الرئيسية » تونس : كي لا تحل ثقافة التجريح ثقافة التوجيه

تونس : كي لا تحل ثقافة التجريح ثقافة التوجيه

لا شيء يسيء إلى رجل أو حدث مثل المبالغة حين تجمح عن حدودها المنطقية. ولا شيء يسيء إلى السياسة مثل ثقافة التجريح التي تحلّ محلّ ثقافة التوجيه. هناك فعلا شخصيات ظهرت على الساحة تملك صفات تُلفت النظر، وأخرى لها مواقف شديدة الأهمية، وفئة بدون رصيد يُذكر.

بقلم العقيد محسن بن عيسى *

لا أرى ضيرا في التعريف بنشاط السياسيين ولا أرى ضررًا في أن نُوجّه نقدا أو تعليقا إلى جهاز مُعيّن حكومي أو خاص لأنه لم يقم بما يجب عليه القيام به لتحقيق المصلحة العامة. الضرر كل الضرر أن يتحوّل المشهد السياسي – الإعلامي إلى ساحة للمبالغة والمغالاة أو الانتقاص من الأشخاص والتشهير دون وعي أو بإدراك.

إنصاف الواقع

أتذكّر في هذا السياق حادثة تناولتها الأدبيات السياسية وتتعلّق برئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل الذي استغرب من مقال نُشر عنه كان كتبه إيشيا برلين أستاذ الفلسفة في جامعة أكسفورد. لقد كان المقال مُغاليا في إشادته بمزايا تشرشل والتحدّث عن عبقريته وعظمته.

ويظهر أنّ رئيس الوزراء كان أكثر واقعية من الكاتب، فخطّ على هامش المقال جملة واحدة: “Too good to be true “, وتعني “جميل جدا إلى درجة أنه لا يمكن أن يكون حقيقيا”. وإنصافا للواقع … فإنه ليس في مقدور أيّ سياسي مهما فعل أن يتجاوز موارد بلاده المادية والمعنوية، كما أنّ الدولة لا تصنعها الفضائل، بل حكم الجغرافيا، والتاريخ والعصر والتجربة.

حرمة الوعي وكرامة العقل

للأسف لا زلنا نعيش على وقع العدوان على حرمة الوعي وعلى كرامة العقل في آن واحد. نحن في حاجة إلى تكريس ثقافة تستند إلى الاعتراف بالجميل والنقد المساعد على دعم مسيرة البلاد بأسلوب حضاري بعيدًا عن المغالاة أو المساس بخصوصيات الآخرين.

كان المبدأ الجميل يميّز بين الشخصية العامة والأشخاص العاديين، وكذلك بين النقد المجرّد وبين التجريح والتشهير. وكانت من السخافة التمسح بالشخصيات العامة والزعم بوجود علاقة مُعينة مع بعضهم. علاقة لا وجود لها أو يصعب أيضا إثبات عدم وجودها.

ظاهرة المغالاة والتجريح قبيحة لأكثر من سبب، فهي تنطوي على نوع من فساد الذوق الذي يسيء إلى المجتمع الواعي ويتجاوز القيم العامة. هناك حالة تضليل لمن لا يعرف الحقيقة وإيهام بوجود ما لا وجود له. فضلا عما يشيعه هذا الصخب من مناخ غير صحي يساعد على انتشار مختلف الأمراض في حياتنا الثقافية والسياسية.

لا أستطيع أن أعفي الدولة من مسؤولية تفشي هذه الثقافة فـ “رخاوة” الدولة لها إرث ثقيل خاصة على هذا المستوى.

* ضابط سابق في سلك الحرس الوطني.

Leave a Reply

Your email address will not be published.