لم يعد توصيف المشهد السمعي البصري في تونس يقتصر على النقد المهني الرصين، بل بات مشحونًا لدى فئة واسعة من جمهور التلقي بنعوت قاسية من قبيل “إعلام العار” و“إعلام التفاهة” وغيرها من الأحكام التعميمية التي تختزل واقعًا معقدًا في صورة قاتمة واحدة. غير أن هذا التوصيف، رغم ما يحمله أحيانا من وجاهة، يظل مجحفًا في حق تجارب إعلامية جادة تسعى، في ظروف صعبة، إلى تقديم محتوى مهني محترم. (الصورة: صحفيون يتظاهرون أمام مقر الحكومة في القصبة).
محمد وليد الجموسي *

لقد ساهمت التحولات السياسية والاقتصادية، إلى جانب الضغوط التجارية وتغير سلوك الجمهور، في إعادة تشكيل أولويات المؤسسات الإعلامية، فأصبح التوازن بين الجودة ومتطلبات السوق أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
فهل نحن فعلًا أمام انهيار شامل، أم إن الإعلام التونسي يعيش صراعًا مريرًا بين الجودة والتفاهة بحثًا عن الاستمرار؟
هيمنة نسب المشاهدة والاستماع : منطق السوق يحكم
في صدارة العوامل المؤثرة في تراجع جودة بعض المضامين الإعلامية، تبرز سطوة نسب المشاهدة والاستماع كمعيار شبه وحيد للنجاح. فقد أصبحت القنوات والإذاعات، في ظل منافسة شرسة وسوق إشهارية محدودة، رهينة ما يجذب الجمهور بسرعة، حتى وإن كان ذلك على حساب القيمة المعرفية أو الرسالة الإعلامية.
هذا المنطق التجاري يدفع نحو إنتاج محتوى سهل الاستهلاك، يعتمد الإثارة والسطحية، ويُغذّي ما يُعرف بثقافة “الترند”، حيث تتحول القضايا الهامشية إلى مادة إعلامية يومية، بينما تُهمّش المواضيع الجادة التي تتطلب بحثًا وتحليلًا معمقًا. وهكذا، لا يصبح السؤال: “ما الذي يجب أن يُقال؟”، بل “ما الذي سيجلب أكبر عدد من المشاهدين؟”.
التفاهة ظاهرة كونية لا استثناء تونسي
رغم خصوصية السياق التونسي، فإن انتشار التفاهة في الإعلام ليس ظاهرة محلية بحتة، بل هو امتداد لتحول عالمي في صناعة الإعلام. فقد أدى الانتقال الرقمي وتنامي وسائل التواصل الاجتماعي إلى إعادة تشكيل علاقة الجمهور بالمحتوى، حيث باتت السرعة والاختصار والإثارة عناصر أساسية في جذب الانتباه.
في هذا السياق، لم تعد المؤسسات الإعلامية التقليدية قادرة على تجاهل هذه التحولات، بل وجدت نفسها مضطرة لمجاراة الذوق العام الجديد، حتى وإن كان ذلك على حساب الجودة. وعليه، فإن ما يُوصف بـ“التفاهة” في الإعلام التونسي هو، في جانب منه، انعكاس لموجة عالمية أوسع، تفرض تحديات حقيقية على كل من يسعى للحفاظ على إعلام جاد ومسؤول.
غياب أو تغييب الهيئة التعديلية : فراغ رقابي مقلق
من بين الإشكاليات الكبرى التي تعمّق أزمة الإعلام في تونس، يبرز ضعف أو غياب الدور الفعّال للهياكل التعديلية وعلى رأسها “الهايكا” التي يُفترض أن تضبط المشهد وتضمن احترام المعايير المهنية.
