لم تتعامل الولايات المتحدة مع الشرق الأوسط والخليج كمنطقة شعوب وحضارات، بل كـ “خزّان طاقة استراتيجي” و”رقعة شطرنج” تُدار عليها المنافسة الكبرى ضد الاتحاد السوفياتي أمس، وضد الصين وروسيا اليوم. ويستمر هذا الأمر حتى اليوم مع الحرب الإسرائيلية الأمريكية الحالية ضد إيران. (الصورة : هل ستجلب عمليات القصف الإسرائيلية الأمريكية للمدن الإيرانية السلام إلى الشرق الأوسط؟)
العقيد محسن بن عيسى

في سنة 1932، تبادل عقلان عظيمان رسالتين لا تزالان تدقان جدران التاريخ: سأل ألبرت أينشتاين سيغموند فرويد ببساطة : لماذا الحرب؟ فأجابه بما لم يُرد أحد سماعه : الحرب ليست شذوذًا في التاريخ، بل هي المنطق الداخلي للإنسان حين يُفلت من قيوده.
لم يكن ذلك الحوار نبوءةً للماضي، بل مرآة للحاضر. فما يشهده الشرق الوسط والخليج اليوم ليس استثناءً في سجلات البشرية، بل هو تجسيدٌ حيٌّ لتلك النبوءة السوداء : الحرب تستمر طالما وجدت غريزةُ العدوان تبريرًا أخلاقيًا، أو مظلومية تاريخية، أو إيديولوجيا دينية تُضفي عليها قداسةً زائفة.
السؤال الذي يفرضه الواقع اليوم لم يعد متى تتوقف النيران؟ بل صار أكثر إيلامًا : كيف يمكن بناء إنسان لا يرى في فناء الآخر شرطَا لبقائه.
حين يصبح القانون شاهدًا لا حكمًا
ثمّة مفارقة مؤلمة يكشفها مشهد الشرق الوسط والخليج الراهن : أن المؤسسات الدولية التي أُسِّست لتحويل القوة إلى قانون باتت هي ذاتها أداةً تشرعن القوة وتحصّنها. عندما يعجز القانون عن حماية الضعيف من القوي، لا يختفي العنف، بل يعود الى منابعه الغريزية الأولى، إلى ذلك “العنف البدائي” الذي تحدث عنه فرويد حين حذّر من أنّ الا نسان لا يتخلى عن غرائزه، بل يُزيّنها.
لم تنشأ الحروب التي تعصف بالمنطقة العربية والإسلامية من العدم، ولم تكن مجرد موجة عابرة. هي تقاطعٌ محكم بين جذور نفسية عميقة أشار إليها فرويد، ومصالح جيوسياسية باردة حذّر منها أينشتاين. لفهمهما حقّا لا بد من النظر في وقت واحد إلى “المحرّك الداخلي” الذي يجعل من المنطقة أرضَا قابلة للاشتعال، وإلى ” اليد الخارجية” التي تضرم النار وتصبّ عليها الزيت.
الداخل العربي يحمل جراحًا لم تندمل: إرث اتفاقية سايكس بيكو الذي رسم حدودًا بالمسطرة لا بمنطق التاريخ أو الجغرافيا البشرية، وأزمة الشرعية السياسية التي حوّلت الحاكم والمحكوم إلى طرفين في حالة حرب باردة دائمة، فضلاً عن الصراعات الإيديولوجية التي جعلت المشاريع القومية والإسلامية والطائفية تتنافس بدل ان تبني الأوطان.
واشنطن: حارس النفط أم صانع الفوضى؟
لم تتعامل الولايات المتحدة مع الشرق الوسط والخليج كمنطقة شعوب وحضارات، بل كـ “خزّان طاقة استراتيجي” و و”رقعة شطرنج” تُدار عليها المنافسة الكبرى ضد الاتحاد السوفياتي أمس، وضد الصين وروسيا اليوم.
