يجري فيه الحوار مع أقليات ميكروسكوبية ولكنها نافذة، مثل اليهود والفالديين، في حين يجري التغاضي عن المسلمين. كان نص الدستور الإيطالي السابق في &#8220;الكونكورداتو&#8221;، قبل عملية التنقيح، ينصّ على صيغة دين الدولة وقد جرى التخلي عنها، ولكن الواقع لم يشهد تحولات ملموسة.</p>



<h2 class="wp-block-heading">مخبر التعدّدية المفتوح</h2>



<p class="wp-block-paragraph">تستمدّ التعددية، بوجهيها الديني والثقافي، قوّتها وصلابتها من الحاضنة الاجتماعية. وضمن السياق الإيطالي تعيش التعددية حالة اختبار وتجريب لم ترسُ فيها بعد على أسس ثابتة. صحيح في العموم ثمة إطار عام مدني وعلماني تستند إليه الدولة، غير أن التعاطي مع ظواهر التنوع في المجتمع، المتأتية جراء الهجرة، لا تزال عنصرا ضبابيا. لذلك تجد تعامل السياسات الثقافية العامة مع الوافد الجديد تعاملا فولكلوريا لا يرتقي إلى مستوى مراعاة الخصوصيات، وهو أمر عائد إلى النظر إلى موضوع الهجرة كمحاولة إغاثة ظرفية تأتيها الدولة وليس كظاهرة واقعية وعالمية. ومن ثَمّ فالتنوع الآتي مع الهجرة هو مختبر مفتوح على مقاربات عدّة، لم يصل فيه التحاور بين مختلف المكوّنات الأصيلة والوافدة إلى مستويات متقدّمة حول طبيعة المجتمع المنشود.</p>



<p class="wp-block-paragraph">فما من شك أنّ التسامح هو قدرة على قبول المغاير، وهو ينبني بالأساس على إيمان بحقّ الآخر في الحضور والوجود، وهو في حال وضع المسلم في إيطاليا مطلبٌ على صلة كبيرة بالأهليين، أكثر مما ينبغي على الوافدين والناشئين إتيانه والعمل على ترسيخه، حتى وإن بات جانب مهمّ من العملية عائدا إليهم بالنظر. ولكن بمنأى عن ميزان القوى المتحكّم بالعلاقة بين المتسامِح والمتسامَح معه، فالتسامح وقبل أن يكون خُلقا مدنيا على المرء أن يتحلّى به، هو حاجة لازمة داخل التنوّع بغرض الحفاظ على توازن المجتمعات المتعددة. وهو وعيٌ وإدراكٌ قبل أن يكون مِنّة أو تنازلا أو تساهلا، وكما أشرنا آنفا أن الاستثمار في التوعية والتثقيف هو مجال فاتر في أوساط المسلمين في الغرب، فغالبا ما لا تعي الجموع المسلمة هذا العنصر الحاسم، لكون الثقافة قائمة على عناصر رمزية، وعلى رصيد معنوي، وعلى مفاهيم. والتسامح الفاعل يتطلّب خلفية ثقافية تدعمه، وهذا ما لا يتوفّر في غالب الأحوال لجموع واسعة من المسلمين في إيطاليا، إذ يبقى النظر للآخر وفق قوالب ضيّقة متأتية من ثقافة الآباء، أو مما هو مستهلَك في أوساط الجالية أو في حدود الأسرة. صحيح أنّ المسلمين في الغرب معنيون بمراجعة رؤاهم، الدينية والثقافية، وهم يحتكون بواقع مسيحي دبّت في أوصاله آثار الحداثة والعلْمنة، بَيْد أن العملية ليست بالسهولة التي قد نتخيّلها. فليست الجاليات المسلمة كتلة متماسكة موحدة، بل هي كغيرها من الجماعات المهاجرة شظايا من العناصر داخل حاضنة اجتماعية أوسع، بما يجعل حظوظ تشكّل خارطة وعي جامعة بينهم محدودة.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وبالتالي تملي التعددية في المجتمعات المعاصرة تطوير خُلقية جديدة في التعايش، وهي خُلقية غير ناجزة، أي بخلاف ما يذهب في ظنّ البعض أن المجتمعات الغربية مهيّأَة بطبعها ومتسامحة وقابلة للآخر. والمجتمع الإيطالي تحديدا، وجد نفسه بعد موجات الهجرة أمام اختبارات اجتماعية طارئة، أَمْلت عليه إعادة النظر في رؤاه الدينية والقانونية.</p>



<p class="wp-block-paragraph">ولا شكّ أنّ هناك أوضاعًا طاردةً في إيطاليا، كما هو الشأن في الغرب، ولكن ينبغي ألاّ تدفع إلى مزيد التصلّب الهوياتي في أوساط الجاليات المسلمة، بل يُستوجَب تفحّص أوضاع النفور والتعاطي معها برويّة. كما أن الأوضاع الصعبة لعدد وافر من المسلمين في الغرب، والناتجة بالأساس عن تدنّي القدرات والإمكانات والفرص ومحدودية التكوين الدراسي، ينبغي ألا تدفع إلى الانعزال وضيق الرؤية في الدين والدنيا، لا سيما وأن البؤس الاجتماعي غالبا ما ينتج بؤسا دينيا في النظر والممارسة.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وحريّ أن نشير ضمن السياق الذي يعيشه الإسلام المهاجر إلى مخاطر تحويل الدين إلى خاصية عرقية أو إلى &#8220;دين عرقي&#8221; (<em>ethnic religion</em>)، وقد تناوَلَ أبعاد هذه المسألة بعض علماء الاجتماع مثل غريلي وهاموند وفارنر. حيث يؤازِر الدينُ المؤمنَ في عملية الاندماج لمَّا يكون تمثُّله بطريقة ديناميكية غير جامدة، بما يسمح للمرء بناء علاقة سويّة قوامها مثلّث الذات والإيمان والمجتمع؛ ولكن كلّما اِعترى تلك العلاقة خللٌ وغدا الدين فيها حكرًا على جماعة المأتى وعنوانا لهوية مغايرة تنافي الانفتاح، يصبح الدين عائقا للاندماج، ضمن تمثّله بمثابة نظام دفاع عن الجماعة الإثنية. وبذلك التميّز القائم على المزج بين البُعد الديني والخاصيات العائدة لجماعة بشرية (اللغة، ولون البشرة، والأصل التاريخي، وما شابه ذلك) ترى الجماعات الدينية المهاجرة، في الحفاظ على ذلك الرأسمال الرمزي، المعْقَل الأخير للذّود عن كيانها المهدَّد بالاندثار.</p>



<p class="wp-block-paragraph">نخلص إلى أنّ التعددية هي مشروع تشاركي، حتى وإن كان هناك غيابٌ ملحوظ للتنوعات الدينية والثقافية غير الكاثوليكية، وحضورٌ طاغ لخطاب الهوية التقليدية، وكأنّ التحولات التي تشهدها إيطاليا منذ أربعة عقود غير موجودة. ففي المخيال الجمعي، الأجنبي هو عابر وغير قارّ، وإن كان من مواليد إيطاليا. ولا يعني الحديث أنّ الدولة غائبة عن ترشيد التنوع، ولكن محاولاتها في الغالب تأتي طارئة وظرفية. في مطلع التسعينيات من القرن الفائت قدّمت بعض الهيئات الإسلامية -اتحاد الجمعيات الإسلامية في إيطاليا، المركز الإسلامي بروما، جمعية &#8220;قريش&#8221; الناطقة باسم المهتدين الإيطاليين- مشروع &#8220;إنتيزا&#8221; (مشروع اعتراف) مع الدولة بقي معلقا إلى اليوم. تلته في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 مبادرة من الحكومة اليمينية حينها بقيادة سيلفيو برلسكوني ارتأت أن السبيل لإبعاد المسلمين المقيمين على الأراضي الإيطالية عن الانخراط في المسارات المتشدّدة يقتضي دمجهم في أطر تشريعية وتشجيعهم على خلق هيئة تسهر على الشأن الديني الإسلامي وتكون الناطق الموحد باسم المسلمين، وهو ما حاولت جل البلدان الغربية فعله حينها. كانت المساعي حثيثة لمأسسة الإسلام وخلق هيئة تمثيلية تتحاور مع أجهزة الدولة. تولت ملف إنشاء &#8220;المستشارية الإسلامية&#8221; (نوفمبر 2005) وزارة الداخلية حينها، جاءت المبادرة من فوق بإشراف الوزير جيوسيبي بيزانو ولم تُستشر فيها الجالية. لم يمض وقت طويل حتى تلاشى المشروع وذهب بذهاب الحكومة.</p>



<h2 class="wp-block-heading">الإسلام واقتحام المجال العمومي</h2>



<p class="wp-block-paragraph">طيلة الحقبة المعاصرة ظلّت إيطاليا تعيش أوضاعا دينية مفعمة بالرتابة، ألِفت فيها الساحة التعاطي مع تقليد دينيّ مهيمِن تمثّله الكنيسة الكاثوليكية، ومجموعة من التنوّعات الأقلّوية، المسيحية واليهودية، تقنع فيها الأطراف الحاضرة بأدوار محدّدة في النسيج الاجتماعي. حتى أطلّ الإسلام مع مطلع تسعينيات القرن الفائت، لتشهد الساحة ارتباكا مع قدوم الوافد الجديد الذي سرعان ما طفت قضاياه في المجال العام. وقد أملت عوامل متنوّعة تداول الإسلام ضمن النقاش العمومي، لعلّ أبرزها حضور أتباع هذا الدين كأمر واقع في الساحة الاجتماعية وكضيف مزعج داخل توزّع الأدوار المعهود في ساحة الاجتماع الديني، ناهيك عن تشابك ذلك الحضور مع أوضاع دولية متوتّرة.</p>



<p class="wp-block-paragraph">لهذا يبحث الإسلام اليوم عن موضع قدم داخل المجال العام، ويستظلّ بما تتيحه علمانية الدولة من حرية المعتقد، وبما يضمنه الدستور الإيطالي من مراعاة للتعدّدية ومستحقّاتها الحقوقية. حتى وإن افتقد دين الإسلام إلى اعتراف من الدولة، في ظلّ انتظام العلاقة بين التقاليد الدينية الناشئة والسلطات الرسمية ضمن &#8220;وفاق&#8221; مبرَم (إنتيزا)، يغدو التقليد الجديد بمقتضاه حائزا على صكّ الاعتراف.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وفي ظلّ المستجدّات الدينية التي شهدتها إيطاليا في العقود الأخيرة، قد يبدو الحضور في المجال العام متاحا أمام سائر الجماعات والتلوّنات الثقافية، وتتساوى فيه الحظوظ بين مختلف الأطراف، ولكن الحضور الفاعل يظلّ على صلة وطيدة بمدى انفتاح السوق الدينية ورفع أشكال الاحتكار المستشرية فيها. ما يجعل المجال العام -في أوضاعه الحالية- فضاء تراتبيا أيضا، لا تتساوى فيه الحظوظ والإسهامات. وبالتالي فإنّ مغانم الاستفادة من هوامش الحرية متفاوتة من جماعة إلى أخرى، فالمجال العام كغيره من المجالات قد يخضع للهيمنة والاحتكار والرقابة أيضا. وعلى هذا الأساس يُصنِّف مجموعة من علماء الاجتماع الأمريكان، يُعرَفون بمنظّري السوق الدينية، إيطاليا ضمن المجتمعات الأوروبية الأكثر خضوعا للمونوبول الديني والاحتكار، وهو احتكار تهيمن فيه الكنيسة الكاثوليكية على المشهد الديني بشكل بارز.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وإذا ما قلنا إنّ الإسلام هو الدين الثاني في إيطاليا بعد الكاثوليكية، فإنّ ذلك لا يضعه في مستوى التقاليد الدينية المبرِمة لوفاقات رسمية مع الدولة، من حيث حضورها وتأثيرها في المجال العام. والإسلام في ظلّ أوضاعه الحالية في إيطاليا مدعاة لإثارة توتّرات في المخيال العام، تتداخل فيها عوامل تاريخية قديمة بأخرى سياسية راهنة يسهم جميعها في خلق حالة من العصابية تجاه المهاجرين المسلمين. يورد المؤرخ برنار لويس في كتاب &#8220;<strong>اكتشاف المسلمين لأوروبا</strong>&#8221; قصة البندقي المنزعج إزاء إنشاء &#8220;فندق الأتراك&#8221; -حوالي 1602م-، الذي يرتاده التجار والرحالة المسلمون، خشية أن يتحوّل إلى مسجد لعبادة محمّد!!!. تلك التهويمات القروسطية لا تزال حاضرة في الأوساط الكَنَسية واليمينية، وهي تهويمات نابعة عن عجز في التعاطي مع التحوّلات الجديدة بمنظور تعدّدي، والإصرار على الاستئثار بالشأن الديني في ظرف تاريخي شهد تحولات عميقة.</p>



<h2 class="wp-block-heading">وعود التعدّدية</h2>



<p class="wp-block-paragraph">كما تبيّن لنا تستمدّ التعدّدية صلابتها من الحاضنة الاجتماعية، وهي ضمن السياق الإيطالي تشهد حالة اختبار لم ترسُ بعد على أسس جليّة. صحيح ثمّة إطار مدني عام تستند إليه الدولة، غير أنّ التعاطي مع ظواهر التنوّع في المجتمع، بفعل حضور تقاليد دينية جديدة، لا يزال غائما. لذلك تجد تعامل السياسات الثقافية العامة مع الوافد الجديد تعاملا فولكلوريا في الغالب، ولا يرتقي إلى مستوى مراعاة الخصوصيات، وهو أمر عائد إلى النظر إلى موضوع الهجرة عامة كإشكال ظرفي تتعامل معه السياسات وليس كظاهرة واقعية وعالمية. ومن ثَمّ فإنّ التنوّع الناشئ في المجتمع هو مختبَر مفتوح على مقارَبات عدّة، لم يصل فيه التحاور بين مختلف المكوّنات الأصيلة والوافدة إلى مستويات متقدّمة حول طبيعة المجتمع المنشود.</p>



<p class="wp-block-paragraph">فما من شكّ أنّ التسامح قبل أن يكون منّة هو قدرة على قبول المغاير، وهو يَنبني أساسا على إيمان بحقّ الآخر في الحضور والوجود، وهو في حال وضع المسلم في إيطاليا مطلبٌ على صلة وثيقة بالأهليين، أكثر مما ينبغي على الوافدين والناشئين إتيانه والعمل على ترسيخه، حتى وإن بات جانب هامّ من العملية عائدا إليهم بالنظر. ولكن بصرف النظر عن ميزان القوى المتحكّم بالعلاقة بين المتسامِح والمتسامَح معه، فالتسامح وقبل أن يكون خُلقا مدنيا على المرء أن يتحلّى به، هو حاجة لازمة داخل التنوّع بغرض الحفاظ على توازن المجتمعات المتعدّدة. وهو وعيٌ وإدراكٌ قبل أن يكون مِنّة أو تنازلا أو تساهلا. والتسامح الفاعل يتطلّب خلفيّة ثقافية تدعمه، وهذا ما لا يتوفّر في غالب الأحوال لجموع واسعة من المسلمين في إيطاليا، إذ يبقى النظر للآخر وفق قوالب ضيّقة متأتية من ثقافة الآباء، أو ممّا يروج في أوساط الجالية، أو في حدود الأسرة. صحيح إنّ المسلمين في الغرب معنيون بمراجعة رؤاهم، الدينية والثقافية، وهم يحتكون بواقع مسيحي دبّت في أوصاله آثار الحداثة والعلْمنة، بَيْد أن العملية ليست بالسهولة التي نتخيّلها. فليست الجاليات المسلمة كتلة منسجمة موحّدة، بل هي كغيرها من الجماعات المهاجرة شظايا من العناصر داخل حاضنة اجتماعية أوسع، بما يجعل حظوظ تشكّل خارطة وعي جامعة بينهم محدودة.</p>



