في أجواء الصيف، حيث يتسرب الوقت بين ثنايا الكتب، تختار دار ميسكيلياني خمس روايات تضيء لنا مسارات الحكي، وتكشف لنا وجوهاً من تونس تظلّ غالباً في الظل. هي قصص تحمل في طياتها ألم الذاكرة، ولذة الحلم، ونبض الحياة المتواصل، لتُعيدنا إلى ذاتنا وتاريخنا، من خلال خمسة أصوات فريدة تروي تونس بتنوعها وعمقها.
جمال قتالة
قارئة نهج الدبّاغين – سفيان رجب
رواية تقف على حافة بين الكلمة والسكوت، بين الجسد والهوية، حيث ينفذ الكاتب عبر سرد حساس ومتمرد في فضاءات الرقابة الخانقة. هي ليست مجرد قصة عن العبور الجنسي، بل هي صرخة الكاتب في وجه الخوف، تساؤل عن مقدار ما تُدفن أفكارنا تحت أعتاب الصمت، ومدى قدرة الكلمات على مقاومة الهيمنة الاجتماعية. نص يُلقي بظلاله على مسألة الكتابة ذاتها، حيث يتحول الصمت إلى عنف داخلي، والكلمة إلى معركة شجاعة مع الذات والمجتمع.
تتميز الرواية بأسلوبها المكثف الذي يدمج بين الوصف الدقيق والتأمل الفلسفي. تُرسم في النص لوحات متشابكة من الواقع والخيال، تستحث القارئ على التفكير في حدود الحريات الفردية. مع كل صفحة، تتحدّى الرواية القارئ ليعيد النظر في مفهومه للذات والآخر.
. الكونبطا – عبد الجليل الدايخي
من خلال صوت حكواتي قديم، يعيد عبد الجليل الدايخي إحياء شخصية كونبا، المقاوم المنسي في الروايات الرسمية. رواية تاريخية وشعبية في آن، تنسج ملحمة حية من الحرب العالمية الثانية إلى الاستقلال ثم خيبة الأمل. كونبا ليس جزءاً من أي حزب، بل رمز للشرف والحرية والنضال النقي. ملحمة مرتكزة على فن السرد الشفهي.
تحمل الرواية عبق الحكايات الشعبية التي توثق تفاصيل حياة البسطاء، مما يعكس تاريخاً موازياً لما هو مكتوب. تُمثل شخصية كونبا صرخة تمرد على الظلم والقهر، وهو تجسيد لقيم العدالة والشجاعة في وجه الاستعمار. السرد يتنقل بين الواقعية السحرية والتوثيق التاريخي، ليشكّل سرداً نابضاً بالحياة.
أشباح السقيفة – ماهر عبد الرحمن
تبدأ هذه الرواية بموت الأب، لترسم صورة صريحة للمجتمع التونسي عبر أجيال متعددة. بين حسابات العائلة وتأملات السلطة، يتساءل ماهر عبد الرحمن عن قسوة السلطة وفساد النفوس. الكتابة هنا ليست مجرد سرد، بل هي فعل مقاومة، وفعل إحياء لما دُفن تحت الركام، محاولة جريئة لإعادة الروح إلى ما تم سحقه من أرواح.
تتوزع الأصوات بين أفراد الأسرة، مما يمنح النص بعداً تشكيلياً يغوص في أعماق النفوس. تتداخل الأحداث الشخصية مع التحولات السياسية، في سيمفونية سردية تحاكي التاريخ والذاكرة الجماعية. الرواية تأخذ القارئ في رحلة بين الحقيقة والخيال، بين الألم والأمل، في نسيج سردي متين.
عقدة ستالين – عبد الوهاب عيساوي
رواية تنحو صوب الغموض والعمق النفسي، تأخذنا في رحلة بحث ذاتية عبر وجدان رجل يُسمى عمر، ضائع بين الخوف والذاكرة والواقع. ليست القصة مجرد سرد بل هي تشظٍ فكري وفني، حيث يُوظف رمز “ستالين” ليصبح مرآة لعقدة الإنسان في مواجهته للسلطة الداخلية والخارجية. لغة عيساوي تتسم بالكثافة والإيحاء، تفتح الباب أمام القارئ ليغوص في المتخفي خلف الكلمات، في رحلة ذاتية تقترب من التجريد دون أن تفقد نبضها الإنساني.
الرواية تعكس صراعات الإنسان المعاصر بين الرغبة في التحرر والقيود المفروضة عليه. تقدم النصوص تجربة سردية تتحدى التقاليد، وتكسر الحدود بين الحقيقة والخيال. هي رحلة في النفس والذاكرة، حيث تتصارع الهواجس وتتكشف الأسرار.
الجندي المجهول – محمد عيسى المؤدب
تتشابك في هذه الرواية مسارات متعددة حول شخصية أسطورية: الجندي المجهول، ملجأ للمظلومين وسيف العدالة المتخيلة. كل شخصية تحمل جرحاً لا يداويه سوى الفن. يوقع محمد عيسى المؤدب رواية فسيفسائية، ببناء سلس ومحكم، حيث تتلاقى الآلام الفردية مع الجراح الجماعية. تحية قوية لقوة السرد.
ينسج النص شبكات من العلاقات بين الشخصيات، حيث تتداخل المصائر وتتشابك الأحلام مع الواقع المرير. يُجسد الجندي المجهول فكرة البطولة الجمعيّة التي تنبع من قاع المجتمع. الرواية تدعو القارئ إلى التأمل في مفهوم العدالة والبطولة، مستعرضة أبعاد القهر والصمود.
خمسة نصوص تنبض بالحياة، كل منها يحمل هويته الفنية وعمقه الإنساني، ومجموعها يعكس فسيفساء تونس الحقيقية، المليئة بالضباب والنور، بالألم والأمل.
في هذه الاختيارات، ترسم دار ميسكيلياني خريطة صيفية للقراءة، تفتح نافذة على الحكاية التونسية بمعانيها المتعددة، لتكون مدخلاً لاكتشاف الذات والمجتمع في آن معاً.



شارك رأيك