هل تُمارَس السيادة في الخطاب الديبلوماسي فقط، ثم تُعلَّق بالكامل عندما نصل إلى الخيارات الاقتصادية والتجارية التي ترسم مستقبل تونس فعليًا ؟ هذا التناقض يعكس انفصامًا واضحًا بين خطاب سيادي مرتفع السقف، وممارسة اقتصادية خاضعة، تُمرَّر فيها قرارات مصيرية في صمت، وتحت ضغط الزمن، حتى لا تُفتح أمامها أبواب النقاش والتفكيك. (الصورة : قيس سعيد مع جوزيبي بيروني، سفير الاتحاد الأوروبي لدى تونس).
الفاهم بوكدوس *

كما كان منتظرا صادق مجلس نواب الشعب، في اللحظات الأخيرة للسنة التشريعية، على ثلاثة مشاريع قوانين أساسية تتعلّق بتعديل إتفاقيات التبادل الحر وقواعد المنشأ مع الإتحاد الأوروبي ودول المجموعة الأوروبية للتبادل الحر، بعد أن أُحيلت عليه مع طلب صريح لاستعجال النظر فيها.
استعجال أثار، منذ البداية، تساؤلات عميقة حول دوافعه الحقيقية، وحول ما إذا كان يخدم مصلحة تونس أم يفتح الباب أمام رهن خياراتها الاقتصادية والسيادية على المدى الطويل.
فالسؤال الذي يفرض نفسه، وبإلحاح، هو: هل نحن أمام استعجال للإصلاح، أم استعجال لإغلاق باب النقاش؟
هل هو تسريع يهدف إلى حماية المصلحة الوطنية، أم إلى تمرير التزامات ثقيلة دون تقييم سيادي حقيقي، ودون مساءلة سياسية أو مجتمعية؟
لقد اعتاد الرأي العام، حين يسمع عبارة “استعجال النظر”، أن يربطها بالملفات الكبرى التي تمسّ ركائز الدولة وسيادتها الفعلية: إرساء المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء وضمان التوازن بين السلط، وبناء المؤسسات التي تحمي الدستور لا تلك التي تكتفي بترديد شعاراته. بل خُيّل للبعض، في لحظة أمل، أن يكون الاستعجال موجّهًا نحو قرارات تاريخية تقطع مع التبعية، كإعادة فتح ملفات الاستعمار أو مساءلة إرثه الاقتصادي، على غرار ما أقدم عليه البرلمان الجزائري أخيرا. غير أنّ كل ذلك تبيّن أنه مجرّد أوهام، أمام استعجال وُجّه حصريًا نحو اتفاقيات اقتصادية تمسّ جوهر السيادة.
السيادة أمام الكاميرات
الأخطر من مضمون هذه المشاريع هو السياق السياسي الذي جاءت فيه. فمنذ أسابيع قليلة فقط، تابع التونسيون مشاهد استدعاء ممثل المفوضية الأوروبية وسفيرة دولة أوروبية، والاحتجاج عليهما باسم السيادة الوطنية ورفض التدخل الخارجي، في عرض سياسي-ديبلوماسي قُدّم للرأي العام بوصفه موقفًا صلبًا وحازمًا وغير قابل للمساومة. ثم، بعد فترة وجيزة، تُحال على البرلمان ثلاثة مشاريع قوانين تمسّ صميم السيادة الاقتصادية، ويُطلب استعجال المصادقة عليها، وكأنّ ذلك الخطاب لم يكن.
وهنا يتكشّف التناقض الفاضح : هل السيادة مجرّد عرض سياسي يُرفع أمام الكاميرات؟
هل تُمارَس السيادة في الخطاب الديبلوماسي فقط، ثم تُعلَّق بالكامل عندما نصل إلى الخيارات الاقتصادية والتجارية التي ترسم مستقبل البلاد فعليًا؟
هذا التناقض لا يمكن اعتباره بريئًا أو عرضيًا. بل يعكس انفصامًا واضحًا بين خطاب سيادي مرتفع السقف، وممارسة اقتصادية خاضعة، تُمرَّر فيها قرارات مصيرية في صمت، وتحت ضغط الزمن، حتى لا تُفتح أمامها أبواب النقاش والتفكيك.
من الناحية الإجرائية، تمّ التعامل مع هذه المشاريع وكأنها تنقيحات تقنية لا تستوجب أكثر من عرض مقتضب وتصويت سريع. لم يُفتح نقاش وطني شامل، ولم تُشرك المنظمات المهنية والنقابية، ولا مراكز البحث الجامعية، ولا الخبراء المستقلون، رغم أن الأمر يتعلّق باتفاقيات تعيد تشكيل موقع تونس داخل سلاسل الإنتاج الأورومتوسطية. وهو ما يتناقض مع ممارسات برلمانية سابقة خُصّصت فيها جلسات داخل الأكاديمية البرلمانية ونقاشات مطوّلة لمشاريع أقلّ تأثيرًا.
تعميق التبعية الاقتصادية
كما جرى تجاهل دعوات صريحة للتريّث، أطلقتها منظمات مدنية واقتصادية وحقوقية، طالبت بتعليق النظر في هذه القوانين إلى حين إجراء تقييم مستقل لآثارها الاقتصادية والاجتماعية والتنموية. دعوات لم تجد آذانًا صاغية، لأن الاستعجال، في حدّ ذاته، كان جزءًا من الآلية المعتمدة للتمرير.
أما من حيث المضمون، فإن توصيف هذه التعديلات على أنها “تقنية” يخفي طبيعتها الحقيقية. فقواعد المنشأ ليست تفصيلاً إجرائيًا، بل أداة استراتيجية تحدّد من يربح ومن يخسر في التجارة الدولية، وترسم أدوار الدول داخل المنظومة الاقتصادية العالمية. والتعديلات الجديدة تكرّس بوضوح نموذج المناولة والتجميع، وتحوّل تونس إلى حلقة ضعيفة في سلاسل إنتاج تقودها الشركات الأوروبية، على حساب بناء صناعة وطنية متكاملة قادرة على الابتكار وخلق قيمة مضافة عالية.
تحت شعار “تحويل تونس إلى منصة تصنيع إقليمية”، يُعاد إنتاج نموذج أثبت فشله في بلدان جنوبية عديدة: نسيج صناعي هشّ، وارتهان شبه كلي للطلب الخارجي، وعجز تجاري مزمن، واستنزاف للعملة الصعبة. وهو نموذج لا يبني سيادة اقتصادية، بل يعمّق التبعية، مهما غُلّف بخطاب الشراكة والتعاون.
في هذا السياق، يصبح تمرير هذه القوانين في مناخ الاستعجال والتعتيم ليس مجرّد خطإ إجرائي، بل خيارًا سياسيًا-اقتصاديًا واعيًا، يهدف إلى فرض أمر واقع جديد، دون تحمّل كلفة النقاش أو المواجهة مع الرأي العام. خطاب سيادي يُستعمل للاستهلاك السياسي، وممارسة اقتصادية تُدار بمنطق الخضوع لموازين قوى غير متكافئة.
إنّ ما حدث يطرح، في النهاية، سؤالًا جوهريًا لا يمكن الهروب منه: هل السيادة شعار يُرفع عند الحاجة، أم خيار يُترجم في السياسات الاقتصادية الفعلية؟
وإذا كانت السيادة تُعلَّق كلما تعلّق الأمر بالقرارات التي تمسّ مستقبل البلاد، فبأي معنى يمكن الحديث عنها أصلًا.
* صحفي.



شارك رأيك