عاملاتٌ تونسيّاتٌ يتعرّضن للابتزاز من أصحاب المصانع والمزارع، فمن يدافع عن حقوقهنّ؟

أين الدولة في تونس من حقوق النساء الكادحات في كل مجال؟ ولماذا لا تلزم أرباب العمل بأداء حقوق العاملات كما فرضته القوانين؟ وأين مراقبة هذه المصانع والمعامل والمزارع التي تعمل فيها شرائح كبيرة من النساء المحتاجات طوال النهار مقابل قروش معدودة لا تكفيهن لأيام معدودة؟

بقلم فوزي بن يونس بن حديد

تعيش الكثير من النساء التونسيّات العاملات غير المتعلّمات تحت وقع ثقل المسؤولية، فقد تكون المرأة مطلّقة تعيل أبناءها، أو هاجرها أبناؤها، أو تعيش أسرتها حالة من الفقر الشديد أو غير ذلك، فقد تكون غير متعلمة في جميع تلك الأمثلة أو قد انقطعت عن تعليمها في فترة مبكرة لسبب أو لآخر، فتضطر للعمل طلبًا للرزق وتوفير حاجياتها أو حاجيات أبنائها درءا للتسول سواء كان اختياريا أو اضطراريا، فتكون نظرة الناس إليها نظرة عطف ورحمة، بينما إذا كانت تعمل بنفسها وتجد قُوتَها بنفسها ومن عرق جبينها تشعر بلذة واستقلالية لا مثيل لها.

ولأن ضرورات الحياة كثيرة فضلا عن كمالياتها، فإنها تحاول أن تسعى بما تأخذه من مال من عملها توزعه على شؤون حياتها اليومية وما يحتاجه أبناؤها من طعام ولباس ودواء وتعليم، هذا إذا كان لها سكن خاص أو ورثته عن أهلها، أما التي لا تجد ما تسكن فيه تزداد معاناتها يومًا بعد يوم، لأن حياتها لا شك ستكون قاسية إلى أبعد مدى، وسيعيش أبناؤها في وضع أقل ما يقال فيه إنه وضع سيء، وقد يكون كارثيًّا.

تضطر مثل هؤلاء النسوة أن يقطعن المسافات الطويلة في حرّ الشمس في الصيف، وبرد الطقس في الشتاء، يتحمّلن البرودة والحرارة، ويخرجن من بيوتهن قبل الشروق ويعدن إليها بعد الغروب، يجهّزن أطفالهن إن كان لهن أطفال في ذمتهن، أو يجهّزن فطورهن وعشاءهن مبكرا إن كن عازبات أو يعشن بمفردهن، ثم يمتطين النقل الجماعي أو في شاحنات مكشوفة من الخلف فيعرضهن إلى كثير من المشكلات مثل حوادث الطرقات، يركبن مجموعات مجموعات، في مشهد كأنهن قطيع من الماشية أو الحيوانات، ولا يبالي صاحب العمل بظروفهن وأحوالهن أو كيف يصلن إلى موقع العمل.

أكثر من 10 ساعات عمل دون زيادة في الراتب

في كل يوم صباح تجدهن يركضن من أجل الوصول باكرا أو مع ضبط الوقت حتى لا يخصم ربّ العمل من راتبهن شيئا مع وصولهن بعد دقيقة واحدة من التأخر، وكلهن أمل في أن يبقين حريصات على وجودهن بهذا المصنع أو ذاك خوفا من أن يغضب عليهن صاحب العمل فيستبدلهن بعاملات أخريات، يتكرر المشهد يوما بعد يوم، وهن زاحفات على
المصانع أو المزارع في كل صباح رغم قساوة الطقس في كثير من الأحيان شتاء وصيفا مع بعد المسافة ومرض بعضهن وعدم قدرتهن على مواصلة السير إلا بعد إراحة الجسم بين الفينة والأخرى على فترات.

لكن الغريب ورغم قساوة المشهد، ونضالهن من أجل البقاء، وتوفير الحد الأدنى من ضرورات الحياة، لا يأبه صاحب العمل لأحوالهن، فيجبرهن على مواصلة العمل ساعات وساعات تصل إلى أكثر من 10 ساعات دون زيادة في الراتب، أو العمل يوم الأحد رغم أنه عطلة رسمية، ولا يؤمّن حالتهن الصحية، ولا يوفر لهن الغذاء الصحي، ولا النقل المجاني، ولا أدنى مقومات الحياة العامة، ثم يتلاعب بمشاعرهن حينما يهدّدهن بالطرد والإبعاد رغم حاجة بعضهن الشديدة للعمل، فتبقى هؤلاء السيدات في وضع مُزرٍ وتحت إمرة رجل أو امرأة لا تمنح العاملات حقوقهن الكاملة.

هن الطبقة العمالية الكادحة في المجتمع

ومع مرور الأيام تبقى العاملات في المصانع والمعامل والمزارع هن الطبقة العمالية الكادحة في المجتمع، أو طبقة البروليتاريا في وجه البرجوازي صاحب المصنع أو المعمل، قالت لي إحداهن إن الشخص الذي نعمل عنده لا نراه إلا قليلا، وإذا جاءنا كان عبوسا قمطريرا، لا يبتسم في وجوهنا، رغم أن الكثير منا في مقام أمّه، أو أخواته الكبريات، لكنه يفضّل أن يبقى كالح الوجه، يتحدث بصراخ، ولا يعرف الرفق ولا اللين ولا العطف على العاملات، لذلك كان أكثرهن يخفن من قراراته، ويلتزمن بالصمت والاستعداد التام كأنهن في ثكنة عسكرية.

ورغم أن إسلامنا دعانا إلى المعاملة الحسنة، إلا أن مثل هؤلاء لا يعرفون قيمة الإنسان قبل أن يعرفوا قيمة الإسلام، وهم يؤدون مناسكه بانتظام، ويعاملون العاملات بحِدّة وقسوة، فأين الدولة من كل هذا؟ وأين حقوق النساء الكادحات في كل مجال؟ ولماذا يتسلط رب العمل على العاملات دون مبرر، ولماذا لا تلزمه الدولة بأداء حقوق المرأة كما فرضته القوانين؟ وأين مراقبة هذه المصانع والمعامل والمزارع التي تعمل فيها شرائح كبيرة من النساء المحتاجات الكادحات طوال النهار مقابل قروش معدودة لا تكفيهن لأيام معدودة؟ ولماذا لا تفرض على هذه المصانع جملة من القرارات حماية لهؤلاء العاملات مثل تحديد ساعات العمل، وتوفير غذاء صحي، وتأمين صحي، ونقل مجاني؟ فهن أمهاتنا جميعا من حقهن البِرَّ بهنّ ولا يصح أن يتعرض للابتزاز.

شارك رأيك

Your email address will not be published.