منذ أيزنهاور وعقيدة “ملء الفراغ”، لم تتغير المعادلة السياسية : أي استقلالية إقليمية حقيقية هي تهديد يجب احتواؤه. والنموذج الأكثر فداحةً يبقى العراق سنة 2003: دولة تحوّلت بقرار خارجي من جسد عربي إلى خراب ممنهج. لم يكن الهدف المُعلن هو ما حدث، لكن النتيجة كانت واضحة لكل عينٍ تُبصر. دولة مفككة، وميليشيات تملأ الفراغ، وحربٌ أهلية تصدّر إلى الجوار. وفي هذا الفضاء من الفوضى المُدارة، تنتهج واشنطن أحيانًا ما يمكن تسميته “التوازن القلق”: دعم أطراف متضادة لضمان ألّا تصعد قوة إقليمية واحدة تستطيع الهيمنة على النفط والغاز أو تهديد مصالحا الاستراتيجية.
وليس سرًا ان استمرار التوتر هو في جوهره مصلحة اقتصادية راسخة لمجمع الصناعات العسكرية الأمريكي. فالدول العربية والإسلامية تتصدر قائمة أكبر مستوردي السلاح الأمريكي وذلك ليست مصادفة، بل هي جزء من البنية الأساسية للسياسة الخارجية.
إسرائيل المركز القلق
لا يمكن قراءة مشهد الشرق الاوسط والخليج دون الوقوف طويلاً عند إسرائيل، هذا الكيان الذي يراه الوجدان العربي جسمًا زُرع في قلب المنطقة وأضحى محورًا لصراعاتها المتشعبة. لاتزال عقيدة بيغن” هي الفقرة الأولى من دستور الأمن الإسرائيلي : منع أي دولة مجاورة من امتلاك قوة عسكرية أو نووية تُهدد التفوق الإسرائيلي النوعي ولو استدعى ذلك ضربات عسكرية استباقية، من الفاعل العراقي إلى السودان إلى لبنان وصولاً إلى طهران.
وثمة استراتيجية أخرى غير مُعلنة لكنها مقروءة تاريخيا. لقد نُسبت إلى بعض الدوائر الإسرائيلية – لعل أبرز تجلياتها وثيقة يينون 1982- والتي تقضي بتحويل الدول العربية الكبرى إلى دويلات طائفية وعرقية متناحرة. والمتأمل في خارطة التشرذم الراهنة في ليبيا واليمن والعراق وسوريا لا يملك إلاّ أن يتأمل مدى ما تحقّق من هذا التصور سواء بفعل التخطيط أو بفعل الظروف التي أتاح لها هذا التخطيط أن تنمو.
الشراكة العضوية : واشنطن – تل أبيب
لم يكن التقاطع بين واشنطن وتل أبيب مجرد تحالف براغماتي تحكمه المصالح المشتركة، بل شراكةٌ عضوية رسّخت منطقًا مزدوجاً أشلّ الإرادة الدولية : “الفيتو السياسي” الذي يحمي إسرائيل في كل المحافل ويحول دون محاسبتها، وبُعمّق في الوجدان العربي والإسلامي ذلك الشعور المتراكم بالظلم الذي يحوّله فرويد إلى وقود للتطرف حين تغيب العدالة وتُسدّ المنافذ. ومشاريع الشرق الوسط الجديد” التي روّجت لها الإدارات الأمريكية المتعاقبة والتي كانت تسعى في جوهرها إلى دمج إسرائيل في المنطقة وتطبيع وجودها بما يغيّر قواع اللعبة. غير انها أفرزت في المقابل استقطابًا حادًا بين دول ما يُسمى “الاعتدال” ودول “المقاومة”، وتحولت المنطقة إلى ساحة تتصادم فيها مشاريع الهيمنة لا مشاريع التنمية.
