عيد قوات الأمن الداخلي : استحضارٌ للذاكرة وتجديدٌ للعهد

لا تُمثّل الذكرى السبعون لتأسيس قوات الأمن الداخلي محطةً احتفاليةً عابرة، بل هي وقفةٌ لاستنطاق ذاكرتنا الجماعية، واستحضار عقودٍ من العطاء والتضحيات التي أرست دعائم دولتنا الحديثة. إنها فرصةٌ متجددة لنؤكد التزامنا الراسخ برسالة هذه المؤسسة، تلك المؤسسة التي نطمح أن تظل دوماً حصناً للدولة، ومصدر فخرٍ للمواطن، وإرثاً تتناقله الأجيال بكل اعتزاز.

                    العقيد محسن بن عيسى *

 إن قوات الأمن الداخلي ليست مجرد أجهزةٍ تنفيذية، بل هم شركاء استراتيجيون في بناء الوطن. ومن هذا المنطلق، نؤمن بمعادلةٍ واضحة: إن دعمنا لرجال الأمن الداخلي ووقوفنا إلى جانبهم أثناء أداء واجبهم هو حقٌ أصيلٌ لهم، وفي الوقت ذاته، فإن النقد البنّاء والمراجعة الموضوعية للأداء هما مسؤوليةٌ وضرورةٌ حتمية لضمان التطور والاستدامة. فالمؤسسات الحية هي التي تمتلك شجاعة التقييم الذاتي، وتصحيح المسار هو السبيل الأسمى لتعزيز المصداقية والهيبة. إن النقد الصادق في جوهره ينبع من حب الوطن والحرص على مصلحة المؤسسة، لا من موقفٍ سلبيٍّ أو تضاد.

رؤيةٌ في ميزان الواقع

 إن تاريخ المؤسسة لا يُقاس بالتضحيات فحسب، بل بوعي أفرادها ونزاهة سلوكهم. وهنا، نلمس تباينًا جليًا في المسارات:

فهناك من رفعوا اسم المؤسسة عالياً، أولئك الذين أدوا وجبهم بصدق وحملوا خبرتهم الأمنية إلى قاعات المحاضرات والمنابر الجامعية، فزاوجوا بين دقة الميدان وعمق الفكر، مما أضفى على المؤسسة بُعداً معرفياً وإنسانياً جعلها شريكاً في بناء العقل، لا حاميةً للأرض فحسب.

  وفي المقابل، نجد للأسف فئةً أساءت لرمزية الزي، فئةٌ استغلت مناصبها لتحقيق مآرب خاصة، أو انتحلت صفاتٍ ومهاماً لا صلة لها بإمكانياتها الأصلية. إن هذه التصرفات الدخيلة لا تمثل إلا أصحابها، وهي تتناقض كلياً مع قيم وتضحيات النخبة المخلصة التي تكرس حياتها  للواجب، وتصون الأمانة بعيداً عن أهواء المصالح الضيقة.

رسالةٌ إلى رجال ونساء الأمن الداخلي المباشرين

 لتبقى رسالة الأمن سامية، يظل التمسك بثوابتٍ مهنيةٍ وأخلاقيةٍ أمراً لا بديل عنه:

  • الأولوية للحقيقة لا للضجيج : تُبنى مصداقية رجل الأمن بالعمل الجاد، لا بالاستعراض  على وسائل التواصل الاجتماعي. الحقيقة أسمى وأبقى من أي شهرةٍ عابرة.
  • الخلق قبل كل شيء : إن الحكمة، والحياد، واحترام كرامة المواطن، هي الأساس المتين الذي تقوم عليه ثقة الناس، وهي المعيار الحقيقي لنجاح العمل الأمني.
  • تطوير الفكر الأمني : إن مواجهة التحديات المعقدة تتطلب عقليةً منفتحة، ومنهجيةً علميةً تستند إلى القانون والدراسة، بعيداً عن الارتجال أو ردود الفعل الانفعالية.
  • التكوين المستمر: في عالمٍ تتسارع فيه التهديدات، يعد التوقف عن التكوين تراجعاً. إن التطوير المهني والمعرفي هو الضمانة الوحيدة لبقاء المؤسسة قويةً وقادرةً على حماية استقرار الوطن.

إن هذه المسيرة الممتدة على سبعة عقود ليست مجرد أرقامٍ في سجلات الزمن، بل هي قصةُ وطنٍ صاغها أبناؤه بتفانيهم وإخلاصهم. هذا الإرث أمانةٌ في أعناقنا -كلٌّ من موقعه- للحفاظ على هذه المؤسسة كرمزٍ من رموز الدولة. إننا لا نتطلع فقط إلى “أمنيين” يؤدون مهاماً، بل إلى “مفكرين أمنيين” يدركون أنهم، قبل أن يكونوا حماةً للأمن العام، هم حراسٌ لقيم العدالة والنزاهة التي قامت عليها الدولة. فالوطن لا يُحمى بالعتاد فحسب، بل بالوعي، وبالشرف الرفيع الذي يحمله كل فردٍ ينتمي إلى هذا الوطن.

* ضابط سابق بالحرس الوطني.

                          

شارك رأيك

Your email address will not be published.