<h2 class="wp-block-heading">الحوار الاجتماعي</h2>



<p class="wp-block-paragraph">في ظلّ أوضاع الجالية المسلمة في إيطاليا في الوقت الحالي، يتعذّر الحديث عن حوار حضاري أو حوار ديني بين الطرفين المسلم والكاثوليكي، وبالمثل عن تثاقف معرفي، بل عن تفاعل معيشي واختبار عملي للسلوكات والقيم والأخلاق. ولذلك لا تسمع صدى لمشاركات ممثّلي الجاليات أو لأطر قياديّة في موائد الحوار التي تُعقَد على مستوى أكاديمي أو جامعي، وكأنّ الأمر من جانب الجاليات المسلمة لا يعنيها. فتلك الجموع الهائلة لم تنتج بعد نخبة مثقّفة تحمل همومها وتعبّر بلسانها في أوساط الإعلام وبين المشتغلين بالثقافة. فهي جالية منشغلة بما هو ضروري، وبما هو مباشر، وذو مردود براغماتي، وهو ما يمكن تصنيفه في خانة الحوار الاجتماعي.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وفي ظرف تاريخي تعيشه الجاليات المسلمة في إيطاليا، يندر فيه المثقفون والباحثون والدارسون بينها، تبقى حقلا في عهدة آخرين، وتظلّ مرتَهنة داخل قراءات مجحفة يصوغها خطّ يميني منغلق، إذ لا يزال الجيل الثاني من أبناء المهاجرين، جيلا يافعا في سنّ التمدرس الإلزامي في الغالب الأعمّ، وهو الجيل المعوَّل عليه في تقليص الضغوطات في المستقبل المنظور.</p>



<p class="wp-block-paragraph">أحيانا تُلقى مهمّة ثقيلة على الجاليات المسلمة في صياغة وعيها بأحوالها وتدوين تغريبتها. حين أتملّى أوضاع الجالية في إيطاليا التي أنتمي إليها، يبدو هذا التعويل منافيا للصواب، لما يفتقده من دراية بواقع تلك الجاليات، في ظلّ غياب التقديرات المضبوطة لِقدرات تلك الجموع المليونية ولِما تحوزه من إمكانيات متواضعة. فنحن بعد عقود من الهجرة لم نصل بعدُ إلى مستوى تشكُّل ما يشبه الشريحة المثقّفة المستوطِنة بإيطاليا، ذات الأصول العربية والإسلامية، وما لدينا هم أنفارٌ متناثرون عاملون في حقل الثقافة والمعارف. في ظلّ اختلال الموازين هذا، يُفترض أن يكون علم الاجتماع أو بشكل أدقّ &#8220;سوسيولوجيا الهجرة&#8221; الأكثر إحاطة بالتعامل مع الظواهر الاجتماعية المستجدة في المجتمع الإيطالي، والأكثر حرصا على معالجة القضايا ذات الصلة، ولا نقول تطويع سوسيولوجيا الهجرة لتكون المدافع عن المستضعَفين والغرباء والمهمَّشين، ولكن الأكثر شفافية في عرض الوقائع وانتقاد الخيارات الخاطئة، والتعاطي مع الوقائع بدون تأويلات مجحفة أو قراءات مضلّلة أو أحكام جاهزة.</p>



<p class="wp-block-paragraph">* جامعي تونسي مقيم في روما- إيطاليا.</p>



<p class="wp-block-paragraph"><em>** الكاريتاس هي منظمة إحسان كاثوليكية ذات طابع عالمي، تأسست في ألمانيا سنة 1897، وهي اليوم حاضرة في مئتي دولة، يقوم على رأسها كردينال ومقرّها الرئيس في روما.</em></p>



<p class="wp-block-paragraph"></p>



<p class="wp-block-paragraph"></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2026/09/07/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%83%d8%af%d9%8a%d9%86-%d8%a3%d9%82%d9%84%d9%91%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d8%b7%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%91/">الإسلام كدين أقلّية (الحالة الإيطاليّة)</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2026/09/07/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%83%d8%af%d9%8a%d9%86-%d8%a3%d9%82%d9%84%d9%91%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d8%b7%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%91/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>المسيحيّون العرب في فلسطين</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2026/05/26/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%8a%d8%ad%d9%8a%d9%91%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2026/05/26/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%8a%d8%ad%d9%8a%d9%91%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 26 May 2026 09:05:43 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[إسرائيل]]></category>
		<category><![CDATA[إيطاليا]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلام]]></category>
		<category><![CDATA[الصليب]]></category>
		<category><![CDATA[الصهيونية]]></category>
		<category><![CDATA[الكوفية]]></category>
		<category><![CDATA[المسيحية]]></category>
		<category><![CDATA[الهلال الخصيب]]></category>
		<category><![CDATA[عزالدّين عناية]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[قسطنطين زريق]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=7755407</guid>

					<description><![CDATA[<p>مقالة حول كتاب الباحثة الإيطالية باولا بيزّو "الصليب والكوفيّة. تاريخ المسيحيّين العرب في فلسطين": التلاحم الوثيق بين أرض فلسطين و المسيحية.</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2026/05/26/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%8a%d8%ad%d9%8a%d9%91%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86/">المسيحيّون العرب في فلسطين</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p class="wp-block-paragraph"><strong>يبدو الصليب والكوفية رمزين متنافرين، أو لنقل الواحد على نقيض الآخر، في المخيال الغربي، بينما يفصح التاريخ عن تلاحم وثيق وحيّ، بين أرض فلسطين والإيمان المسيحي</strong>. <strong>مقالة حول كتاب الباحثة الإيطالية باولا بيزّو &#8220;الصليب والكوفيّة. تاريخ المسيحيّين العرب في فلسطين&#8221;</strong>. </p>



<p class="has-text-align-left wp-block-paragraph"><strong>عزالدّين عناية</strong> *</p>



<span id="more-7755407"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2018/09/عزالدّين-عناية.jpg" alt="" class="wp-image-148015"/></figure>
</div>


<p class="wp-block-paragraph">ثمّة قطاع واسع في الدراسات الدينيّة لا يزال التعامل معه في الثقافة العربية ضمن أدوات المفاضَلة، والمناكَفة، والبكائيات، وما شابهها. وهي أدوات مضلِّلة ومشوِّهة لا تمتّ بصلة للدراسات العلمية للأديان. فهي عائدة إلى ضعف التكوين في حقل معرفي يقوم أساسا على فصل ما هو ذاتي عمّا هو موضوعي، وما هو لاهوتي عمّا هو علمي. حتى أنّ كتاباتنا حول اليهودية والمسيحية، على سبيل المثال، لا يُعتدّ بها في المدوَّنة العالمية ولا تلقى حظوة لضعف بنيتها المعرفية وارتباك منهجها. ما يجعلنا في هذه المساحة المتاحة من عرض المؤلفات الغربية نشير إلى الإنجازات المقدَّرة في مجالات الدراسات العلمية للأديان في اللسان الإيطالي. وقد آثرنا في هذه المقالة تناول كتاب على صلة بتاريخ المسيحية الفلسطينية تحديدا.</p>



<p class="wp-block-paragraph">فبهذه الكلمات تستهلّ الباحثة الإيطالية باولا بيزّو كتابها &#8220;الصليب والكوفيّة.. تاريخ المسيحيّين العرب في فلسطين&#8221; : &#8220;يبدو الصليب والكوفية رمزين متنافرين، أو لنقل الواحد على نقيض الآخر، في المخيال الغربي، بينما يفصح التاريخ عن تلاحم وثيق وحيّ، بين أرض فلسطين والإيمان المسيحي&#8221;. فقد سكن المسيحيون العرب فلسطين ومنطقة الهلال الخصيب، منذ عهود المسيحية الأولى بدون انقطاع وإلى اليوم. في هذا المؤلّف تتتبّع الباحثة باولا بيزّو تاريخ أتباع المسيح (ع) في أرض فلسطين، من البدايات إلى وقائع التاريخ المعاصر، في مسعى لصياغة خلاصة جامعة.</p>



<p class="wp-block-paragraph">توزّعَ البحث على ستّة محاور أساسية، غطّت مختلف أطوار التاريخ الفلسطيني وجاءت معنونَة على النحو الآتي: &#8220;بدايات التاريخ الأولى&#8221;، وذلك منذ ظهور المسيح (ع) إلى احتضان الإسلام هذا الدين، وانضمام المسيحيين إلى مكوَّن حضاري جامع؛ &#8220;المسيحيون والنهضة العربية&#8221;، تناول أبرز إسهامات الكتّاب والمفكرين الفلسطينيين في بلورة مشروع النهضة العربية؛ &#8220;الهوية الفلسطينية بين الدين والقومية&#8221;، وقد تركّز فيه الحديث على الطابع التعدديّ للهوية الفلسطينية وعلى دور المسيحيين إبان الانتداب البريطاني، فضلا عن مظاهر مقاومة المدّ الصهيوني في صفوف المسيحيين؛ &#8220;تأجّج أوضاع فلسطين&#8221;، تناول أحداث الثلاثينيات في القرن الماضي التي عصفت بفلسطين، حيث تعرّض للنشاط التبشيري الهائل وللهجمة الصهيونية الغاشمة ولمواقف مسيحيّي فلسطين وتجذّرهم في حركة المقاومة؛ &#8220;1948.. المسيحيون والنكبة&#8221;، ركّز بالأساس على أوضاع المسيحيين قبل النكبة وأثناءها، وأبرز ما حاق بهم من اجتثاث وما لحق بالمتبقّين منهم من تضييق وتنكيل؛ &#8220;تحديات المستقبل&#8221;، انشغل هذا المحور بما هزّ أوضاع المسيحيين من تحوّلات في الحقبة الراهنة، فضلا عن تعرّضه للنزيف المسيحي في ظلّ أوضاع الاحتلال، ثم عرّج البحث على علاقة المسيحيين بالكيان الإسرائيلي وبالسلطة الفلسطينية.</p>



<h2 class="wp-block-heading">الترابط الوثيق بين المسيحيّ الفلسطيني وأرضه</h2>



<p class="wp-block-paragraph">نشير إلى أنّ باولا بيزّو مؤلّفة الكتاب، هي مستعرِبة إيطالية ومؤرّخة تدرّس التاريخ المعاصر للبلدان الإسلامية في جامعة كييتي بِسْكارا في إيطاليا. وتدور مجمل أبحاثها حول العلاقات المسيحية الإسلامية في الشرق الأوسط. نذكر من بين أعمالها المنشورة &#8220;المسيحيون والمسلمون في مصر إزاء الطروحات القومية: 1882-1936&#8243; (2003) و&#8221;الإسلام في المتوسط.. اللقاء مع أوروبا وتحديات الحداثة&#8221; (2010).</p>



<p class="wp-block-paragraph">تَركّز الاهتمامُ في المحور الأول على إبراز الترابط الوثيق بين المسيحيّ الفلسطيني وأرضه، حيث حاولت الباحثة بيان عمق الصلة بين المسيحي ومعلّمه. فقد وصفَ المسيحُ (ع) صحبَه الأوائل من سكنة فلسطين وما جاورها، أو لنقل بعبارة جغرافية قديمة من أهالي سوريا الكبرى، بقوله: &#8220;أنتم ملح الأرض&#8230; ونور العالم&#8221; (متّى5: 13-14). فقد خلعَ المسيح على شيعته ذلك الوصف قبل أن تتعبّأ الديانات داخل قوميات، وقبل أن تغدو عناوين جامدة وثابتة لشعوب وأقوام وأجناس وأعراق. </p>



<p class="wp-block-paragraph">ولعلّ ذلك هو المعنى الجوهري لرسالة الدين والتديّن المتخفِّف من تلك الحمولة القومية المفرَطة، والوارد في قوله تعالى: &#8220;ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا&#8221; (آل عمران، 67). لنتابع مع الباحثة باولا بيزّو رحلة البحث عمّا تبقى من ذلك الملح في كتاب &#8220;الصليب والكوفية&#8221; برغم سائر المحن التي ألمّت بأتباع الناصريّ. فالكتاب هو من الكتب الجادة والرصينة في دراسة واقع مسيحيّي فلسطين وتاريخ المنطقة، بعيدا عن نبرة التباكي الطاغية على مجمل كتابات العرب المعاصرين، كلّما تطرّقوا إلى موضوع المسيحيين في الراهن. وقد سبق أن حذّرنا من تداعياتها السلبية على فهم واقع المسيحية العربية وتلمّس حلولها في كتابنا &#8220;نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم&#8221; (مجمع الأطرش- تونس، 2022)، لحرصنا على جعل حقل معارف المسيحية العربية مبحثا دراسيا علميا بعيدا عن غثاء القول الذي يحاصر كثيرا من الدراسات.</p>



<h2 class="wp-block-heading">واقع تجمّع ديني بات يتهدّده الذوبان في ظلّ تحوّلات قاهرة</h2>



<p class="wp-block-paragraph">استطاعت الباحثة الإيطالية أن تقدّم خلاصة موثَّقة رصينة، عن واقع تجمّع ديني بات يتهدّده الذوبان، في ظلّ التحوّلات القاهرة. وترتئي أنّ حشر المسيحية والإسلام ضمن منظور قومي لائكي قد استنفد طاقته، وأنّ البراغماتية تستوجب البحث عن رابطة مواطَنية تقوم على المساواة والكرامة وتستند إلى خطة ديمقراطية للكيانات الهشّة، ودون الوقوع رهن ثنائية الأغلبية والأقلية. إذ أنّ الحديث عن الفلسطينيين المسيحيين بمنطق الأقلية هو أمرٌ غير مقبول وفاقد للصلاحية، من قِبل عموم الفاعلين الفلسطينيين، لِما في ذلك من تهوين وتحقير للدور المسيحيّ. فمنذ فترة العشرينيات من القرن الماضي، حين بدأ العرب يسلكون طريق التحرّر والاستقلال، ظهرت قيادات مسيحية في فلسطين ودول الجوار، تحمّلت الدور التفاوضي والتواصلي مع الغرب.</p>