والحقيقة تقال، ان هذه الهيئة حتى عندما كانت في اوج نشاطها، لم تكن سدا منيعا امام الرداءة، بل كان دورها محدودا جدا يتراوح بين لفت النظر والخطايا دون أن تنجح في إحداث تغيير جوهري في طبيعة المضامين أو في فرض التزام فعلي بأخلاقيات المهنة. فقد ظلّ تأثيرها، في أفضل الحالات، ظرفيًا ومحدود الأثر، سرعان ما يتلاشى أمام منطق السوق وضغط نسب المشاهدة، وهو ما جعل عديد المؤسسات الإعلامية تتعامل مع قراراتها كإجراءات شكلية أكثر منها قرارات ملزمة.
ومع تراجع حضورها اليوم بشكل شبه كلي، تفاقمت حالة الانفلات داخل المشهد السمعي البصري، حيث باتت بعض المنابر تعمل دون سقف واضح من الضوابط، مستفيدة من غياب رقابة فعلية تضمن الحد الأدنى من الجودة والمهنية. وقد فتح هذا الفراغ المجال أمام انتشار خطابات الإثارة والتشويه، واستسهال التعويل على وجوه تفتقر إلى الكفاءة أو المصداقية، ما ساهم في مزيد تأزيم صورة الإعلام لدى الرأي العام.
ضعف الإنتاج : أزمة موارد وإبداع
لا يمكن الحديث عن جودة المحتوى الإعلامي دون التطرق إلى مسألة الإنتاج، التي تعاني من إشكاليات هيكلية عميقة.
فالإنتاج التلفزي والإذاعي في تونس يعاني من محدودية الموارد المالية، وهو ما ينعكس مباشرة على مستوى البرامج، سواء من حيث الإعداد أو التنفيذ.
كما أن ضعف الاستثمار في الإنتاج الجاد، خاصة في مجالات التحقيقات والبرامج الثقافية، يؤدي إلى هيمنة البرامج الحوارية السطحية أو الترفيهية السريعة. وفي غياب رؤية استراتيجية لتطوير المحتوى، يبقى الإعلام أسير الحلول السهلة التي تضمن الحد الأدنى من البقاء دون تحقيق التميز.
ولا تتوقف هذه الإشكاليات عند حدود التمويل فحسب، بل تمتد لتشمل غياب بنية إنتاجية متكاملة قادرة على خلق محتوى متجدد ومتنوع. فعديد المؤسسات الإعلامية تعمل بإمكانيات تقنية محدودة، وفرق عمل صغيرة، ما يفرض إيقاعًا سريعًا في الإنتاج على حساب الجودة والابتكار.
كما يساهم غياب شراكات إنتاجية، سواء على المستوى ال أو الدولي، في الحد من فرص تطوير المحتوى ورفع جودته. ففي ظل انغلاق نسبي على التجارب الخارجية، تبقى العديد من المؤسسات الإعلامية بعيدة عن مواكبة التطورات الحاصلة في صناعة الإعلام، سواء من حيث التقنيات أو أساليب السرد.
ويُضاف إلى ذلك إشكال توجيه الموارد القليلة المتاحة، حيث يتم في أحيان كثيرة تفضيل الإنفاق على برامج سريعة الإنتاج وقليلة الكلفة لكنها ذات عائد جماهيري فوري، بدل الاستثمار في مشاريع طويلة المدى قادرة على تحقيق قيمة مضافة حقيقية. وهكذا، يدخل الإعلام في حلقة مفرغة: ضعف التمويل يؤدي إلى ضعف الإنتاج، وضعف الإنتاج يحدّ من جذب الجمهور والمعلنين، مما يعمّق الأزمة أكثر.
في ظل هذا الواقع، يصبح تطوير الإنتاج الإعلامي في تونس رهين إرادة إصلاح شاملة، تقوم على إعادة توزيع الموارد، وتشجيع الإبداع، والانفتاح على شراكات جديدة، بما يسمح بالانتقال من منطق “البقاء” إلى منطق “التميّز”.
