الرئيسية » هل ينجح قيس سعيّد في حلحلة الملف الليبي؟

هل ينجح قيس سعيّد في حلحلة الملف الليبي؟

هل ستنجح تونس في حلحلة ملف الأزمة الليبية المعقد – هذه المهمة الشاقة التي حملتها على عاتقها وهي طرف مهم في هذه المعادلة؟ وهل تستطيع تقليص الفوارق إلى أدنى مستوى حتى تتفق الأطراف المتنازعة على خريطة عمل لإنقاذ ليبيا من الغرق المحتوم إذا تواصل نزيف التقاتل وفرض لغة القوة بين المتحاربين؟ الأمل وارد لكن المعوقات الداخلية والخارجية كثيرة…

بقلم فوزي بن يونس بن حديد

يجتمع الفرقاء الليبيون هذا الأسبوع في تونس على أمل إيجاد حلّ للأزمة الليبية المعقّدة جدا والتي لم تصل إلى حلّ رغم المحاولات المتعددة سواء في برلين أو جنيف أو في مصر أو في المغرب، وباءت كل المحاولات بالفشل الذريع وبقي الصراع قائما في دولة تفكّكت منذ عام 2011 بعد أن قصف حلف الأطلسي طرابلس ودخلت الفصائل والمليشيات في حرب مع العقيد معمر القذافي بدعم واضح من أمريكا التي كانت تريد الإطاحة بالنظام وتعتقد أنه نظام فاسد وديكتاتوري، وحتى وإن اعترفنا بأنه كذلك إلا أن الغرب أيضا أرسى لغة الفوضى العارمة في هذا البلد بعد مقتل القذافي، مما جعله مأوى ومقصدا للجماعات المسلحة والإرهابية، وبقي النزاع متواصلا ومتأصّلا ولم يجد الحل المناسب لإضفاء الشرعية على حكومة منتخبة وموحّدة وصرنا بعدئذ نسمع بحكومة فايز السراج في الغرب وحكومة خليفة حفتر في الشرق، وسيطرة بعض القبائل على بعض المناطق التي باتت تحت حكمها، مما أفرز تنوّعا غريبا في المجتمع الليبي.

تدخل الأطراف الاجنبية عقد الأزمة و منع الحل

هذا النزاع أفضى بدوره إلى تطاحن داخلي وانهيار اقتصادي وتدهور اجتماعي فاقم الأزمة بشكل كبير، مع وجود أطراف خارجية تتدخل في الشأن الليبي وتتنازع للسيطرة على مجريات الأحداث هناك لا سيما بين تركيا ومصر وروسيا وأمريكا، وفي كل مرة تظهر مناوشات بين هذه الدول لإثبات القوة ومحاولة إمالة حليفه الليبي.

ولئن كانت كل المحاولات السابقة قد فشلت في تحقيق التوافق بين الليبيين أنفسهم، فإن تونس اليوم تريد من خلال هذه اللقاءات وعبر المنبر الأممي المشارك أن تقرّب وجهات النظر بين الليبيين أنفسهم بدعم دولي واضح مع صعوبة اختراق الجدار الصلب الذي مازال يفصل بين الفرقاء، وقد تحدث الرئيس التونسي السيد قيس سعيّد بلغة المشرف على هذا الحوار الاستراتيجي بيّن فيه أن الليبيين إذا ما أرادوا السِّلم في بلادهم عليهم أن يجلسوا إلى طاولة الحوار ولا شيء غير الحوار لحل جميع المشكلات، وعلى الليبيين جميعا أن يعلموا أن بلادهم تُستنزَف وعليهم إنقاذها، ولا مجال للمراوغة والتلكؤ والمماطلة تحت أي عنوان لأن ذلك يؤخر عملية الإنقاذ ويهدّد السلم العام في ليبيا ويجعلها بلدًا متأزّما غير قادر على لملمة الصفوف ومشتّتا ممّا يهدد استقرار البلاد على المدى الطويل ويرسي فكرة تقسيمها إلى قطع بين شرق وغرب وجنوب كما حدث في السودان حينما قُسّمت إلى جزأين، أو تدخل البلاد في أتون حرب أهلية واسعة النطاق وتزيدها أزمة فوق أزمتها.

تونس حريصة على إنجاح الحوار الليبي الليبي

ولا شك أن حرص تونس على نجاح هذا الحوار ومراهنتها على إحداث تحوّل في العلاقات بين الفرقاء، واختراق جدار الصدّ سيفيدها على جميع المستويات أهمها المستوى الاقتصادي لأن تونس ترتبط جغرافيا مع ليبيا عبر منفذ رأس جدير الحيوي وهو منفذ تجاري كبير يستقطب عددا كبيرا من التونسيين الذين يتعاملون مع الجانب الليبي لتصدير السلع التونسية وتوريد السلع الليبية ويمنحها فسحة اقتصادية كبيرة للخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها تونس.

وقد بدا الرئيس التونسي السيد قيس سعيد متحمّسا جدّا لمثل هذا الحوار، ومتفائلا بالوصول إلى حل يرضي الأطراف جميعا بإشراف أممي ودولي كبير يتابع الخطوات المدروسة لا سيما بعد انتخاب جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية الذي يدعم الحل السلمي في ليبيا بعيدا عن أي حسابات ضيقة من أطراف خارجية أخرى تبحث أيضا عن مصالحها في ليبيا.

فهل تنجح تونس في هذه المهمة الشاقة التي حملتها على عاتقها وهي طرف مهم في هذه المعادلة؟ وهل تستطيع تقليص الفوارق إلى أدنى مستوى حتى تتفق الأطراف المتنازعة على خريطة عمل لإنقاذ ليبيا من الغرق المحتوم إذا تواصل نزيف التقاتل وفرض لغة القوة بين المتحاربين؟ فلا حل في ليبيا إلا بالتوافق، والتوافق لن يكون إلا بالحوار البنّاء، وهذا الحوار لا يتواصل إلا بالتنازل من الأطراف جميعا إلى حدّ يمكن أن يلتقي فيه أحدهم مع الآخر لإنشاء حكومة انتقالية تكون قادرة على إدارة شؤون البلاد خلال الفترة القادمة وتعمل على إرساء انتخابات ديمقراطية تشريعيّة ورئاسيّة وإنهاء حالة الانقسام السياسي، وبالتالي يستطيع الليبيون أن يستعيدوا دولتهم التي كادت أن تختفي في زمن التغوّل العالمي الذي لا يرحم الضعفاء ولا يهتم بالبؤساء بل يرسخ قوة السيطرة وسيطرة القوة للحصول على أكبر قدر ممكن من المصالح.

ولعل ميزة هذا الحوار أنه جرى في بلد جارٍ وتشرف عليه المنظمة الأممية مما يمنحه المصداقية في تكريس لغة الحوار وتقديم تنازلات مؤلمة وحقيقية نظرا للتقارب الكبير بين تونس وليبيا، والمصالح المشتركة، والعلاقات المتميزة طوال عقود من الزمن، ولذلك ربما يحقق هذا الحوار نجاحا وينتهي بتحديد تواريخ للانتقال من حالة الحرب إلى حالة السلم مع التزام الجميع بوضع السلاح جانبا، والتقيد بالضوابط والأسس التي تم الاتفاق والتوقيع عليها، ومن ثم البحث عن رؤى جديدة للخروج من عنق الزجاجة وترتيب البيت الليبي من البداية لأن ما مضى منذ 2011 يعبر عن مأساة حقيقية عاشها الشعب الليبي بجميع آلامه.

Leave a Reply

Your email address will not be published.