<p class="wp-block-paragraph">ومنذ سنوات الانتداب البريطاني الأولى، كانت الحركة الوطنية الفلسطينية منتظمة في جبهة موحَّدة، خلت من الطابع الديني، وذلك ضمن وفاق إسلامي مسيحي نادى بعروبة فلسطين في مواجهة المشروع الصهيوني. بدا ذلك التلاحم جليّا، حتى أنّ عائلة الغوري المقدسية المسيحية، كانت تعقد اجتماعات وجهاء المسيحيين في بيت الأسرة لصياغة النداءات الموجَّهة للمندوب البريطاني التي أعربت له فيها أنّ الجالية المسيحية لا تعترف برجل يتولّى منصب الإفتاء لفلسطين سوى للمرشَّح الحاج أمين الحسيني، وذلك أثناء حملة تنصيبه مفتيا (1921). وتشير الباحثة إلى أنّ عائلة الغوري، قد تَوزّعت نضالاتها الوطنية المبكّرة على عدّة جبهات. فقد وقف إميل الغوري (1907-1984) في وجه عمليات غَرْبنة المسيحية الشرقية من قِبل المبشّرين الأجانب، حتى وإن قَبل الأهالي، على مضض، بالخدمات المتاحة في المجال التعليمي والثقافي والاجتماعي.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وتبرز الباحثة باولا بيزّو أنّ تنبّه الشوام، بمسلميهم ومسيحييهم، إلى حملات التبشير الأولى كان حازما. فخلال العقود الأخيرة من الوجود العثماني في المنطقة الشامية، بات الأهالي يسعون للتعويل على أنفسهم أمام تفاقم الأنشطة التبشيرية. وأُقيمت للغرض جملة من المبادرات في أوساط المسلمين والمسيحيين بقصد صدّ تلك الحملات. ففي بيروت أنشأَ بطرس البستاني &#8220;المدرسة الوطنية&#8221; (1868)، وبعد عشر سنوات أنشأت &#8220;جمعية المقاصد الخيرية&#8221; مدارسها. وتمّ في طرابلس فتح &#8220;المدرسة الحميدية&#8221; (1895)، وفي حيفا أُنشئت &#8220;المدرسة الإسلامية&#8221; حيث درّس الشهيد عز الدين القسّام، وفي القدس بعثت بطرياركية الإغريق الأرثوذكس المدرسة الثانوية مار متري.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وتبعًا لِما أوردته الباحثة، كانت نظرة المسيحيين أو المسلمين الفلسطينيين لمرامي المبشِّرين الأجانب، في بداية القرن، بمثابة الانتهاك لثقافتهم الوطنية والتهديد لهويتهم الجامعة. وكانت التكتّلات المسيحية في لبنان وفلسطين، وكما هو الحال مع أقباط مصر، تحسّ أنها أقرب إلى شركائها المسلمين في الوطن منه إلى المبشّرين الأجانب الذين يقاسمونهم الإيمان بالمسيح.</p>



<p class="wp-block-paragraph">لقد مرّ المسيحيون في فلسطين بأطوار ديمغرافية عدّة، تقلّبوا فيها من أوضاع الجماعة الفاعلة إلى أوضاع الأقلية المهجَّرة، لكن ما ميّز الفلسطينيين المسيحيين، منذ مطلع القرن الفائت، أنهم جالية حضرية أَلِفت سكنى المدن، مثل يافا وحيفا والقدس، وشكّلت الغالبية في رام الله وبيت لحم والناصرة. فقد كان 18 بالمئة فقط منهم من المزارعين، وفق إحصاء يعود إلى العام 1931.</p>



<h2 class="wp-block-heading"> هزّ التهجير المسيحيين والمسلمين على حدّ سواء</h2>



<p class="wp-block-paragraph">وفي محور آخر، تتتبّعُ الباحثة آثار النكبة على المسيحيين الفلسطينيين. وتعود بالمصطلح إلى المؤرِّخ السوري المسيحيّ قسطنطين زريق الذي استخدمه لأوّل مرة، وذلك قبيل أحداث 1948. فعلى إثر حصول تلك الفاجعة وجدَ الفلسطينيون المتبقّون أنفسهم فجأة، بعد عمليات التهجير، بدون نخبة ثقافية، وبدون قيادة سياسية، وبدون وطن. هزّ التهجير الشرائح المدينية الوسطى والميسورة، من المسيحيين والمسلمين، على حدّ سواء. ووفق ما تورد الباحثة ترك فلسطين بين 700.000 و800.000 نفر، ولم يبق في ظلّ السيطرة الإسرائيلية سوى 160.000، مجملهم من الأوساط الريفية والبدو. وبشأن ما حاق بالمسيحيين، تروي الباحثة أنّ بن غوريون اتّخذ قرارات خاصة وحازمة لحماية معالم مدينة الناصرة، خشية ردّة فعل العالم المسيحي، وقال كلمته المحذرة &#8220;العالم يراقب أفعالنا!&#8221;، في الوقت الذي كان فيه الجيش الإسرائيلي، بقيادة موشي كرميل، يحاصر الناصرة ويتأهّب لاقتحام المدينة وطرد 16.000 ساكن من ضمنهم 10.000 مسيحيّ.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وما إن هدأت عمليات التهجير حتى شهدت الناصرة تضاعف عدد سكانها بشكل متسارع، بين 1948 و 1949، وتحوّلت إلى شبه ملجأ لعرب الداخل. ففي أواخر الانتداب كانت المدينة تَعدّ 18.000 ساكن ومع أول إحصاء إسرائيلي سنة 1949 بلغ العدد 30.000. وتشير بعض الدراسات التي أجريت خلال أواخر القرن الماضي أنّ عدد سكان المدينة ستون ألفًا، 70 بالمئة منهم مسلمون. وتشير الباحثة إلى أنّ عدد المسيحيين، مع نهاية الحرب العالمية الثانية، قد ناهز 135.000 على عدد جملي 1.750.000 ساكن، ما يساوي 8.8 بالمئة من المجموع العام. كما تشير الباحثة إلى أنّ 7 بالمئة من لاجئيّ 48 كانوا من المسيحيين. وأنّ قرابة 140.000 من المسيحيين، كانوا يقيمون في فلسطين خلال العام 1948، أُجبر 50.000 منهم على الرحيل القسري، ما يعني الثلث تقريبا. وهو ما جعل عدد المسيحيين بعد النكبة يتراجع من 8 بالمئة إلى 2.8 بالمئة.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وتذهب بعض الدراسات التقديرية التي أجريت خلال الفترة الأخيرة، إلى أنّ أعداد المسيحيين كانت مرشّحة أن تبلغ 600.000، في غياب حصول النكبة، في مقابل ما هو موجود في الوقت الحالي 170.000. فهذا العدد يمثّل 28 بالمئة من المجموع العام للمسيحيين، أي من قرابة 600.000 من مسيحيي الشتات الموزَّعّين في شتى أرجاء العالم.</p>



<p class="wp-block-paragraph">من جانب آخر تشير الإحصائيات الإسرائيلية التي تعود إلى العام 2019 إلى أنّ عدد عرب فلسطين 1.916.000، ويمثّلون 21 بالمئة من المجموع العام. ويبلغ عدد المسيحيين بين هؤلاء 177.000، أي بما يعادل 2 بالمئة من التعداد العام، وبما يساوي 7.2 بالمئة من تلك العربية مع استثناء الأجانب. هذا وقد سجّلت الكتلة المسيحية تزايدًا بـ 1.5 مقارنة بالعربية 1.7 بالمئة واليهودية 2.2 بالمئة. من جانب آخر ووفق الإحصاء الذي أُجري في أراضي السلطة الفلسطينية، خلال العام 2017، بلغ عدد المسيحيين 46.850 أغلبهم من الكاثوليك. ويقيم السواد الأعظم منهم في الضفة الغربية، وتحوز بيت لحم 23.165، ورام الله 10.255، والقدس 8558، وقطاع غزة ما يزيد عن الألف. نشير إلى أنّ 40 بالمئة من المسيحيين المقيمين في القطاع قد غادروا غزة، منذ العام 2008 وإلى غاية العام 2016.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وبشأن أوضاع كنائس الداخل، تورد الباحثة إنّ إسرائيل تعترف لبعض الجماعات المسيحية التي لها وجود يعود إلى الفترة العثمانية ببعض الحقوق، على غرار الأحكام الخاصة المتعلّقة بالأحوال الشخصية في تسوية أمور الزواج والطلاق والميراث. كما تتمتّع الكنيسة الإغريقية الأرثوذكسية، والكنيسة الأرمينية الأرثوذكسية، والكنيسة السريانية الأرثوذكسية، والكنيسة الكاثوليكية الرومانية، والكنيسة المارونية، والكنيسة الإغريقية الكاثوليكية (الملكانية)، والكنيسة السريانية الكاثوليكية، والكنيسة الأرمينية الكاثوليكية، والكنيسة الكلدانية، والكنيسة الأنغليكانية، ببعض الحقوق. وقد حاولت الكنيسة الإغريقية الأرثوذكسية الحفاظ على الوضع القائم، بما يضمن لها أفضلية أمام الكنائس الأخرى. لذلك حرصت على التعاون الجيد مع السلطات الإسرائيلية، وهو ما تواصل إلى أواسط الثمانينيات. وتشير الباحثة إلى إلحاح أتباع هذه الكنيسة، داخل فلسطين والأردن، على مراجعة أوضاع التسيير في هذه الكنيسة على أساس الانتخابات. كما تبقى الكنيسة الأرمينية المالك العقاري الأهمّ في المدينة القديمة.</p>



<p class="wp-block-paragraph">تبرز الباحثة أنّ تراجع أعداد المسيحيين الفلسطينيين لا يمثّل تحدّيا للدول العربية وحدها، بل لسياسة التعايش الإسرائيلية أيضا. والمشكلة أنّ الجماعات اليهودية المتطرّفة، ليس المسيحيون فحسب من لا يلقون ترحيبا لديهم، بوصفهم &#8220;ضالين&#8221;، بل حتى المسلمين &#8220;الموحِّدين&#8221;. وكما تُقدِّر الباحثة إن حلّ المسألة لا يقتصر على الاعتراف بحقوق المسيحي العربي، بل في خلق وفاق اجتماعي ثقافي من شأنه أن يغذّي الرغبة الجماعية في العيش معًا.</p>



<p class="wp-block-paragraph"><strong>باولا بيزّو، الصليب والكوفيّة.. تاريخ المسيحيّين العرب في فلسطين، منشورات ساليرنو، (روما).</strong></p>



<p class="has-text-align-left wp-block-paragraph"><strong><em>Paola Pizzo,</em> <em>La croce e la kefiah: Storia degli arabi cristiani in Palestina</em>, Salerno Editrice, Salerno (Italy)</strong>.</p>



<p class="wp-block-paragraph"><em><a id="_ftn1" href="#_ftnref1">*</a>  أستاذ تونسي بجامعة روما، إيطاليا.</em></p>



<p class="wp-block-paragraph"></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2026/05/26/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%8a%d8%ad%d9%8a%d9%91%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86/">المسيحيّون العرب في فلسطين</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2026/05/26/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%8a%d8%ad%d9%8a%d9%91%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الدراسات العربية في إيطاليا</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/12/20/%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a5%d9%8a%d8%b7%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a7/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/12/20/%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a5%d9%8a%d8%b7%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a7/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 20 Dec 2025 13:00:57 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[إيطاليا]]></category>
		<category><![CDATA[الدراساتُ العربيةُ]]></category>
		<category><![CDATA[المستشرِقون]]></category>
		<category><![CDATA[المستعرِبون]]></category>
		<category><![CDATA[عزالدّين عناية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=7493937</guid>

					<description><![CDATA[<p>لم تَتَطوّر الدراساتُ العربيةُ في إيطاليا بمعزلٍ عن مشاغلِ الكنيسة، ما جعلها مصبوغةً منذ مستهلّ انطلاقتِها بخياراتٍ دينيّةٍ.</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/12/20/%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a5%d9%8a%d8%b7%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a7/">الدراسات العربية في إيطاليا</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p class="wp-block-paragraph"><strong>لم تَتَطوّر الدراساتُ العربيةُ في إيطاليا في العصر الحديث بمعزلٍ عن مشاغلِ الكنيسة، ما جعلها مصبوغةً منذ مستهلّ انطلاقتِها بخياراتٍ دينيّةٍ، أبقت تعليمُ اللّغةِ العربية وتعلّمُها، إلى تاريخ قريب، حكرًا على رجال الدين وعلى طلاب الدراسات اللاهوتية الكاثوليك. لكن في خضمّ ذلك المسار لاحت بوادر انعتاقٍ من الاحتكار الكَنَسيّ، الذي طالما تحكّم بهذا المبحث، ليشهدَ المجالُ تطوّراتٍ حثيثةً في الأوساط غير الدينيّة، لا سيما منذ توحيدِ إيطاليا وإشراف الدولة على قسطٍ وافر من المؤسّسات التعليمية. وبشكلٍ عامٍّ توزّعَ المستشرِقون والمستعرِبون الإيطاليون عبْر تاريخهم ضمن ثلاثة أصناف: صنفٌ في خدمة الكنيسة، وصنفٌ اِنشغل بخدمة الأغراض الاستعماريّة، وصنفٌ اِنساق لتلبية احتياجات الدولة، مع تداخلٍ في بعض الأحيان في الأدوار بين هذه الأصناف.</strong> <em>(الصورة : مسجد روما).</em></p>



<p class="has-text-align-left wp-block-paragraph"><strong>عزالدّين عناية</strong> *</p>



<span id="more-7493937"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2018/09/عزالدّين-عناية.jpg" alt="" class="wp-image-148015"/></figure>
</div>


<p class="wp-block-paragraph">فبتَتبُّع مسار الاهتمام بلغة الضاد وبالدراسات العربية في هذا البلد، يُمكِن العودةُ بالانشغال إلى البابا كليمنت الخامس (1264-1314م)، الذي حثَّ في إحدى عظاته في فيينّا، سنة 1311م، على ضرورة إيلاء تدريس العربية والعبرية والكلدانية والسريانية عناية في مختلف العواصم الأوروبية، بغرض أداء العمل التبشيريّ على أحسن وجه. وتُعدّ تلك الدعوة -وبصرف النظر عن مغزاها- عاملًا مهمًّا في لفت الانتباهِ إلى العربية والحثّ على الإلمام بها.</p>



<p class="wp-block-paragraph"><strong>حواضر تدريسِ العربيّة</strong></p>



<p class="wp-block-paragraph">ضمن هذا السياق، يُمكِن الحديث عن حواضر رئيسيةٍ أربع في إيطاليا شهدت مبكّرا تدريس اللغة العربية، حتى غدت مراكز تاريخية في هذا المجال. تُعتَبر روما الأعرق في المجال بين سائر المدن الإيطالية وذلك منذ العام 1575م، حيث لم يدّخر البابا سيكتوس الرابع (1414-1484م) جهدًا في تكليف مكتبة الفاتيكان بمهامّ تدريس العربية وتهيئة الإطار اللازم لذلك، وإن جاء تدريسُ العبرية أسبق بما يعود إلى العام 1482. ما جعل روما، بين مطلع القرن السادس عشر وموفى القرن السابع عشر، تحوز الصدارة بين حواضر أوروبا في الدراسات الشرقية وفي تعليم اللغات، الذي شمل الأرمينية والقبطية، فضلا عن اللغات السامية الرئيسة. لكن مع توحيد إيطاليا، خلال العام 1861م، بدأ تراخي الطوق الذي ضربته كنيسة روما على تعليم اللغات الشرقية عامّة، ومنها العربية، وذلك لفائدة خيارات ذات طابع لائكيّ. وتدعَّمَ ذلك منذ تولّي المستعرِب ميكيلي أمّاري صاحب مؤلّف &#8220;تاريخ مسلمي صقلية&#8221; (1854-1872) مقاليد وزارة التعليم في حكومة فارينا (1862-1864)، وهو ما انعكست آثاره على كلية الآداب والفلسفة حينها، بخروج جامعة روما من الهيمنة البابوية واتخاذها طابعًا علمانيًّا (1871-1875)، حيث تولّى لويجي فنشنسي تدريسَ العبرية، وباولو سكاباتيشي السريانية، وجوهانس بولينغ العربية.</p>



