
توفي الكاتب الاسباني خوان غويتيسولو يوم 4 جوان 2017 بمدينة مراكش موطنه الثاني شهرين بعد ان تعرّض الى جلطة وقد اوري الثرى بالمقبرة الاسبانية بمدينة العرائش (شمال المغرب) الى جواره صديقه ومعلمه الكاتب الفرنسي “جون جوناي”.
بقلم عبد اللطيف بن سالم
صدرت سنة 2008 رواية رواية للكاتب الإسباني خوان غويتيسولو (برشلونة 1931) تحمل عنوان صدر ” “المنفي من هنا و من هناك” عن دار نشر غالكسيا غوتنبرغ/سركلو د لكتورس.
الشخصية المركزية غريبة الأطوار التي سكنت روايته “مشاهد بعد المعركة”(1982) والتي لقت حتفها اثرإنفجارعبوة ناسفة الصقت في ثنايا معطفها من طرف منظمة إرهابية مجهولة ، تبعث من جديد روائيي من طرف غويتيسولو في هيأة كائن أطلق عليه إسم “وحش السنتيي” نسبة لحي السنتيي الباريسي مسرح اغلب كتابات الاديب الإسباني، لتشاهد بأم عينها كيف تحققت تنبؤاتها الجنونية-الهذيانية (آنذاك) كسقوط الإتحاد السوفيتي وبروز العولمة والحروب العرقية والإبادات الجماعية وهجرة الشعوب… وتنحدر من الفضاء الإفتراضي الشاسع حيث كانت رابضة لتعود إلى ما-بعد-الحياة أو” الدنيا الآخرة” حسب فقه الأخرويات الإسلامي، في محاولة مضنية وحزينة لتفهم ماضيها بعلاقة مع ما يحدث في الكون وما آلت إليه مجتمعاتنا الاستهلاكية المراقبة و نظمها السياسية الأخطبوطية، من تصدّع وانهيار قيم التضامن القديمة والمساواة وانتصار عقيدة الربح اللبرالية وما يرافقها من شطب لإنسانية الإنسان و”تسليع” العالم . “المأسوف عليه” أو “المتوفي” بطل هذه الرواية الجديدة، ليس مدوّن أخبار أو شاهد على زمننا فحسب بل مشهودا كذالك من طرفنا نحن قراءه، إذ من وراء تتبعنا ” لمغامراته” نستمتع بزخم الإبداع في تجدد دائم لدى الكاتب الاسباني : كتابة بوليفونية ، شخصيات ثنائية وثلاثية تتلاعب في الظهور بهويات وباجناس وبأقنعة متعددة في تجوال غيرمنقطع بين الموت والحياة بين الدنيا و الآخرة ،بين الواقع والإفتراض، وفي السماء وفوق الأرض. وفي ترحاله بين عالم المثال و”عالم الصور العنصرية” سيجد “المتوفي” بعضا من الوقت لأداء زيارة إلى أوطاننا ليقرئنا هذه الشذرات – الخيالية لكن في تجلياتها الاكثر واقعية و قسوة – مما عاينه من “خصوصيات” مستبشعة تميزت بها أنظمتنا العربية الحاكمة دون غيرها من الأنظمة في العالم.
المنفي من هنا ومن هناك ” هو اخر عمل يصدر لخوان غويتيسولو بعد ان قرر العزوف عن الكتابة الروائية، تتكون هذه الرواية من عدة فصول قصيرة منها 4 كتابات مستلهمة مباشرة من واقع تونس السياسي في بداية القرن ال21 وقد خطّها الكاتب الاسباني الكبير اثر الزيارة التي ادّاهاالى بلدنا في مطلع شهر جانفي سنة 2000 حيث قام تحت غطاء محاضرات القاها في الجامعة التونسية، بالاتصال بعدّة اسماء من عالم الادب والمجتمع المدني ليطّلع عن كثب عن الاوضاع المتدية في تونس وعند عودته نشر نصا بعنوان “العودة من تونس” صدر متزامنا في جريدتي “لوموند” وجريدة “الباييس” الاسبانية مما اثار غيض وحمق السلطات التونسية انذاك.
وبمناسبة وفاة الكاتب الاسباني الكبير يقدّم موقع “انباء تونس” تكريما له بنشر نصين مختارين من طرف مترجمه عبد اللطيف بن سالم.