إذا كان أينشتاين يرى أن الحرب ثمرةُ غياب “سلطة قانونية عادلة تعلو الجميع”، فإن واشنطن نصّبت نفسها قانونًا بلا رقيب، وجعلت إسرائيل استثناءً بلا سابقة. وإذا كان فرويد يرى أن الحرب غريزة تدمير تبحث عن مخرج فإن هاتين السياستين نجحتا في توجيه هذه الغريزة نحو الداخل العربي ذاته، حتى صارت الحروب بالوكالة أرخص أدوات الهيمنة واكثرها فاعلية.
مشهد ودروس الحرب الراهنة
تبدأ حرب الشرق الأوسط والخليج من حيث انتهى حوار أينشتاين وفرويد: ليس فشلاً دبلوماسيًا عارضًا، بل انفجارًا لغريزة تدمير غُذّيت لعقود بالحصار والإذلال والإقصاء. ما يجري في المنطقة هو صدامٌ بين إرادات دولية راهنت جميعها على أن العنف هو اللغة الوحيدة التي يُفهم بها الآخر. وفي هذا، تتجلّى خيبة “عُصبة الأمم” في خليفتها ” الأمم المتحدة” التي باتت منبرًا للخطب لا منصّةً للعدالة.
الأزمة المتصاعدة بين إيران ودول الخليج ليست مجرد مناوشات في حدود التوتر الإقليمي المألوف. أنها تحوّلٌ جذري في بنية الأمن الإقليمي بأكمله. كانت دول الخليج، خاصة في أعقاب اتفاق بيكين 2023، تسلك مسارًا واعدًا نحو “الحياد الإيجابي” والتعامل مع المحيط على أساس المصالح المشتركة لا حسابات العداوة الدائمة. لكن الحرب الجارية أثبتت أن هذا المسار يتهشّم تحت ضربات منطق القوة العارية.
تعيش دول الخليج معضلة حقيقية : كيف تحمي نفسها في ساحة لم تختر الدخول إليها ؟ فهي ليست طرفًا في اتخاذ قرار الحرب، لكنها أصبحت هدفًا في ميدانها. والأخطر أن انهيار إيران لن يُنتج بالضرورة جارًا أكثر أمنًا، بل قد يُنتج “دولة فاشلة” وميليشيات خارج أيّ سيطرة، وهو كابوس أشد وطأة من عدو منظّم ومنضبط. هكذا تتحول إيران من حسابات الردع العقلاني إلى “الانتقام الوجودي” وتتحول المنطقة بأسرها إلى رهينة لسباق تصعيد لا يُعرف أين ينتهي. أطلقت أمريكا وإسرائيل عمليتهما العسكرية بهدف “تغيير قواعد اللعبة” في الملف النووي، لكنهما لم تحسبا بالقدر الكافي الفراغ الأمني الهائل الذي تخلّفه إزاحة نظام مهما يكن.
تكشف هذه الحرب عن دروس يعرفها التاريخ جيدًا لكن السياسيين يتناسونها دئمًا : الأمن لا يُشترى بالاتفاقيات وحدها، بل يُبنى على قوة ردع حقيقية تجعل ثمن العدوان أعلى من مكاسبه. ومأساة الجوار الجغرافي التي تُجبر الدول على الاصطفاف ليس حبًّا في الحرب، بل دفاعًا عن وجودها أمام هاويةٍ لا تسألها رأيها. ودرسٌ ثالثٌ سطّره التاريخ بدماء كثيرة : الحروب في هذه المنطقة لا تنتهي بانتصار عسكري حاسم، بل بإنهاك جماعي يجعل الجميع يراجعون حساباتهم.
لم تجب هذه الحرب عن السؤال الذي طرحه أينشتاين، لكنها أضافت إليه سؤالا أكثر إلحاحًا : هل نحن على استعداد لدفع ثمن سلام حقيقي، ثمنًا يشمل انصاف المظلوم ومحاسبة القوي وبناء إنسان جديد يختار التعايش بالبناء لا بالدمار؟



شارك رأيك