<p class="wp-block-paragraph">حذَتْ نابولي حذو مدينة روما، فكان تشييد &#8220;المعهد الجامعي الشرقي&#8221;، المعروف بـ &#8220;الأورِيِنْتالي&#8221; والتابع حينها إلى رهبانية معهد عائلة يسوع المسيح المقدّسة، والذي يُعزى الفضل في تأسيسه إلى المبشّر ماتيو ريبا. فقد حاز المعهد اعترافَ البابا كليمنت الثاني عشر في السابع من أبريل 1732م ويُرجَّح أنّ تدريس العربية قد انطلقَ في السنة نفسها، حيث لم تمضِ سوى بضع سنوات حتى بات محجًّا للدارسين والطلّاب من مختلف الأصقاع. ففي سنة 1747 اِلتحَقَ بالمعهد فتيةٌ وفدوا من الدولة العثمانية، من ألبانيا والبوسنة واليونان ولبنان ومصر، بغرض تكوينهم وسيامتهم كهنة للتبشير بالكاثوليكية في بلدان المأتى. وبعد توحيد إيطاليا بات المعهدُ يضمّ قسميْن: قسمٌ قديم للتبشير وآخر مستحدث خُصِّص للشبان الوافدين من خارج المؤسسات الدينية اهتمّ باللغات الشرقية.</p>



<p class="wp-block-paragraph">بينما اِنطلق تدريسُ العربية في مدينة باليرمو مع إنشاء كرسي اللغة العربية في أكاديمية الدراسات سنة 1785م. ومن الطريف اقتران تلك البداية بفضيحة أكاديمية، حيث انْتحلَ شخصٌ صفة أستاذ وتولّى مهامّ تدريس العربية، غدت ذكراه مدعاة للتندّر في الأوساط العلميّة. حيث اِدّعى زورًا الراهب جوسيبي فيللا، الذي يَعرِف مفردات متناثرةً من العربية جنب لغته الأمّ المالطية أنّه يحذق العربية، وانتحل صفة مؤلِّف لعملٍ تاريخيٍّ، بما خوَّلَ له اعتلاء كرسي العربية حديث التأسيس، فطفق يدرّس المالطية المطعَّمة بمفردات عربية على أنها الفصحى، معتمدًا في ذلك الأبجدية العربية. حادثة &#8220;الخدعة السراسينية&#8221;، كما باتت تعرف، تحوّلت في فترات لاحقة إلى موضوع طريف للتندّر، مع بعض الشعراء والكتّاب الإيطاليين، كجوفاني ميلي وليوناردو شاشا وأندريا كاميلاري.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وفي مرحلة متأخّرة اِنضمّت البندقية إلى صفِّ تلك المدن الرائدة، تحت حافز الرحلة والتجارة، وبرغم الموقع المتقدّم الذي حازته المدينة في علاقتها بالشرق، فقد تأخّرت نسبيًّا في تشييد معلم علميّ يتكفّل بالدراسات العربيّة، رغم أنّ حاجة ماسّة إلى ذلك لاحت منذ وقت مبكّر، منذ إعداد ما كان يُعرَف بـ &#8220;الـدراغوماني السبعة&#8221;، أي التراجمة السبعة، بغرضِ تكليفهم بمهامّ الوَسَاطة مع الدولة العثمانية. ولم يتسنَّ تدريسُ اللغة العربية في مؤسّسة علميّة سوى مع تأسيس المعهد العالي للتجارة سنة 1853م، وقد اعتنى بالتخصصات الاقتصادية والتجارية، إلى جانب عنايته باللغات الأجنبية بهدف الدفاع عن المصالح الإيطالية في الخارج. وبشكل عامّ اِنحصر تعلُّمُ العربية، حتى القرن التاسع عشر، في أوساط التجّار والسّاسة ممن يتردّدون على البلاد العربية. فكانت معرفةٌ لغرض التواصل، وافتقرت إلى الأسس العلمية المتينة، وهكذا نُشرت قواميس في الغرض أحدها لأوغو دي كاستلنوفو ورفائيل دي توتشي سنة 1912، بالإضافة إلى طبع مجلّدين للنحو العربي في ميلانو سنة 1912 من إعداد أوجينيو ليفي.</p>



<p class="wp-block-paragraph">ولم يشتد عودُ التصنيف العلميّ في مجال الدراسات العربية سوى في مراحل لاحقة. حصل ذلك في مرحلةٍ أولى مع نشرِ مؤلّف إيطاليٍّ للاورا فيشيا فالياري &#8220;النحو العربي بين النظرية والتطبيق&#8221; سنة 1936، وقد بات مرجعًا، نهلت منه أجيالٌ عدة ولا يزال حاضرًا في التعليم رغم تسرّب انتقادات إليه باعتباره يعرض عربية مشوبة بأجواء الإماء والجواري والنّوق. ثم أُتبعَ بقاموسٍ عربيّ إيطاليّ من إعداد ريناتو ترايني نشره &#8220;معهد الشرق بروما&#8221; (1964-1965)، لا يزال يُعدّ الأفضل في الساحة الإيطالية. ليلتحقَ مؤلّف إيزابيلا كاميرا دافليتو &#8220;الأدب العربيّ المعاصر من النهضة إلى اليوم&#8221; (1988) بثلاثية المؤلفات المرجعية التي لا غنى للباحث أو الطالب في أقسام الدراسات العربية عنها.</p>



<p class="wp-block-paragraph"><strong>الدراسات العربيّة والمستعمِر</strong></p>



<p class="wp-block-paragraph">رافقت العنايةُ باللغة العربية اهتمامات بطباعةِ المؤلّفات المدوَّنةِ بالحرف العربيّ، وذلك منذ وقت مبكر، فكان طبعُ أولى نسخ القرآن الكريم في البندقية سنة 1537م، وإن تمَّ إتلافها بأمرٍ من البابا بولس الثالث (1468-1549م) على ما أورده الباحث أنجيلو ميكيلي بيمونتيزي في مؤلّفه: &#8220;البندقية وانتشار الأبجدية العربية في إيطاليا&#8221;؛ بالإضافة طُبعت نسخةٌ عربيةٌ من الأناجيل في المطبعة الفاتيكانية يعود تاريخها إلى العام 1590م. لتتوالى المطبوعات بنشرِ أربعة مجلّدات من &#8220;القاموس المحيط&#8221; للفيروز آبادي، وإن سبق ذلك وجود قواميس عربية مخطوطة بخطّ اليد، منذ أواخر القرن الثاني عشر ومطلع القرن الثالث عشر، على غرار القاموس العربيّ اللاتينيّ المودَع اليوم في مكتبة ريكارديانا في مدينة فلورانسا.</p>



<p class="wp-block-paragraph">ولئن كانت الدراسات العربية الوسيطة والحديثة في إيطاليا كنسيّةَ المنشأِ فإن الحاضنة المعاصرة هي استعمارية. فقد اِنضمّ ثلّةٌ من آباء الاستشراق الإيطاليّ الحديث إلى &#8220;لجنة المصالح الاستعمارية المكلَّفة بالشؤون الإسلامية&#8221; &#8211;<em>Commissione per lo studio delle questione islamiche d’interesse coloniale</em> &#8211; سنة 1914، منهم ليونه غايطاني وكارلو ألفونسو نللينو ودافيد سانتيللانا، وهذا الأخير هو تونسي يهودي الديانة عُيِّن سنة 1913 أستاذا للتشريع الإسلامي في جامعة روما. وقد أورَدَ الباحث فلافيو ستريكا في بحثٍ بعنوان: &#8220;كارلو ألفونسو نللينو ومشروع احتلال ليبيا&#8221;، في مجلّة &#8220;حوليات&#8221; الصادرة عن كلية العلوم السياسية في كالياري (سنة 1983) أنّ المستشرِقَ نللينو قد شارك في مجمَل الاجتماعات واللّجان التي أَسْدت المشورة للمستعمِر بشأن القضايا الإسلامية إبّان احتلال ليبيا.</p>



<p class="wp-block-paragraph">خلال تلك الحقبة شهد الاهتمامُ بالعربيّة تحوُّلًا، فقد تزايدت العناية باللهجات. حيث نشر ألفريدو ترومبيتي في مدينة بولونيا كتابًا عن اللّهجة الطرابلسيّة سنة 1912. وتقريبا في الفترة نفسها اِشتغل كارلو ألفونسو نللينو على الدارجة المصرية (1913)، حيث لا يزال عمله يُعَدّ من المصادر الأساسية إلى الحاضر. لتغدو اللهجات العربية من بين المحاور التقليدية التي يوليها الباحثون الإيطاليون اهتمامًا. وفي مرحلةٍ لاحقةٍ اهتمّت إستر بانيتا بالدارجة والفولكلور في بنغازي (1964). وتواصلَ ذلك الشغف إلى تاريخنا الراهن مع أوليفييه دوران الأستاذ بجامعة روما، حيث نشر سنة 1993 &#8220;ملامح من الدارجة المغربية&#8221;، أتبعه سنة 1994 بـ &#8220;مقدمة في اللهجات العربية&#8221;، كما نشر سنة 1996 عملا عن الدارجة الفلسطينية، إلى أن غدت دراسة اللهجات &#8211;<em>Dialettologia</em>&#8211; مادة مقرّرة للطلاب تُدرّس جنبَ الفصحى في جامعة روما.</p>



<h2 class="wp-block-heading">تطوّرات في الدراسات العربية</h2>



<p class="wp-block-paragraph">شهدت أواخر الألفية الثانية تحولات معتبَرة في الدراسات العربية في إيطاليا، مسّت جوانب الترجمة والآداب. إذ حتى منتهى الثمانينيات كانت النصوص الأدبية العربية المترجَمة قليلة العدد ومحصورة التداول بين المختصّين، من مستشرِقين ومستعرِبين أساسا، ولكن عقب ذلك التاريخ تحوّل المنقول العربيّ إلى مقروء مرغوب بين عموم القرّاء. وباتت دور النشر تراهن على النصّ الأدبيّ العربيّ بعد أن تخلّت عن الفكرة الرائجة أنّ الكتاب العربي لا يَدرّ ربحا باعتباره مطبوعا خاسرا، فقد ساهم الأديب نجيب محفوظ مساهمة فعالة في ذلك التحوّل.</p>



<p class="wp-block-paragraph">إذ تفيد الإحصائيات إنجاز خمس ترجمات يتيمة في إيطاليا، منذ مطلع القرن الفائت إلى العام 1965. حيث ترجمَ فرانشيسكو غابرييللي: &#8220;قصّاصون من مصر&#8221; وكذلك &#8220;ظلمات وأشعّة&#8221; لمي زيادة، وترجمَ أومبارتو ريتزيتانو &#8220;<strong>زينب</strong>&#8221; لمحمد حسنين هيكل و&#8221;<strong>الأيّام</strong>&#8221; لطه حسين، وترجمَ أندريا زنزوتّو كتاب &#8220;سأهبك غزالة&#8221; للكاتب الجزائري مالك حداد. ثم بعيد ذلك التاريخ، حاولَ ريتزيتانو بعثَ سلسلةٍ قصصيةٍ، بالتعاون مع &#8220;معهد الشرق بروما&#8221; وجامعة باليرمو، نشرت ثلاث مجموعات سورية وتونسية ومصرية، ثم سرعان ما توقّفت، وكأنّ الوقت لم ينضج بعد للنشر العربي. ولكن علاوة على عدمِ تهيّؤ القارئ الإيطالي، فقد كان نصيب وافر من الترجمات حرفيًّا وركيكًا. غير أنه لاحقا ساهمت العناية الفائقة لشخصيتين إيطاليتين، رعتا نقل مجموعة من النصوص العربية، وهما إيزابيلا كاميرا دافليتو من جامعة روما وفرانشيسكا ماريا كوراو من جامعة نابولي، في التحسين من جودة الترجمة والترويج للأعمال الأدبية العربية في الأوساط الإيطالية.</p>



<p class="wp-block-paragraph">يورد مؤلَّف &#8220;الحضور العربيّ الإسلاميّ في المطبوعات الإيطالية&#8221; (2000)، الصادر عن وزارة الثروة والأنشطة الثقافية، أنه لم يُترجَم من المؤلّفات العربية بين 1900 و 1988 سوى 29 عملا، وقد حصل التحول الفعليّ بين 1989 و 1999 حيث تُرجم 112 عملا أدبيّا، كما ترجم 93 عملا أدبيّا فرنكفونيا خلال الفترة نفسها. بينما بلغت الأعمال المسرحية التي تُرجمت طيلة الفترة الممتدة بين 1900 و 1999 19 عملا مسرحيًّا، وحاز الشعر خلال الفترة نفسها 20 عملا. والواقع أنّ الجوائز العالمية، نوبل لمحفوظ (1988)، وغنكور لكلّ من بن جلون (1987) ومعلوف (1993)، قد ساهمت مساهمة فعّالة في إيقاظ الذائقة الإيطالية نحو الأدب العربي، حيث بلغت أعداد النصوص العربية المترجمة إلى الإيطالية حتى مطلع العام 2020 ما يناهز 400 عمل. وبشكل أقل ساهمت القلاقل السياسية والحروب والتوتّرات في إيقاد تلك الجذوة، فعشية اندلاع الثورة الجزائرية تُرجمت ترجمة يتيمة &#8220;سأهبك غزالة&#8221; لمالك حداد، ثم عقب الثورة خبا ذلك البريق، ليستيقظ الاهتمام مجدّدا مع فترة النضال الفلسطيني المسلّح بترجمة بعض الأعمال مثل &#8220;رجال في الشمس&#8221; (1985)، و&#8221;فلسطين: ثلاث قصص&#8221; (1985)، و&#8221;عائد إلى حيفا&#8221; لغسان كنفاني؛ و&#8221;المتشائل&#8221; (1990) لإميل حبيبي. وفي خضمّ وفرة الترجمة الأدبية مقارَنةً بغيرها يبقى الأديب المغربيّ الطاهر بن جلون الممثّل الرئيس للأدب العربي في المخيال الإيطاليّ، فهو الأكثر ترجمة وحضورا في النشر والإعلام.</p>



<p class="wp-block-paragraph">ولكن هذا الحضور للنصّ الأدبيّ العربيّ في إيطاليا، رغم تواضعه، بدأ يشهد نوعًا من النشاط الحثيث الفرديّ بعد سبات طويل، بعضه منبعث من إيطاليا، ممثَّلا في الجزائري عمارة لخوص والعراقي يونس توفيق، وغيره وافد من خارج، لعلّ أبرز وجوهه في الوقت الحالي علاء الأسواني وإبراهيم نصرالله.</p>