الواحد الاوحد
تبين من خلال نتائج الانتخابات الرئاسية التي دأبت على تنظيمها دوريا إدارة أمن الدولة التابعة لنا والتي نفوز فيها كل مرة بمعدل %99،99 من مجموع الناخبين، أن عدد المعارضين الضئيل جدا الذي لا يتجاوز في أحسن الأحوال بضعة عشرات من أصل عشرة ملايين نسمة، لا يقيم الدليل على تفاهة تلك المعارضة فحسب، بل يؤكد قناعتنا بالتألق الباهر الذي سجلناه في إدارة شؤون البلاد منذ ذالك اليوم السحيق الذي قامت فيه حركة تمرد مسلحة تكرمت بها العناية الالهية، قادتنا إلى الاستقرار على سدة الحكم و وضعت حدا نهائيا للمسرحية الهزلية رديئة الإخراج التي كان يؤدي أدوارها جمع من الساسة الخصيان و الفاسدين ممن يتخربطون كالدمى المتحركة أمام جمهورمستنكر و مستهزئ في الآن.
منذ فجر ذالك التحول جرت الأمور وفقا لنظام غاية في الدقة والإحكام ׃ تنظيم استفتاء ثم إطلاق حملات دعائية مكثفة – المدينة تلو المدينة و الحي تلو الحي و البيت تلو البيت – للتصويت” بنعم”، ثم توجيه دعوة شكلية لمن استأنس في نفسه الرغبة في تقديم ترشّحات بديلة قصد منافستنا، و كالمعتاد لم يتجرأ أحد على تلبية الدعوى تحسّبا للعار ولنهاية غير محمودة العواقب. فالاعتذارات المهينة و العلنية التي قدمها البعض من أولائك المتكلفين ساهمت في ثني البقية الباقية عن النسج على منوالهم حتى لا ينتف ريشهم نتفا في معركة هزلية و عديمة الجدوى.
لكن ما حدث خلال الاستحقاق الأخير جاء مخالفا تماما لكل التوقعات. فالمعارضة لم تقدم ولا مرشحا واحدا فيما أفضت عملية فرزالنتائج التي دارت في كنف الوضوح والشفافية واحترام القانون، بشهادة العديد من الملاحظين و المراقبين من الدول الشقيقة و الصديقة، إلى نتيجة غير مسبوقة: صوت واحد ضد.
أما الآن و قد ولت بهجة الأفراح الرسمية و برقيات التهنئة من لدن رؤساء الدول الأجنبية والاحتفالات التي غمرت عفويا كافة أرجاء الوطن، فان ذالك الصوت الواحد الأوحد بدلا من إن يطمئن قلبنا بات ينث فينا شعورا بالحيرة والقلق. إن تذعن حفنة من الحاقدين و الجاحدين ممن ينكرون الانجازات العظيمة التي تحققت بفضل خياراتنا الصّائبة، لسلطة القانون ولدولة المؤسّسات، فهذا لعمري من بديهيات الأمور،لا لأنهم لا يمثلون إلا أنفسم فحسب، بل كدالك إعترافا منهم بسوء فهمهم للواقع و بعمائهم المثير حقيقة للشفقة. بينما يبقئ ذالك الصوت المنفرد، الفج والمستعصي الذي أدلى به واحد يرفض بتعنت شديد، التعبير عن مشاعر الإكبار والعرفان بالجميل لدولتنا لرعايتها الموصولة لجميع فئات الشعب ، ناصية خطر داهم لم يسبق له مثيل، و تهديد كامن يوشك على الانقلاب في كل لحظة إلى حقيقة على الارض.
ترى من يكون هذا المعارض المتستر؟
باتت الإجابة على هذا السؤال تأرق هاجسنا وتقض مضجعنا. أمرنا باستنفارأجهزة الأمن و الاستعلامات بطم طميمها لاقتفاء أثره وكشف القناع عنه. لكن قبل ذالك تعين علينا إجراء مسح دقيق للجسم الانتخابي حيث عثرعلى الورقة، ثم ضبط قائمة بأسماء المشتبه فيهم و التدقيق بعناية شديدة في أشرطة الفيديو التي التقطتها عيون العدسات المصغرة في ذالك اليوم المشئوم.
استغرقت الأبحاث أشهرا عديدة لكنها لم تسفرعن أية نتيجة تذكر. لم يعترف ولا سجين واحد ممن تم القبض عليهم اثرحملات الإيقاف والمداهمات الليلية بجريمته.
هل نلتجئ إلى استخدام أساليب التعذيب ضد الموقوفين كما اقترحه علي مدير الشرطة العلمية؟ أبدينا تحفظا على ذالك ثم خلصنا بعدما تداولنا الامرإلى فكرة غياب أية فائدة تجنى من وراء ذاك المقترح.
ففي صورة ما أخضعنا هؤلاء الأبرياء إلى التعذيب فإنهم سيعترفون حتما بجرائم وهمية ، أما هو،غريمنا وعدو انجازاتنا اللدود، سوف لن ترتخي قبضتة الحديدية علينا. و سيمضي قدما، بدون رحمة، و بعزيمة لا تنثني في سعيه المحموم وراء تحقيق مآربه: هلاكنا، نعم، هلاكنا و تصفيتنا.