خلل التكوين وكثرة الدخلاء : المهنة بلا حواجز
من أبرز التحديات التي تواجه الإعلام التونسي، مسألة التكوين. فبينما يفترض أن يكون الصحفي نتاج تكوين أكاديمي وميداني صارم، يشهد القطاع دخول عدد كبير من الأشخاص الذين لا يمتلكون الخلفية اللازمة لممارسة المهنة.
لا نتحدث هنا عن الخبراء واصحاب العلم والمعرفة، كما كما لا نتحدث عن اصحاب الموهبة، بل عن المؤثرين والمؤثرات الذين لا يمتلكون زادا غير حضورهم على منصات التواصل الاجتماعي، وقدرتهم على جذب الانتباه عبر الإثارة أو الجدل أو حتى السطحية، دون امتلاك أدوات العمل الصحفي الأساسية من تحقق وتدقيق ومعالجة مهنية للمعلومة. فهؤلاء لا يستندون إلى تكوين أكاديمي ولا إلى تجربة ميدانية، بل إلى منطق “الانتشار” الذي لا يعترف بالمعايير بقدر ما يكافئ الجاذبية والسرعة.
هذا الواقع يُضعف المستوى العام للمحتوى، ويُسهم في انتشار الأخطاء المهنية، سواء في التحقق من المعلومات أو في طريقة تقديمها. كما يُفاقم من حالة الفوضى داخل المؤسسات الإعلامية، حيث تختلط المعايير، ويغيب التمييز بين المحترف والدخيل.
خريجو معهد الصحافة بين التهميش والبطالة
في مفارقة لافتة، يعاني خريجو معهد الصحافة، وهم الأكثر تأهيلًا نظريًا ومهنيًا، من صعوبات كبيرة في الاندماج في سوق الشغل. فبدل أن يكونوا العمود الفقري للمؤسسات الإعلامية، يجد كثير منهم أنفسهم خارجها، في ظل تفضيل بعض المؤسسات لوجوه إعلامية جاهزة أو أقل كلفة.
هذا الوضع لا يُهدر فقط طاقات بشرية مهمة، بل يُكرّس أيضًا حلقة مفرغة من التراجع، حيث يُقصى التكوين الجيد لصالح الاعتبارات التجارية أو العلاقات الشخصية. وهو ما يستدعي مراجعة جذرية لآليات الانتداب والتشغيل في القطاع.
بين النقد والتعميم : ضرورة التمييز
رغم وجاهة الانتقادات الموجهة إلى الإعلام التونسي، فإن التعميم يظل خطرًا حقيقيًا، لأنه يُخفي التجارب الإيجابية التي تستحق الدعم والتشجيع. فهناك برامج وإذاعات وقنوات تسعى، بإمكانات محدودة، إلى تقديم محتوى محترم يراعي أخلاقيات المهنة ويخدم المصلحة العامة.
إن إنقاذ الإعلام لا يمر عبر جلد الذات أو إطلاق الأحكام المطلقة، بل عبر تشخيص دقيق للمشاكل، وإرادة إصلاح حقيقية تشمل كل الأطراف: الدولة، المؤسسات، الصحفيين، والجمهور.
خلاصة : إعلام يصارع من أجل البقاء
في النهاية، لا يمكن القول إن الإعلام التونسي سقط كليًا في الرداءة، ولا يمكن أيضًا إنكار وجود مظاهر تفاهة مقلقة. الحقيقة أنه يعيش حالة صراع بين منطقين: منطق الجودة الذي يتطلب استثمارًا وجهدًا ووقتًا، ومنطق البقاء الذي يفرض السرعة والإثارة.
هذا الصراع، وإن كان مؤلمًا، قد يكون أيضًا فرصة لإعادة التفكير في دور الإعلام ووظيفته، شرط أن تتوفر الإرادة للإصلاح، وأن يُعاد الاعتبار للمهنية والتكوين، بعيدًا عن منطق الربح السريع. ففي النهاية، الإعلام ليس مجرد صناعة، بل هو ركيزة أساسية في بناء الوعي المجتمعي.
* صحافي.



شارك رأيك