<h2 class="wp-block-heading">الدراسات العربية في الراهن</h2>



<p class="wp-block-paragraph">لا غرو أنّ مناهجَ الدراسات العربية في إيطاليا قد خطت خطوات معتبرة من جانب مقارَبة الثقافة العربية، ومن جانب الأدوات المتوسَّلة إلى هذا الغرض، لكنها تبقى مشدودة إلى إرث السلف بشكل متراوح بين القبض والبسط. ولا يمكن الحديث عن عبورِ هذا الفعل من طورٍ إلى طورٍ، فما فتئ التعاطي مع اللغة العربية كلغة عصيّة، ذلك أنّ كثيرًا من الأساتذة الجامعيين يدرّسونها ولا يتكلّمونها ويسمعونها ولا يفقهونها. فيتوسّلون تدريس النحو العربي بواسطة الإيطالية، وعلى غرار ذلك فكّ أسرار اللهجات العامية، وعرض مضامين الأدب العربي، وهو منهج استشراقيّ غالبا ما ساد في تعليم اللغات المنقرِضة. ذلك أنّ منهج تدريس العربية، وكفاءة المدرس في حد ذاتها، وأدوات التدريس، تجعل هذه العوامل متضافرة التعاطي مع العربية إشكاليًّا. وهو ما ينعكس غالبا على التحصيل المعرفي للدارس بما لا يسمح له بالتعاطي مع اللغة كمعطى حيّ.</p>



<p class="wp-block-paragraph">حيث يأتي الطالب الإيطاليّ الجامعي مدفوعًا بحماس فياض لتعلّم العربية، لكنه يصطدم بقدامة منهجية في التدريس، تُكرّر إنتاجَ المناهج الاستشراقية في التعاطي مع عربية محفوفة بعديد الأحكام المغرضة، أنها أصعب اللغات عالميًّا، وأنها غير مستعمَلة في البلاد العربية، وأنّ الأجنبيّ يذهب إلى تونس بغرض تعلُّم العربية فيتعلّم الفرنسيةَ، وأنّ اللهجات هي لغات، والترويج لذلك من قبل أساتذة جامعيين، لا لشيء إلا لأنّ إطلالتهم على العربية كانت من باب اللهجة الشامية أو المصرية أو المغاربية، التي بالكاد يفصحون بها. الأمر الذي خَلق تذبذبا بين تدريس الفصحى أو الدارجة في إيطاليا، ودفع إلى التعويل على تدريس لغة وسطى لا هي بالفصحى ولا هي بالدارجة، ينطبق عليها المقول الإيطالي &#8220;ليس باللحم ولا بالسمك ولكنّه شيء آخر&#8221;.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وهذا المنهج التعليمي العقيم، في بعض جوانبه، عادة ما أوْرثَ مساوئ، حيث لا يحصّل الطالب أو الباحث الكفاءة اللغوية اللازمة لولوج المراجع أو المصادر العربية، ما يجعله رهينا للمقول الغربي في الموضوع، أو لبعض الترجمات القليلة. فالاصطدام بعدم إتقان اللغة بعد انقضاء السنوات عادة ما يكون محبِطًا لجموع واسعة اختارت تعلّم هذه اللغة، وهو ما رسّخ لدى كثيرين المقول الإيطالي الشائع: &#8220;<em>?</em><em>!</em><em>Ma che parli arabo</em>&#8220;، &#8220;أوتتكلم عربي!؟&#8221;، ومفاده أتقول شيئا لا يفقهه الناس! والحال أنّ مقولة تَمنُّع اللغة العربية عن الإلمام بها شائعة في أوساط المعلِّمين والمتعلِّمين على حد سواء، وهي تعود أساسا لمساوئ بيداغوجيا التدريس، التي خلّفها الاستشراق، وتتلخّص في أسلوب التعامل مع العربية كلغة ميّتة. حيث يُغرَق الطّالب أو الدارِس في فيلولوجيا اللّغة وقواعدها النّحوية، بما يأخذ حيزًا واسعًا من جهده ووقته، ولا يُقدّم له الجانب الحيّ والعملي منها، حتى ليقضي المرء السنوات الطوال على هذا النسق، ليستفيق لاحقا أنه غير قادر على إتيان محادَثة أو الإلمام بخطاب منطوق.</p>



<p class="wp-block-paragraph">انعكس القصور اللغويّ على الدّرسِ الأكاديميّ أيضا في تعاطيه مع الفكر العربي، والفلسفي منه بالخصوص، فهو متوقّف عند فلسفة الفارابي وابن رشد وابن باجة، لا يتعدّاها، وبالمثل عند الفرق الإسلامية الكلاسيكية لم يتخطها إلى الفكر الديني الحديث. من جانب آخر رغم أنّ إيطاليا من بين البلدان الأوروبية الأكثر قربًا من البلاد العربية حضاريًّا وجغرافيًّا فلا تزال الأبعد ثقافيا، وكما يقول عالم الاجتماع فرانكو كازانو: &#8220;هناك حديث بإطناب عن المتوسط لا ترافقه خيارات ثقافية موازية&#8221;. </p>



<p class="wp-block-paragraph">ربما إحصائيات الترجمة من الجانبين مفزعة، فكلتا اللغتين استجلبت من الآخر ما يزيد بقليل عن الأربعمئة عمل لا غير وهي نسبة ضئيلة. وإذا استثنينا النصوص المصرية المترجَمة، والتي تقارب 80 بالمئة من مجموع ما تُرجم، فإنّ النصوص العربية شبه غائبة، ناهيك عن النص الخليجيّ فهو الأكثر ندرة على الإطلاق. ذات مرة قلت للأستاذ الفلسطيني وسيم دهمش المرابط في إيطاليا منذ خمسة عقود: كثيرا ما يطرق مسامعنا، إن المثقّف العربي في إيطاليا عرضة للموت السريري نظرًا لمحدودية الحراك الثقافي بين الضفّتين، رغم ذلك يعدّ كلانا إيطاليا دار قرار لا منطقة عبور. فردّ مبتهجا: لكل رسالته ونحن رسالتنا في الحرف العربي الذي نبلّغه للطلاب.</p>



<p class="wp-block-paragraph"><em>* أستاذ بجامعة روما &#8211; إيطاليا</em>.</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/12/20/%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a5%d9%8a%d8%b7%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a7/">الدراسات العربية في إيطاليا</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/12/20/%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a5%d9%8a%d8%b7%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>محمد الطّالبي وموريس بورمانس : من الحوار إلى الفراق</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/10/30/%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%91%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%8a-%d9%88%d9%85%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%b3-%d8%a8%d9%88%d8%b1%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%b3-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/10/30/%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%91%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%8a-%d9%88%d9%85%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%b3-%d8%a8%d9%88%d8%b1%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%b3-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 30 Oct 2025 08:12:19 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[Maurice Borrmans]]></category>
		<category><![CDATA[الآباء البيض]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلام]]></category>
		<category><![CDATA[المسيحية]]></category>
		<category><![CDATA[حوار الأديان]]></category>
		<category><![CDATA[عزالدّين عناية]]></category>
		<category><![CDATA[محمد الطالبي]]></category>
		<category><![CDATA[موريس بورمانس]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=7354008</guid>

					<description><![CDATA[<p> الراهب الفرنسي موريس بورمانسوالمؤرّخ التونسي محمد الطالبي  عَلَميان من أعلام الحوار الإسلامي المسيحي. </p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/10/30/%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%91%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%8a-%d9%88%d9%85%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%b3-%d8%a8%d9%88%d8%b1%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%b3-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7/">محمد الطّالبي وموريس بورمانس : من الحوار إلى الفراق</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p class="wp-block-paragraph"><strong>خصّت مجلّة &#8220;إسلاموكريستِيانا&#8221; (دراسات إسلامية مسيحية)، الصادرة عن المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية (بيزاي) بروما، في عددها الأخير، عَلَمين من أعلام الحوار الإسلامي المسيحي، بتناول أثرهما في المجال، وهما راهب تنظيم الآباء البيض الفرنسي موريس بورمانس (Maurice Borrmans</strong>) <strong>والمؤرّخ التونسي الأستاذ محمد الطالبي، اللذيْن رحلا عن دنيانا خلال العام 2017، بعد مسيرة حوارية حافلة. فقد شغلت قضايا الحوار الرجلين، على مدى نصف قرن، من الستينيات إلى مطلع الألفية الثالثة، سواء عبر صفحات المجلّة المذكورة، أو عبر المنشورات المشتركة أو الأعمال المنفردة. صاغا خلالها تقليدا حواريا عميقا داخل الثقافتين الكاثوليكية والإسلامية، حتى صار ذكر الواحد مدعاة لاستحضار الآخر.</strong></p>



<p class="has-text-align-left wp-block-paragraph"><strong>عزالدّين عناية</strong> *</p>



<span id="more-7354008"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2020/01/عز-الدين-عناية.jpg" alt="" class="wp-image-208015"/></figure>
</div>


<p class="wp-block-paragraph">قضى الراهب بورمانس ردحا طويلا من حياته بين تونس والجزائر، لمّا كان مقرّ معهد الآباء البيض (إبْلا) في تونس وإلى غاية نقله إلى مدينة روما في إيطاليا سنة 1964، ليتّخذ مسمى &#8220;بيزاي&#8221; ويتولى بورمانس فيه السهر على تكوين الرهبان والراهبات المتخصّصين في الشأن العربي والدين الإسلامي. وأمّا قرينه الطالبي فقد كان اتّصاله بعالم المسيحية يافعا، إبان الحقبة الاستعمارية في تونس، تلت ذلك إقامة في فرنسا أثناء الدراسة الجامعية، ثم انغماس في الشأن المسيحي بوساطة نسج علاقات متشابكة مع طائفة واسعة من اللاهوتيين والمفكرين الغربيين. فقد أُطلق على بورمانس &#8220;عالِم الإسلاميات الملتزم&#8221; لاشتغاله الدؤوب بقضايا الإسلام الفقهية والعقدية أو كذلك انغماسه في قضايا الحوار؛ ويمكن بالمقابل أن نطلق على الطالبي المؤرّخ المكافح، لِما تميّز به من حسّ نقدي ومنزع تجديدي تجاه الموروث الإسلامي، ردَفَه حرص على تطوير وعي معمَّق بالآخر المسيحي.</p>



<h2 class="wp-block-heading">خمسة عقود من التواصل</h2>



<p class="wp-block-paragraph">والسؤال المطروح لدينا ونحن نستعيد سيرة الرجلين: ماذا تُعلّمنا خمسة عقود من التواصل بين الطالبي وبورمانس رغم ما شابها من جفاء في طورها الأخير؟ وفيمَ تتمثّل تركة الرجلين لجيل الحوار اللاحق؟</p>



<p class="wp-block-paragraph">لقد مثّل الثنائي طليعة التقارب الإسلامي المسيحي في تمثّلاته الشاملة، حتى خيّم ظلّ الرجلين على تقليد الحوار طيلة عقود. كان بورمانس والطالبي يعبّران عن مشاغل نخبة مستنفَرَة تستحضر قضايا اجتماعية وسياسية ودينية تشغل قطاعات واسعة من الرأي العام، العربي والغربي، فكانا خير مثال للمحاور الحريص على الاهتمام بقضايا العصر. فعلى مدى سنوات أبرز الطالبي حاجة المسلمين إلى وعي علمي بالمسيحية، أي إلى دراية بقضايا اللواهيت المسيحية وبالمثل إلى إحاطة بمؤسسات الغرب الدينية وما لهما من حضور فاعل في ساحة الاجتماع. أيقن فيها الطالبي أنّ الحوار معنيّ بتخطّي المستوى العاطفي إلى التأسيس العلمي، والخروج من محدودية الأفراد إلى رحابة المؤسسات حتى يتحوّل إلى فعل مؤثر. وبالمقابل وجد الأب بورمانس نفسه، منذ صدور قرارات مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965)، معنيّا مباشرة بقضايا الحوار مع المسلمين. وقد بدا مقاله الصادر في &#8220;إسلاموكريستيانا&#8221; (4، 1978) &#8220;ما الذي بوسع المسيحيين والمسلمين قوله أو فعله في عالم اليوم؟&#8221; بمثابة المانفستو التأسيسي لمشروع الحوار المنشود.</p>



<p class="wp-block-paragraph">فقد كان الرجلان -بورمانس والطالبي- على دراية معمَّقة باستراتيجيات بعضهما البعض. يتابع كلاهما عن كثب ما يعتمل في الواقع العربي الإسلامي وفي الأوساط الغربية من طروحات وتيارات ورؤى على صلة بالحوار، وما يحول دون دون تحقيق وعوده.</p>



<p class="wp-block-paragraph">لا يخفي الطالبي ما كان يحزّ في نفسه من وجود علماء إسلاميات مسيحيين وغياب علماء مسيحيات مسلمين، وساحة الحوار في أمسّ الحاجة إلى تلك الفئة. وتبدو تلك الحسرة متأتّية جراء إدراك أن خطاب الإسلام الواعي مع العالم المسيحي لن ترسى دعائمه إلا عبر إلمام علمي بتلك الديانة. فإن تكن كلّيات اللاهوت والكليات المدنية في الدول الغربية، تولي عناية لتدريس الإسلام وتاريخه وتشريعاته، فضلا عن الاهتمام بتدريس لغة الضاد ولهجاتها، فحريّ بأبناء الثقافة الإسلامية أيضا أن يُولوا الدين والاجتماع المسيحيين العناية اللازمة لرصد التحوّلات والتطوّرات.</p>



<p class="wp-block-paragraph">إذ في ظلّ موجة الانجذاب المبكرة نحو &#8220;حوار الأديان&#8221;، من الجانب العربي، جرى خوض العملية بمعزل عن متطلّباتها المعرفية وشروطها العلمية، أي دون التعويل على الشروط اللازمة لبلوغ النتائج المرجوة، وبقاء العملية في حيز الخطابات الدعائية. وسواء تعلّق الأمر بمجال الوعي بالمسيحية أو بمجال الحوار مع المسيحيين، أمام الدارس المسلم حقلٌ رحبٌ ينطلق من البلاد العربية ويمتدّ إلى أصقاع عدّة في العالم، ما عادت الثقافة التقليدية قادرة على استيعابه.</p>



<p class="wp-block-paragraph">لماذا نقول ذلك؟ نستحضر مدخلا مستعادا يتمثّل في باب الردّ على النصارى وهو بابٌ لا يزال شقٌّ واسع يعوّل عليه في الإحاطة بالمسيحية، والحال أن المسيحية قد أضحت مسيحيات واللاهوت قد أضحى لواهيت شتّى. فنحن أمام مستجدّات تحثّ على تطوير أدوات الوعي، بما يستجيب لتنوّع الطروحات اللاهوتية ويقدّر التحولات التي تسري في المجتمعات في شمال العالم وجنوبه.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وفي واقع الأمر تظلّ الأدوات الموظَّفة في المؤسسات الجامعية العربية هزيلة، ولا تفي بوعي المسيحية في بعديها الداخلي والخارجي. إذ عادة ما تطغى في الدراسة قضايا عقدية (مثل التثليث، والتجسّد، والنظر في كتابة الأناجيل، فضلا عن قضايا أخرى مثل مفاهيم الفداء والخلاص وفي أحسن الأحوال تتسلّط مقارنات ليتورجية باهتة تقنع بترصيف الطقوس من الجانبين) وهي محاور أقرب إلى التناول الردودي منه إلى المواكَبة الحيّة لما يعيشه العالم المسيحي. وتكاد تغيب من تلك المعالَجة جلّ المدارس الفكرية واللاهوتية التي طبعت مسارات المسيحية خلال الفترة الحديثة. وهذا المدخل الحيّ والمستجدّ في المسيحية هو ما نحن في أمسّ الحاجة إليه.</p>