آّذنّا بعقد جلسة طارئة بمستشارينا وبقيادات الصف الثاني لفرق جها زالاستعلامات العامة من ” المصالح المختصة” و”المخابرات التابعة للرئاسة” و “الارشاد” للتباحث في الموضوع . و كانت المقترحات المقدمة – بدءا بالعقوبة المتدرجة من واحد إلى ثلاثة درجات، إنتهائا بالتصفية الكاملة لكل من ورد اسمه بالقائمات الانتخابية التابعة للدائرة المضنون فيها – قد تراءت لنا و كأنها غير ناجعة فارتأينا أن لا نعيرها أي اهتمام إذ كان لدينا شعور مبهم – كمن توجّس شرّا – بأن الأمر يتعلق هذه المرة بمعركة خاسرة مسبقا: و مهما يكن من امر فذالك العدو في منتهى القساوة باق لا محالة بعدنا والبقاء لله وحده.
مرت أسابيع طويلة و نحن في حالة يائسة يرثى لها من شدّة الهلع الذي انتابنا، مسكونين بفكرة ما برحت تطاردنا : ثمّة مؤامرة، ألغازها مستعصية على الفهم و خيوطها تحاك ضدنا بدقة ملليمتريه رهيبة.
في أرق إحدى ليالينا المضطربة، رأينا نفسنا بنفسنا في المنام و نحن نسرّب ورقة الشّؤم تلك داخل فتحة الصندوق في خلوة بأحد مكاتب الاقتراع. استفقنا من سباتنا و من دون أن نهمس لأحد، جلسنا أمام الكاميرا و شرعنا في تسجيل اعترافاتنا بيقين بارد إدراكا منا أننا سنعدم في الحال، و إلى الأبد نخلد إلى السكينة والسلام.
“منولوغ” صاحب الخبر
أصبح كياني يختزل كله في حواس الرّئيس الخمس! فانا عينه التي ترصد كل ما يدب، وأذنه التي تسترق السمع إلى التهامس في الطريق العام، وحاسة الشم المرهفة التي تتشمّم اقل نسمة تحمل رائحة أعمال البلبلة والشغب ، والذوق الذي يتلذذ حلاوة الكرسي الذي وهب، واللمس الذي يداعب بحنو صورته المنقوشة على الوسام الذي قلد. بذلي في خدمة قضيّته أصبح لا يتقيّد بأوقات العمل بل يمتد حتى ساعات النوم. فكم من مرة حلمت بمؤامرة يدبّرها ضدّه أعدائه لأتدخل بسرعة وصرامة واحبطها في المنام!
فالتنصت على الهواتف، وعمليات التفتيش السرّية، وحراسة عدسات الفيديو المستمرة، ساهمت الى حد بعيد في حبك شبكة مراقبة وقائية دقيقة مكنتني من مده بانتظام، ساعة بعد ساعة، بشتى المعلومات.
فيما التقاريرالتي أرفعها يوميّا تصل إلى القصر لتتنزل على قلبه الحائر كالبلسم، بردا و سلاما. أرايت ملامح محياه الحنون عندما يلقي على عبدك الحقير نظرته المستنهضة للهمم! ،طبعا، ليس مباشرة، إنما عبر صوره الرسمية التي تزدان بها جدران مكتبي.
أتوقف برهة لأحملق في تلك الصور وأنا مستغرق في تنظيم المسيرات الحاشدة لفسح المجال أمام الجماهيرلتعبرعن أسمى مشاعر الولاء والتأييد لريادته، أو مجاهد في وضع اللمسات الأخيرة لقائمات المناوئين، أو منكب في توريق و دراسة التقارير السرّية ومراجعة رسائل الوشايات، ثم أرفع مقلتيّ إلى الفوق لكي أنعم بالمشهد الذي يجسّمه: ملتحفا راية الوطن المفدّى و يده تتطلّع في شموخ إلى العلى. فيعتريني إحساس بالنخوة،و تجيش عواطفي وتغمرني موجة عارمة من الفرحة والحبور! أحيانا يخيل إلي وكأنني أقتنص ابتسامة يخصّني بها وحدي دون غيري. أحايين أخرى أتوجس كأنه يغمز إلي بعين متواطئة تفيض دفءا محتشما. ربما لأني لم أدّخر جهدا في الذود على مكاسبه التي كدسها، مستحقا، وفي الإسهام الفاعل والسعي الدءوب، كالنمل، في دعم أسس عزة ورفعة و سؤدد دولته التي منّت بها علينا الأقدار.


شارك رأيك