<h2 class="wp-block-heading">التناول للمغاير الديني</h2>



<p class="wp-block-paragraph">صحيح نحن نقف على ميراث هائل بخصوص المسيحية، سواء في بلاد المشرق أو في بلاد المغرب، ولكن السؤال المطروح هو كيف نستعيد تلك المعارف بشكل يواكب بنية الفكر الحديث ويستفيد من المناهج الحديثة؟ وبوجه عام، في دراساتنا المعاصرة نحن معنيون بالخروج من الطابع الجدلي مع المسيحية، إلى إرساء تقليد فهمي يُقدّر الأمور حقّ قدرها ويبوّئ المتابَعة العلمية المنزلة التي تستحقّها. وبما يعني لدينا، التحول بدراسة المسيحية من الاهتمام العمودي إلى الاهتمام الأفقي، والنظر إلى الدين كمعطى حياتي وليس كمعطى ما فوق تاريخي، أي الانزياح باتجاه الانشغال بالإنساني في مختلف أبعاده السوسيولوجية والفلسفية والتاريخية.</p>



<p class="wp-block-paragraph">بشكل يُفترض فيه أن تكون الأوساط الأكاديمية، المعنية بالشأن الديني في البلاد العربية، مبادِرة إلى ترسيخ تقاليد علمية جديدة في مقارَبة المسيحية، بما يقلّص من أجواء الانكماش السائدة في الأوساط اللاهوتية المسيحية، ويهفت من حالات الاغتراب في الأوساط الإسلامية في تناولها للمغاير الديني، وإرساء مقاربات علمية وتقاليد حداثية تتناول قضايا فكرية بخصوص المسيحية، تعيد ترتيب العلاقات في الداخل العربي وتتواصل مع العالم برؤى حداثية معنية بالدراسات الدينية عامة.</p>



<p class="wp-block-paragraph">الملاحظ أن القراءة العربية للمسيحية لا تزال رهينة نظرة قديمة في مجملها، في وقت شهدت فيه المسيحية تبدلات هائلة بدت جلية في الحضور النافذ في السياسة والاجتماع (قوى &#8220;التحالف المسيحي&#8221; و&#8221;الصهيونية المسيحية&#8221;، في الأوساط الأمريكية، و&#8221;سانت إيجيديو&#8221; و&#8221;فوكولاري&#8221; في أوروبا الغربية، وحركات الإنجيليات الجديدة في شتى أنحاء العالم)، وهو ما يتطلب تنبّها لما يجري في الساحة الدينية العالمية.</p>



<p class="wp-block-paragraph">صحيح تعكّرَ صفو الحوار بين الطالبي وبورمانس في آخر مطافاته، وبلغ درجة القطيعة بين الرجلين، ولعلّ الأسباب متنوّعة في ذلك، ولكن الحوار الإسلامي المسيحي يظلّ مطلبًا لا غنى عنه.</p>



<p class="wp-block-paragraph"><em>* أستاذ تونسي بجامعة روما، إيطاليا.</em></p>



<hr class="wp-block-separator has-alpha-channel-opacity"/>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/10/30/%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%91%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%8a-%d9%88%d9%85%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%b3-%d8%a8%d9%88%d8%b1%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%b3-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7/">محمد الطّالبي وموريس بورمانس : من الحوار إلى الفراق</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/10/30/%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%91%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%8a-%d9%88%d9%85%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%b3-%d8%a8%d9%88%d8%b1%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%b3-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الصيف من لذة القراءة إلى غواية الرّحيل</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/16/%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%81-%d9%85%d9%86-%d9%84%d8%b0%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%ba%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%91%d8%ad%d9%8a%d9%84/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/16/%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%81-%d9%85%d9%86-%d9%84%d8%b0%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%ba%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%91%d8%ad%d9%8a%d9%84/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 16 Jul 2025 11:10:07 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[إيطاليا]]></category>
		<category><![CDATA[الأندلس]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلام]]></category>
		<category><![CDATA[الطرق الصوفية]]></category>
		<category><![CDATA[العرب]]></category>
		<category><![CDATA[المغرب]]></category>
		<category><![CDATA[عزالدّين عناية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=7124428</guid>

					<description><![CDATA[<p> لكلّ فصل من فصول السنة طقوسٌ مميّزة في الاستجمام، ولكنّ فصل الصيف له نواميس خاصة في القراءة والسفر والدّعة. </p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/16/%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%81-%d9%85%d9%86-%d9%84%d8%b0%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%ba%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%91%d8%ad%d9%8a%d9%84/">الصيف من لذة القراءة إلى غواية الرّحيل</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p class="wp-block-paragraph"><strong>صحيحٌ لكلّ فصل من فصول السنة طقوسٌ مميّزة في الاستجمام، ولكنّ فصل الصيف له نواميس خاصة في القراءة والسفر والدّعة، فهو الفصل الذي يجعلني في حِلّ من التزامات الشغل وضوابطه. ولهذا أرى الصيف إغواء بالرحيل في الكتب، والرحيل في الجغرافيا أيضا، وكلاهما عندي انعتاق. وقد يقول قائل لكلّ فصل قراءاته ولكلّ موسم آدابه، ولكن في عرفي لا ارتباط للفصول والمواسم بنوعية القراءة.</strong></p>



<p class="has-text-align-left wp-block-paragraph"><strong>د. عزالدّين عناية *</strong></p>



<span id="more-7124428"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2018/09/عزالدّين-عناية.jpg" alt="" class="wp-image-148015"/></figure>
</div>


<p class="wp-block-paragraph">ولذلك أتحيّرُ من مكتبات إيطاليا، حين توزع أشهر السنة وفصولها على نوعيات مخصّصة من الكتب والمؤلفات، تُعرض دوريا على القراء. فهناك موسم لكتب الفاشية، وآخر لكتب الشواه (المحرقة)، وثالث لشواغل السياسة الداخلية واستتباعاتها الدولية، وغيرها من تدفقات النشر المرتبطة بالأحداث والوقائع التي تشغل الرأي العام؛ وضمن سياق دورة الماركتينغ تلك، هناك كتب الكلاسيكيات التي تعود دوريا تبعًا للفصول والمواسم، وكأنّ أصحابها يبعثون من مراقدهم من جديد. في حين ثمة كتّاب أحياء يُدفعون قسرًا إلى الواجهة وبإلحاح لغرض تكريسهم. أُدرك جيدا اشتغال ماكينة النشر في الخلف التي تُظهر من تريد وتحجب من تريد، ولكن ذلك حديث آخر عن صناعة النجوم في الفكر الآداب.</p>



<p class="wp-block-paragraph">أعود إلى عُرف القراءة لديّ، غالبا على مدار السنة ما أنتهز فرصة المطالعة كلّما وجدت متّسعا من الوقت خارج ضوابط التدريس، وإن كان الشغل لديّ بدوره على صلة وثيقة بالقراءة ومتابعة الجديد، ولكن في هذا الجانب القراءة هي نوع من الفعل الإلزامي. وعلى العموم في تقليد القراءة معي ثمة ضربان من القراءة: إحداهما إلزامية على صلة بالدرس والبحث والترجمة والكتابة، والأخرى اختيارية للمتعة والانعتاق، أي لأدنوَ من فهم العالم والترويح عن النفس. فلست من صنف جمّاعي الكتب وتكديس الوثائق، للفرجة أو للتخزين أو للاستعراض، بل أحاول أن أَلْتهم في التوّ ما تقع عليه يديّ ولا أعرف للادّخار في ذلك سبيلا.</p>



<h2 class="wp-block-heading">الرحيل في الكتب والقراءة الماتعة</h2>



<p class="wp-block-paragraph">وكما هو الصيف إغواء بالرحيل في الكتب والقراءة الماتعة، هو أيضا إغواء بالرحيل في الجغرافيا لدى شقّ آخر من السائحين والحالمين، وكأنّ في الرحيل شفاء للروح من فَقْد دفين في الذات، يلازمها منذ مراحل الطفولة الأولى. ولعلّ الرحيل في ما دأبتُ عليه، فرصة للانبعاث والتعمّد ثانية، وذلك منذ أن هجرت مرابع الطفولة واخترت روما مقاما. ولا أسمّي مقامي الروماني دار الهجرة، أو مقام الاغتراب، أو بلد المنفى، كما يقول البعض، لأنني حين أخلو بنفسي لا أجد شيئا من ذلك الإحساس، ربما لأني في علاقتي بالمقام والرحيل على مذهب ذلك الرجل الذي يرى &#8220;أنّ من يجد وطنه حلوًا ليس إلا عاطفيا مبتدئا، وأما من يجد في كل أرض أرضه فهو إنسان صلب، ووحده الذي بلغ الكمال هو الذي يكون العالم كلّه، بالنسبة إليه، كالبلد الغريب&#8221;.</p>



<p class="wp-block-paragraph">فما من شك أنّ الترحال يؤجّج شهيّةَ الكتابة لدى العديد من المبدعين، بما يخلّفه الاشتباك بأحوال وأوضاع جديدة، من تزاحم للأفكار وتدفق للمشاعر في ذهن المبدع وعواطفه الجياشة. ولذلك صاغ كثير من الكتّاب والشعراء والفنانين أعمالا في منتهى الروعة، في السابق والحاضر، ضمن ما يعرف بأدب الرحلة أو الأعمال الاستكشافية. حالة الفوران تلك أَلمّت بي في المراحل الأولى من حلولي بإيطاليا. أتيتُ من أوساط قروية في تونس ومن جامعة تاريخية، &#8220;الزيتونة&#8221;، قضيت فيها زهاء العقد دراسة وبحثا. فكانت المقارنات والموازنات تكتظّ في ذهني جراء التحول الجديد التي بتّ أعيشه والنموذج المتجذّر الماثل في اللاوعي في شخصي. لتغدو النظرة إلى إيطاليا لاحقا، وإلى الغرب عموما، أكثر تريّثا، وأقلّ انفعالا، وأدنى توهّجا بعد أن صرت جزءا من الغرب، وقد مرّ على مقامي فيه ما يناهز الثلاثة عقود. لكن في أجواء الترحال والتحول والدراسة والتدريس في إيطاليا، تنبّهتُ إلى أنّ ثمة إدراكا آخر ووعيا آخر ما كنت أتنبّه إليهما حين كنت أعيش داخل ثقافتي العربية وفي أوضاع سوسيولوجية بسيطة، ألا وهي القدرات الهائلة التي بحوزة الغرب للتحكم بالعالم، ليس فقط في مساراته السياسية وأحواله الاقتصادية، بل في أنماط تفكيره وصناعة أذواقه، ولعلّه الدرس الأعمق الذي وعيته بالتدرّج. أعود إلى الورى ثانية لأعي مزية الترحال والأسفار والهجرة.</p>



<p class="wp-block-paragraph">تُحدّثنا الروايات الأولى للتطورات العلمية في الغرب أنّ الأُسر النبيلة، منذ بدايات القرن السابع عشر،كانت غالبا ما تحرص على حثّ أبنائها على خوض غمار الرحلة والشغف بالأسفار كتدريب على الاندفاع والإقدام والقيادة، بالاطّلاع على تجارب الأغيار وأشكال عيشهم. ولذلك كان جلّ الرحالة الغربيين الأوائل نحو البلاد العربية، سواء من النساء أو الرجال، من أُسر من علية القوم. القائمة طويلة في هذا، المؤرخة جيرترود بيل التي أسهمت في تأسيس متحف بغداد سنة 1923 وقد تم تدشينه خلال العام 1927، والمستشرق الأمير ليونه كايتاني (1869-1935) مؤلف الأعمال الموسوعية &#8220;دراسات التاريخ الشرقي&#8221; و&#8221;حوليات الإسلام&#8221; وغيرهما كثير. كانت الأسر الأرستقراطية في الغرب تحرص على تقليد الرحلة في أوساطها، وترى في السفر تدريبا مفيدا على مجابهة الصعاب وتعزيز مكتسبات الوجاهة المعنوية والرمزية لديها، وبالتالي تسعى جاهدة إلى غرس تقليد التشوف بعيدا في نفوس أبنائها.</p>



<h2 class="wp-block-heading">تطوّرَ فنّ الرحلة لدى العرب </h2>



<p class="wp-block-paragraph">&nbsp;فكانت قوافل الشبان والشابات ممن&nbsp;يتحدّرون من البرجوازية الصاعدة، يخوضون جولات كبرى بين آثار روما وصقلية واليونان، ويبلغ نفرٌ منهم الحواضر العربية القديمة: قرطاجة، ولبدة، وشحّات (قورينة)، وأهرامات مصر، والقدس، وتدمر، وبابل، ومنهم من تستهويهم الصحراء الكبرى في شمال إفريقيا أو صحراء الجزيرة العربية وأهوالهما الغرائبية في المخيال الغربي.</p>



<p class="wp-block-paragraph">في مؤلّف بعنوان &#8220;الرحالة العرب في القرون الوسطى&#8221; صدر في ميلانو (2021) للإيطالية آنّا ماريا مارتيللي، تُبيّن الباحثة أنّ تطوّرَ فنّ الرحلة لدى العرب ترافقَ مع تمدّد الإسلام، وكان لعامل أداء فريضة الحجّ دورٌ بارز في تحفيز المسلمين على التنقل والسفر. ولكن الرحلة في التقليد العربي ما كانت محصورة بالحجّ، بل جاءت العديد من الرحلات مرتبطة باستكشاف الآفاق البعيدة وبغرض البحث العلمي، ولا سيّما الرحلات المتّصلة بجمْع الحديث النبوي. لكن الرحلة إلى أطراف العالم الإسلامي، جاءت أيضا بدافع نشر المذهب وترويج الرأي المغاير، فقد تخلّل تاريخ الإسلام المبكر رحيل عائلات سياسية وتلاميذ مدارس فقهية وكلامية، بغرض نشر آرائها في الأقاليم النائية، وهو حال المذاهب الفقهية والكلامية والطرق الصوفية التي تمدّدت وانتشرت في نواح نائية مشرقا ومغربا.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وجرّاء هذا الولع المتأصّل لدى العرب بفنّ الرحلة، تشكّلت تقاليد وعوائد في شتى الأصقاع. إذ تخضع العملية إلى نظام داخلي مراعى، يتغيّر بحسب المسار والمناخ، فضلا عن المحطّات التي يحطّ بها الرحالة والتي عادة ما تكون خانات أو تكايا وزوايا أو أماكن وفادة داخل الرباطات الحدودية. هذا وقد تكون الرحلة برّية في مجملها، وقد تكون بحرية في جزء منها كما كان يخوضها أهالي بلاد المغرب والأندلس، حين ينزلون بالإسكندرية ثم يُكملون طريقهم برًّا نحو البقاع المقدّسة.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وعلى المستوى الغربي كانت فورة العقلنة والشغف بالبحث العلمي دافعين لخوض العديد من المغامرات مع كثير من الرحالة والباحثين. فقد كان السعي لاكتشاف العالم، ومن ثَمّ ضبط القواعد في شتى المعارف والعلوم الناشئة حافزا للرحلة وارتياد الآفاق البعيدة ورصد الشعوب ومعاينة الآثار. عبّر عن هذا التحفز والنفور من الانطواء جيمس كليفورد بقوله &#8220;إذا كنّا نريد صياغة حقائق على هوانا فالأحرى أن نمكث في البيت&#8221;.</p>



<p class="wp-block-paragraph"><em>*  أستاذ تونسي بجامعة روما- إيطاليا.</em></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/16/%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%81-%d9%85%d9%86-%d9%84%d8%b0%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%ba%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%91%d8%ad%d9%8a%d9%84/">الصيف من لذة القراءة إلى غواية الرّحيل</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/16/%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%81-%d9%85%d9%86-%d9%84%d8%b0%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%ba%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%91%d8%ad%d9%8a%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>المثقفون العرب و الفكر المستقيل</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/05/22/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ab%d9%82%d9%81%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%88-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%83%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d9%8a%d9%84/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/05/22/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ab%d9%82%d9%81%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%88-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%83%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d9%8a%d9%84/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 22 May 2025 10:49:34 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[الثقافة العربية]]></category>
		<category><![CDATA[العقل الإسلامي]]></category>
		<category><![CDATA[عزالدّين عناية]]></category>
		<category><![CDATA[لفكر المستقيل]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=7049158</guid>

					<description><![CDATA[<p> أصناف ثلاثة من "المثقّفين" حاضرة بوفرة في قطاع الثقافة العربية: النّائم، والسّائم، والهائم. </p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/05/22/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ab%d9%82%d9%81%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%88-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%83%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d9%8a%d9%84/">المثقفون العرب و الفكر المستقيل</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p class="wp-block-paragraph"><strong>ضمن رصدِ خصائص المثقّفين، كنّا قد أوردنا في مؤلَّف سابق &#8220;العقل الإسلامي&#8230; عوائق التحرّر وتحدّيات الانبعاث&#8221; (2011) أصنافا ثلاثة من &#8220;المثقّفين&#8221; حاضرة بوفرة في قطاع الثقافة العربية أطلقنا عليها نعوت: النّائم، والسّائم، والهائم. نستعيد توصيفاتها وملامحها بإيجاز في هذا المقال لصلتها بحديثنا عن الفكر المستقيل. </strong></p>



<p class="has-text-align-left wp-block-paragraph"><strong>د. عزالدّين عناية <a id="_ftnref1" href="#_ftn1">*</a></strong></p>



<span id="more-7049158"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2018/09/عزالدّين-عناية.jpg" alt="" class="wp-image-148015" style="aspect-ratio:3/4;object-fit:cover"/></figure>
</div>


<p class="wp-block-paragraph">يُعتبَر الصّنف النّائم الأعلى نسبة بين الأصناف الثلاثة. فقد كانت المؤسّسات التّربوية والتعليمية الناشئة مع بداية الاستقلال، في حاجّة ماسّة إلى كوادر محلّية مما حثَّ على دمج عناصر واهِنة، يشحذ السواد الأعظم منها وَهْمُ التغيير الحالم، فتحوّلت وظيفة التعليم معهم إلى حرفة ميكانيكية. </p>



<p class="wp-block-paragraph">والصّنف الثاني، وهو صنف المثقّف السائم، فقد انعكس الواقع السياسي الاجتماعي المأزوم على ذهنية كثيرين سلبًا، الأمر الذي خلص على إثره المثقّف إلى أنّ دوره في إصلاح تلك البنية الاجتماعية الثقافية متعذّر ومنعدم. </p>



<p class="wp-block-paragraph">وأمّا الصّنف الثّالث، وهو الهائم: إذ جرّاء التشتّت الهائل الذي لحق الشريحة المثقّفة، وقعت فئة من بينهم رهينةَ العبث واللاّيقين، مما حوّل منتهى إدراكها إلى انسداد تاريخي، تجلّى في ترديد مقولات موت الفلسفة، وموت الشعر، ونهاية الكاتب، ونهاية التاريخ، وغيرها من القوالب البائسة. وتقبّلها العقل المنفعِل وحاكاها، محدِّثا النفس بالانخراط في حركة الفكر العالمية، والحقيقة أنه لم ينخرط سوى باستهلاك موبقاتها.</p>



<h2 class="wp-block-heading">تغييب التفكير تقليد جار العمل به</h2>



<p class="wp-block-paragraph">فمع الفكر المستقيل يغدو تغييب التفكير تقليدا جاريا العمل به، وإن خلّف ضررًا فادحًا بتحوّل مروياته، وحكاياته، وأخباره، وأمثاله، إلى ما هو مألوف ومعتاد بين الناس. ولا يتوقّف تعطيل التفكير عند حدود الأفراد، بل يمتدّ ليشمل جموعا واسعة تجد أريحية في استحضاره والحفاظ عليه. </p>



<p class="wp-block-paragraph">يتأمّل المرء فئات متعلّمة لدينا، في مجالات الطبّ والهندسة والتقنيات، مَثَّل التفكير العلمي، والاختبار التجريبي، والتمحيص العقلي، ديدنَ انشغالاتها، غير أن تلك الفئات المهمّة في مجتمعاتنا بمجرّد عودتها إلى مهدها الأوّل، نقصد حاضنة المجتمع، إلّا وتتخلّى عن ذلك الطابع المعرفي الذي حصّلته طيلة مشوارها التعليمي وتكوينها الدراسي. لذلك لا تفرّق في كثير من الأحيان بين المتعلّم وغير المتعلّم، وبين الدارس والأمّي، في النهل من معين الخرافة والأسطورة والركون سويا إلى اللامعقول واللامنطق. فهل هي سطوة التفكير الخرافي التي تثقل الوعي الجمعي وتحُول دون إرساء رؤية سويّة أم هو الانفصام في الشخصية الذي نعاني منه وآثاره الفاعلة والعميقة؟</p>



<p class="wp-block-paragraph">ولكن لنشرّح الظاهرة ونتمعّن في أبعادها: ما الذي تعنيه استقالة التفكير؟ قد تكون الاستقالة في جوهرها إقالة، يجري بمقتضاها إفقاد المرء قدرات التفكير، من خلال سلبه أدوات النقد والتحليل والتركيب والاستنباط والاستنتاج، وكلّها مدارج لبلوغ مراقي التمكين الذهني. إذ نلاحظ في كثير من البرامج التعليمية المعتمَدة في المستويات الجامعية وما قبل الجامعية، غياب المنزع العملي وفقدان روح التجديد وضمور المراجَعات، وهو ما يحوّل مؤسّساتنا التعليمية والتكوينية إلى مراكز تأهيل للبطالة بدل أن تكون منصّات انطلاق حقيقية نحو الإبداع والابتكار. فعملية سلب العقل مقدراته تشبه عملية الإخصاء في علم الأحياء وما تخلّفه من انحباس.</p>



<h2 class="wp-block-heading"> الاستقالة الذهنية حفاظ على السائد وموالاة للثبات</h2>



<p class="wp-block-paragraph">وضمن السياقين التعليمي والمعرفي تغدو الاستقالة الذهنية حفاظا على السائد وموالاة للثبات، والأدهى أنّ الاستقالة لا تقف عند حدود الجمود النظري، بل تؤثّر في عناصر مادية يُفترَض أن تشهد تحوّلا بفعل التقادم. ولا تعني استقالة التفكير سلبية الحضور الذهني وتواري الفاعلية فحسب، ولكن تلك الاستقالة غالبا ما تفسح المجال إلى بديل غرائزي أو سحري أو أسطوري يقوم مقام التفكير العقلي، لتغدو عملية الاستقالة استعاضة ببديل سلبي.</p>



<p class="wp-block-paragraph">ولكن استقالة التفكير تظلّ بالأساس حالة من القناعة النفسية الذهنية، أساسها الاستمراء لما هو جمعي في تفسير الظواهر والوقائع وإن تَبيّن بطلانها. وبالتالي هي انسجام مع مخزون أفيوني، شبه مخدِّر، يستمدّ المرء منه أقواله وأحكامه ويقينياته، ويجد يسرًا في استحضاره، بفعل شيوعه بين أطياف واسعة من الناس. وهذه المعادلة تحكم العديد كلّما جرى التطرّق إلى مواضيع في الدين والدنيا، وبشأن الممات والحياة، وبشأن الشرق والغرب، وبشأن الأنا والآخر، وغيرها من الثنائيات. </p>



<p class="wp-block-paragraph">ومن ثَمَّ يتساءل الناظر أين يتوارى المخزون المعرفي بأشكاله المتنوّعة، العلمية والعقلية والمنطقية الذي يتلقّاه المرء طيلة فترة تكوينه؟ ولِمَ لا يحافظ على حضوره ويشهد تطوّرات في مراحل لاحقة يُفتَرض فيها أنّ المرء قد بات مقتدرًا بمفرده على إنمائه وقد تربّت فيه ثقافة الانفتاح وتقاليد المراجَعة؟ ينبغي أن نقرّ أنّ انفصاما عميقا يجثم على مجتمعاتنا، جرّاء غياب إيتيقا المعرفة. ذلك أنّ نظرتنا هي نظرة ظرفية ومباشرة للأشياء دون تنزيلها ضمن إطارها الصائب مما يولّد ثنائية مقيتة لدينا. إذ لا معنى للعلوم والمعارف والفلسفة والمنطق، التي هي بالنهاية وسائل، ما لم تربّ في المرء نشدان التحرّر. ولكن أن تتحوّل تلك المعارف/ الوسائل، التي هي بالحقيقة قدرات، إلى أدوات للتبرير وليّ عنق الحقائق، فإنّنا حينها نغرق في ثقافة مغشوشة تحتاج إلى عملية ترميم هائلة.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وكما يلوح بيّنا، تجد استقالة التفكير دعائمها في خمول النظر ووهن المدارك. ليس بالمعنى الذي يتحدّث عنه المفكران الإيطاليان جانّي فاتّيمو وبيار آلدو روفاتي عن &#8220;الفكر الضعيف&#8221; في مقابل &#8220;الفكر العتيد&#8221;. لعمري ذلك سياق آخر تناولا فيه انغلاق الفلسفة داخل براديغمات محدّدة، وركونها إلى استعادة المقولات الكلاسيكية واستحضارها في زمن ما بعد حداثي. وقد كان فاتّيمو وروفاتي يصفان تحولا أخلاقيا عكسيا من &#8220;الفكر العتيد&#8221; إلى &#8220;الفكر الضعيف&#8221;، أي من الفكر الكلاسيكي إلى الفكر المابعد حداثي.</p>



<h2 class="wp-block-heading">غياب بيداغوجيا التعامل مع المعلومة</h2>



<p class="wp-block-paragraph">ولعلّ الإشكال الأبرز لدينا أن يتّخذ الفكر المستقيل من حصن المقدّس والعرف والمألوف هيكلا وملجأ، ولذلك كلّما توجّهت سهام النقد إليه لاذ واحتمى بما هو أثير لدى شقّ واسع من الناس. ولذا وجب فرز ما هو أصيل عمّا هو دخيل، وما هو جوهري عمّا هو عرضي، وهنا مهمّة الفلسفة، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والفكر النقدي، أي العلوم الإنسانية والاجتماعية عامة، لإعادة تصحيح المقولات وبيان الفروقات بين الحقول. إذ عادة ما نلحظ استحواذ الفكر المستقيل على المقولات الأثيرة في المخيال الجمعي وتوظيفها لتبرير مسلكه وإقرار منطقه. والحال أنّ خمول الفكر وغياب النقد مولّدان للشرّ، كما تذهب إلى ذلك المفكّرة حنة أرندت.</p>



<p class="wp-block-paragraph">إذ كما نلاحظ تجتاح حياتنا عوائد جديدة: في متابعة الأخبار، وفي مواكبة الأحداث، وفي استمداد المعلومة، تحثّ على الخمول الذهني والكسل المعرفي. ووفرة ورود الأشياء على الذهن من العالم الافتراضي، وعبر مختلف الوسائط، ليست حافزا للتأمّل والتروّي في ما يجري، بل مدعاة لنسيان ما يجري ومحو اللاحق السابق من حيز التفكّر والتذكّر.</p>



<p class="wp-block-paragraph">ولإن يمتاز الزمن الحالي بتدفّق المعلومة وقربها ويسر الوصول إليها، فإنّه زمن الاستقالة الذهنية الموسَّعة أيضا. والإشكال في ما نعانيه، ليس في وفرة المعلومة، بل في غياب بيداغوجيا التعامل مع المعلومة. إذ كثيرا ما يرد على مسامعنا: سمعت اليوم كذا، ورأيت اليوم كذا، وتابعت اليوم كذا، ولكن يندر أن نسمع حديثا رصينا عن تمحيص ما يُسمَع ويُرى ويُتابَع. وبالتالي نحن أمام حاجة إلى تربية جديدة للتعامل مع هذا الفيض الجارف من الأخبار والمعلومات والمشاهد كي لا يتحول المرء إلى آلة فاقدة للأنسة، ولا نقول فاقدة للذكاء، وقد شُحنت الآلات أيضا بذكاء اصطناعي بعد أن كانت خاوية.</p>



<p class="wp-block-paragraph"><em><a id="_ftn1" href="#_ftnref1">*</a>  أستاذ تونسي بجامعة روما، إيطاليا.</em></p>



<p class="wp-block-paragraph"></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/05/22/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ab%d9%82%d9%81%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%88-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%83%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d9%8a%d9%84/">المثقفون العرب و الفكر المستقيل</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/05/22/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ab%d9%82%d9%81%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%88-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%83%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d9%8a%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>كتاب جديد للباحث عزالدّين عناية حول &#8220;العقل الدّيني الغربي&#8221;</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/01/01/%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d9%84%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d8%ab-%d8%b9%d8%b2%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%91%d9%8a%d9%86-%d8%b9%d9%86%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/01/01/%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d9%84%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d8%ab-%d8%b9%d8%b2%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%91%d9%8a%d9%86-%d8%b9%d9%86%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 01 Jan 2025 08:43:44 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[الأديان الإبراهيمية]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلام]]></category>
		<category><![CDATA[العالم الإسلامي]]></category>
		<category><![CDATA[العقل الدّيني]]></category>
		<category><![CDATA[الغرب]]></category>
		<category><![CDATA[المسيحية]]></category>
		<category><![CDATA[اليهودية]]></category>
		<category><![CDATA[عزالدّين عناية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=6511177</guid>

					<description><![CDATA[<p>أصدر الباحث التونسي عز الدين عناية كتابا جديدا بعنوان "العقل الدّيني الغربي" .</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/01/01/%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d9%84%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d8%ab-%d8%b9%d8%b2%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%91%d9%8a%d9%86-%d8%b9%d9%86%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84/">كتاب جديد للباحث عزالدّين عناية حول &#8220;العقل الدّيني الغربي&#8221;</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p class="wp-block-paragraph"><strong>أصدر الباحث التونسي عز الدين عناية، المختص في علم الأديان و المدرس في جامعة روما، كتابا جديدا بعنوان &#8220;العقل الدّيني الغربي&#8221; الصادر عن منشورات مجمع الأطرش، تونس 2025، في 371 صفحة.</strong></p>



<span id="more-6511177"></span>



<p class="wp-block-paragraph">الكتاب هو مسعى للإحاطة بما يعتمل في العقل الغربي المعاصر تجاه الأديان، ولا سيّما منها الأديان الإبراهيمية. إذ ثمّة منظور ديني ينظر منه الغرب إلى العالم، لا يخلو من طرافة وعمق. وفي هذا الكتاب رصدٌ لقضايا متشعّبة، مثل النظر إلى مدينة القدس، ومسارات الفكر اليهودي، وعلاقة الدين بالسياسة في الغرب وفي العالم العربي، وكذلك حضور مؤسّسة الكنيسة في المجتمع، والتصوّف في الأديان الإبراهيمية، وغيرها من القضايا ذات الصلة.</p>



<p class="wp-block-paragraph">كلّ هذه الأفكار يقف معها الكاتب على بُؤَر دلالات عميقة في الفكر الغربي المعاصر، لا سيما وأنّ البُعد الديني، في فهم الغرب والتواصل معه، يلوح محوريا. إذ تظلّ الحاجة ماثلة إلى ضرورة تفادي ذلك النقص، لإرساء خطاب سديد بين الطرفين.</p>



<p class="wp-block-paragraph">المؤلف عزالدّين عناية هو أستاذ تونسي إيطالي يدرّس في جامعة روما، متخصّص في الدّراسات العلمية للأديان. أصدر مجموعة من الأبحاث والترجمات منها &#8220;الإمام والكردينال.. ومعارج الإيلاف&#8221;؛ &#8220;نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم&#8221;؛ &#8220;علم الأديان&#8221; لميشال مسلان (ترجمة من الفرنسية)؛ &#8220;علم الاجتماع الديني&#8221; لسابينو أكوافيفيا وإنزو باتشي (ترجمة من الإيطالية)؛ &#8220;السوق الدينيّة في الغرب&#8221; لمجموعة من المؤلفين (ترجمة من الإيطالية). كما يشرف عناية على برنامج ترجمة أصدر إلى حدّ الآن 70 عملا من اللّغة الإيطالية.</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/01/01/%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d9%84%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d8%ab-%d8%b9%d8%b2%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%91%d9%8a%d9%86-%d8%b9%d9%86%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84/">كتاب جديد للباحث عزالدّين عناية حول &#8220;العقل الدّيني الغربي&#8221;</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/01/01/%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d9%84%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d8%ab-%d8%b9%d8%b2%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%91%d9%8a%d9%86-%d8%b9%d9%86%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الترجمة في خدمة الانفتاح و الحوار بين شعوب العالم</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2024/08/20/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%ac%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%ae%d8%af%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d9%81%d8%aa%d8%a7%d8%ad-%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%b4/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 20 Aug 2024 11:18:45 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[أبوظبي]]></category>
		<category><![CDATA[الأقليات]]></category>
		<category><![CDATA[الترجمة]]></category>
		<category><![CDATA[التعدّدية]]></category>
		<category><![CDATA[الخليج العربي]]></category>
		<category><![CDATA[الهجرة]]></category>
		<category><![CDATA[عزالدّين عناية]]></category>
		<category><![CDATA[قضايا العالم]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=6207122</guid>

					<description><![CDATA[<p>الترابط بين القضايا الإنسانية وصناعة النشر اليوم من أوكد ما نحتاج لمعالجته لإدراك ذواتنا وللإحاطة بقضايا العالم.</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2024/08/20/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%ac%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%ae%d8%af%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d9%81%d8%aa%d8%a7%d8%ad-%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%b4/">الترجمة في خدمة الانفتاح و الحوار بين شعوب العالم</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p class="wp-block-paragraph"><strong>لا شك أنّ العالم اليوم يواجه جملة من القضايا المتنوّعة، آثارها جلية على البشرية جمعاء منها: مستحقّات التعدّدية، بوجهيها الديني والثقافي، ومستوجَبات السلم في العالم، ومراعاة الأقليات في مجتمعاتها الأصيلة، واحترام نظيرتها في المجتمعات التي طرأت عليها الهجرة، وغيرها من القضايا. وهي قضايا لا يمكن التعاطي معها بمثابة أخبار عابرة، في وسائل الإعلام؛ بل ينبغي تطارح آثارها وأبعادها بعمقٍ، وإمعان النظر فيها وحولها بالبحث والدراسة والترجمة.</strong></p>



<p class="has-text-align-left wp-block-paragraph"><strong>عزالدّين عناية</strong><a id="_ftnref1" href="#_ftn1"> *</a></p>



<span id="more-6207122"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2021/04/عز-الدين-عناية.jpg" alt="" class="wp-image-264483"/></figure>
</div>


<p class="wp-block-paragraph">ومهما بدا المرءُ معزولا عن تلك القضايا الكبرى، حين يرزح تحت وطأة المشاكل الفردية، فالثابت والجليّ أنّ ثمة جدلية وصِلة بين مشاكل الفرد الشخصية وقضايا العالم الجماعية، وعلى هذا الأساس يمكن القول إن مشاكل الفرد هي قضايا العالم وقضايا العالم هي مشاكل الفرد. ولعلّ هذا ما يجعل الترابط بين القضايا الإنسانية وصناعة النشر اليوم من أوكد ما نحتاج لمعالجته لإدراك ذواتنا وللإحاطة بقضايا العالم.</p>



<p class="wp-block-paragraph"><strong>الصناعة الثقافية وقضايا العالم</strong></p>



<p class="wp-block-paragraph">لعلّ من الصائب، لو شئنا عنوانا لمداخلتنا في قالب تساؤل لقلنا: من يصنع الفكر والثقافة اليوم؟ ومن تشغله قضايا العالم؟ مجالات النشر والقضايا الإنسانية هما مسألتان تسائلان أوضاعنا الراهنة، المعرفية والحضورية في العالم، بَيْد أنهما تشكوان من المعالجة السوية والمعمَّقة. ذلك أن الجانب الأول، &#8220;النشر والترجمة&#8221;، هو عملٌ غالبا ما تعكف على الاشتغال به مؤسسات خاصة لدينا، وهي مؤسسات في أوضاعها الحالية قاصرة عن بلوغ المرجو، لأنها باختصار تلاحق تحقيق الربح للحصول على عائدات مادية لا غير، وقلّما يرتبط عملا النشر والترجمة في تلك المؤسسات الخاصة بمعالجة قضايا ذات أبعاد إنسانية.</p>



<p class="wp-block-paragraph">ذلك أنّ دُور النشر العربية، في الغالب الأعمّ، ليست امتدادا لمراكز أبحاث أو مؤسسات دراسات، أو هيئات علمية ومعرفية، معنيّة بالاشتغال على نطاق محلي أو دولي، بل هي شبه دكاكين تجارية محدودة الأنشطة، لم تتحوّل إلى ما يشبه المغازات أو المولات الثقافية. ومحدودية النشاط هذه فرضت عليها نمطا خُلقيا في التعامل مع الكتّاب والباحثين والمبدِعين، غالبا ما كان محكوما بمعادلتَيْ الاستغلال، وأدخلها في منظور للنشر والترجمة محصورا بأهداف مستعجَلة وخاضعا لسياسات ربحية. لذلك يبقى دَوْر الانشغال بالقضايا الإنسانية بعيدا عن خياراتها وملقى على عاتق مؤسسات ذات صبغة مقاصدية تتجاوز الهدف التجاري إلى هدف حضوري وتأثيري في العالم. ونقصد بالأساس مؤسسات معرفية وعلمية غير ربحية، تتمتّع بمستوى من الاستقلالية حتى تقدر على التحرك والتأثير.</p>



<p class="wp-block-paragraph">ألمحنا بعجالة، في ما سبق، إلى نوعي المؤسسات المنشغلة بالنشر والقضايا الإنسانية في آن، ضمن السياق العربي، وبيّنا أن التعويل على دُور النشر العربية في هذا الجانب هو من باب حلم اليقظة، لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه. فالمسألة أكبر من قدراتها وإمكانياتها، ولذا تبقى المؤسسات الجماعية الفاعلة، أو ما بات يُعرف بـ الثينك تانك (<em>Think tank</em>) هي المقتدرة على تولّى هذه المهمّة وتطويرها. فالفكر العملي اليوم، والتأثير الثقافي بوجه عام، ما عادا صناعة فردية بل صناعة مؤسسة جماعية.</p>



<p class="wp-block-paragraph">أعود إلى الإشكال الجوهري في محاضرتنا: صناعة النشر بوجهيها المعرفي والترجمي، من يصنعها اليوم في البلاد العربية؟ هل هي مؤسسات الدولة؟ أم مؤسسات البحث والدراسات ذات الطابع المستقل؟ أم دُور النشر الخاصة؟ فخلال العقود الأخيرة خَبَت في الدولة تلك الحماسة في صناعة &#8220;الثقافة المنشورة&#8221;، ومن ثَمّ تراجع هاجس استقبال الجديد في العالم، حتى لكأنّ الدولة غادرت معترك هذا السوق وتركته عرضة لتنافس صبياني محموم. تخلّت الدولة عن تلك الريادة التي ميّزتها فجر الاستقلال وإلى غاية الثمانينيات من القرن الفائت. لكن هذا العبء، أو لنقل هذه المسؤولية التاريخية، ثمة دولٌ لا تزال تتحمّلها باقتدار وبطرق ذكية وفي مقدّمتها بعض دول الخليج العربي، ما عدا تلك الدول، فقد تراجع فيها ذلك الدور بشكل فاجع.</p>



<p class="wp-block-paragraph">وعلى هذا الأساس نُقدّر أنّ صناعة النشر والترجمة التي تنظر إلى العالم، وتتفاعل مع العالم، تحتاج إلى عين الدولة، ولكن بروح وثّابة ومسؤولة (مشروع كلمة في أبوظبي، والمركز القومي للترجمة في مصر، ومؤسسة ترجمان التابعة للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في قطر، هي نماذج حيوية لهذه العين الساهرة والراعية). لأنّ المؤسسات المدعومة من الدولة هي الأقدر على إرساء المشاريع الهيكلية، الهادفة والواضحة، مثل ترجمة القواميس، والموسوعات، وكبريات مراجع المدوّنة العالمية، في الفكر والآداب والفنون وفي شتى حقول المعرفة، وإلا فمن أين يأتي استقبال ما يجري في العالم والتعاطي معه؟</p>



<p class="wp-block-paragraph"><strong>مقتضيات الإحاطة بالقضايا الإنسانية</strong></p>



<p class="wp-block-paragraph">من الجليّ أن الانشغال بالقضايا الإنسانية لا يمثّل هاجسا لدى الجميع، وإن حضر هذا الانشغال لدى البعض، فإنّه غالبا ما يطغى عليه الطابع السياسي، لغلبة التوترات والصّراعات ذات الأثر المعولَم، فتَتوارى قضايا حارقة مثل التفاوت الاجتماعي، والإمعان في تفقير الشرائح المحرومة، وطمس حقوق المظلومين، والتغاضي عن قضايا الهجرة العالمية وغيرها. مع هذا بات الوعي بالعالم، وبقضايا العالم، اليوم، مدعوا لتجاوز التعاطي الإخباري لما يجري إلى التعاطي المعرفي. ولا سبيل إلى بناء تعاط معرفي مع العالم، سوى بإنتاج الأبحاث والدراسات المعمّقة فيه، وردف ذلك بتفعيل عمل الترجمة وتكثيفه. ومن جانبنا العربي نحن في أمس الحاجة إلى &#8220;استغراب&#8221; (يعانق الغرب معرفيا) وبالمثل إلى &#8220;استشراق&#8221; (يعانق الشرق الصيني والياباني والهندي معرفيا). ولْنكنْ صرحاء مع أنفسنا، علومنا التي تُدرَّس في المؤسسات الجامعية العربية هي علوم منكفئة على الداخل العربي في مجملها، رغم وجود قدرات لغوية في الجامعات العربية تفوق القدرات الجامعية الغربية أحيانا، بحوزة مدرّسي علم الاجتماع والفلسفة والحضارة والتاريخ وغيرهم، لكن تلك القدرات مجمَّدة أو معطَّلة جراء خمول ذاتي أو جراء مناخ أكاديمي موبوء سائد في جامعاتنا، وهو ما يتطلّب مصارَحة حقيقية للخروج من هذا الانحصار في الداخل.</p>



<p class="wp-block-paragraph">فالوعي بالقضايا الإنسانية يقتضي الانفتاح على مجالات معرفية متنوعة في الترجمة، وفي واقعنا الحالي، تحوز ترجمة الأدب، وتحديدا الرواية، نصيب الأسد مما نستجلبه من الخارج، ولكن الرواية وحدها لا تكفي لبناء رؤية صائبة ومكتملة عن الآخر. إن علماء الاجتماع لدينا، والمنشغلين بالفلسفة، والمنشغلين بالتاريخ والسياسة ونظراؤهم كثيرون، هؤلاء ممّن ينبغي أن يرصد ويترجم نحو العربية وينقل رؤيتنا إلى العالم، لأنهم وببساطة الأدرى بالعالم في مجالاتهم وتخصّصاتهم، وليس انتظار غيرهم ليقوم بذلك الدور بدلا عنهم.</p>



<p class="wp-block-paragraph">فالترجمة لدينا اليوم مطالبَةٌ بتصحيح مساراتها لتتحوّل من ترجمة ممّا يدرُّ ربحًا إلى ما يُؤسّس وعيًا. ومن ملاحقة الصّرعات العالمية للـ &#8220;باست سالر&#8221; وأفضل القوائم لدى دُور النشر، إلى تلبية احتياجاتنا وسدّ النقص لدينا. فنحن في أمس الحاجة في الترجمة إلى ما يزيح الغشاوة عنّا في رؤية العالم رؤية صائبة وواضحة. وبالتالي فالترجمة الفاعلة، والحاضرة في الحراك الثقافي، والتغيير الاجتماعي، لا تصنعها دُور النشر المتلهّفة على تحقيق الربح المستعجل.</p>



<p class="wp-block-paragraph">تحيين المعارف بالغرب والشرق، عبر النشر والترجمة، ضروري للإحاطة بقضايا العالم. والجامعة منوط بها دَورٌ محوري في تنشئة القدرات البحثية والمعرفية وإنمائها. لذا في الواقع الحالي الجامعة والمؤسسات الأكاديمية العربية في حاجة ماسة، في تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية والدينية، إلى تكثيف التواصل مع الفضاءات الثقافية والمعرفية الأخرى من أجل تحفيز الوعي بالآخر. حيث تلوح الرؤية العربية للآخر متقادمة أو مبتورة، لا تفي بشروط الإحاطة والإلمام بما يجري في العالم.</p>



<p class="wp-block-paragraph"><u><em>مداخلة ألقيت في معرض الكتاب في الرباط بتاريخ 18 ماي 2024.</em></u></p>



<hr class="wp-block-separator has-alpha-channel-opacity"/>



<p class="wp-block-paragraph"><a href="#_ftnref1" id="_ftn1">*</a> &nbsp;أستاذ تونسي بجامعة روما- إيطاليا</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2024/08/20/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%ac%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%ae%d8%af%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d9%81%d8%aa%d8%a7%d8%ad-%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%b4/">الترجمة في خدمة الانفتاح و الحوار بين شعوب العالم</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
