مآخذ الناشرين على معرض تونس الدولي للكتاب

أصدر اتحاد الناشرين التونسيين البيان التالي تحت عنوان “معرض تونس الدولي للكتاب : رعاية عليا تُقابلها منظومة تسيير عاجزة” يعرض فيه ما يعتبره علامات فشل معرض تونس للكتاب فيما يتعلق بدوره في السياسة الثقافية للبلاد وازداد وضوح الفجوة بين ما يُراد أن يكونه، وما يُدار به فعلياً على الأرض.

لم يعد ممكناً اليوم قراءة ما يجري داخل معرض تونس الدولي للكتاب بوصفه مجرد تعثر تنظيمي أو نتيجة صعوبات ظرفية يمكن تجاوزها بمرور الوقت، لأن ما تراكم على امتداد الدورات الأخيرة لم يعد يندرج ضمن خانة الأخطاء القابلة للإصلاح التدريجي، بل أصبح يعكس وضعاً أكثر خطورة : وضعاً تتعايش فيه إرادة سياسية واضحة في دعم الكتاب مع منظومة تنفيذية عاجزة عن ترجمة هذه الإرادة، بل وفي كثير من الأحيان معطِّلة لها في العمق.

إن الإشراف المباشر لرئيس الجمهورية الأستاذ قيس سعيّد على افتتاح هذه التظاهرة، وإصراره على حضورها ومتابعتها، ليس تفصيلاً بروتوكولياً يمكن المرور عليه مروراً عابراً، بل هو مؤشر ثقيل الدلالة على أن الدولة، في أعلى مستوياتها، ما تزال تنظر إلى الكتاب باعتباره عنصراً مركزياً في البناء الثقافي، وتعتبر هذا المعرض موعداً يستحق العناية والمتابعة. غير أن هذا المعطى، الذي يفترض أن يكون نقطة قوة، يتحول في الواقع إلى مفارقة صادمة : فكلما ارتفع مستوى الاهتمام السياسي، ازداد وضوح الفجوة بين ما يُراد للمعرض أن يكونه، وما يُدار به فعلياً على الأرض.

أزمة كاملة في منظومة التسيير

هذه الفجوة لم تعد خفية، ولم تعد قابلة للتبرير، بل أصبحت اليوم عنواناً لأزمة كاملة في منظومة التسيير.

ذلك أن ما يطبع إدارة المعرض لم يعد مجرد نقص في التنسيق أو ضعف في الإمكانيات، بل هو خلل بنيوي في فهم طبيعة التظاهرة نفسها. فالمعرض، في صيغته الحالية، لا يُدار بوصفه أداة من أدوات السياسة الثقافية، ولا كرافعة لقطاع اقتصادي هشّ يحتاج إلى تدخلات دقيقة، بل يُدار بمنطق إداري ضيق يختزل كل شيء في حدود “تنظيم موعد” ينبغي أن يمرّ في الحد الأدنى من الانضباط الشكلي، دون اعتبار لما بعده أو لما يترتب عنه.

وهنا تكمن أولى المفارقات الكبرى: حين تُختزل تظاهرة بحجم معرض دولي للكتاب في مستوى “التأمين الإداري للحدث”، فإننا لا نكون أمام تبسيط للعمل، بل أمام تفريغ كامل لوظيفته.

إن ما يحدث داخل هذه التظاهرة لا يمكن فصله عن طبيعة الجهة التي تمسك فعلياً بخيوطها. فالمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية، التي يفترض أن تشتغل ضمن حدود الدعم اللوجستي أو التنظيمي، لم تكتفِ بهذا الدور، بل تحولت تدريجياً إلى مركز القرار الفعلي، فارضة منطقها الخاص على تظاهرة لا تنتمي، في جوهرها، إلى المجال الذي صُممت هذه المؤسسة من أجله. وهذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه مجرد توسع في الصلاحيات، بل يجب فهمه باعتباره انزلاقاً خطيراً في طبيعة القيادة، حيث يتم إخضاع معرض الكتاب لمنطق إدارة المناسبات، لا لمنطق بناء السياسات الثقافية.

هذا المنطق، بطبيعته، لا يرى في المعرض سوى “حدث يجب إنجازه”، لا “مسار يجب بناؤه”. هو منطق يشتغل على الزمن القصير، على الصورة، على الإخراج، على عدد الحضور، على نجاح اللحظة، دون أن يطرح السؤال الجوهري: ماذا بعد ؟ ماذا يضيف هذا المعرض للقطاع ؟ كيف ينعكس على واقع النشر ؟ كيف يخدم الكاتب ؟ كيف يوسّع قاعدة القراءة ؟

وعندما تغيب هذه الأسئلة، أو تُستبدل بمؤشرات سطحية، فإن النتيجة لا تكون مجرد ضعف في الأداء، بل انحراف كامل في المعنى.

غير أن خطورة الوضع لا تتوقف عند حدود هذا الانزلاق في المقاربة، بل تمتد إلى الطريقة التي يتم بها إقصاء الهياكل المختصة، وفي مقدمتها الإدارة العامة للكتاب، التي يفترض أن تكون الجهة المرجعية في كل ما يتعلق بسياسات القراءة والنشر. فحين يتم تهميش هذه الإدارة، أو دفعها إلى موقع ثانوي، فإن ما يحدث في الحقيقة هو سحب الاختصاص من أهله، وتعويضه بقرار إداري لا يستند إلى معرفة دقيقة بالقطاع.

إطار شكلي لا يعكس الواقع ولا يؤثر فيه

وهنا لا يعود الأمر مجرد خلل تنظيمي، بل يصبح مسألة تمسّ جوهر الحوكمة الثقافية. لأن إدارة معرض دولي للكتاب لا يمكن أن تُفصل عن فهم عميق لديناميكيات النشر، وعن إدراك لتعقيدات السوق، وعن وعي بالعلاقة بين الكتاب والمدرسة والجامعة والمجتمع. وعندما تُدار هذه التظاهرة من خارج هذا الفهم، فإنها تتحول، حتماً، إلى إطار شكلي لا يعكس الواقع ولا يؤثر فيه.

ويزداد هذا الخلل وضوحاً عندما ننظر إلى طريقة اتخاذ القرار داخل المعرض. فبدل أن تكون هناك منظومة تشاركية، مبنية على التشاور مع المهنيين، وعلى الاستفادة من خبراتهم، نجد أنفسنا أمام نمط من التسيير ينزع نحو الانغلاق، حيث تُتخذ القرارات في دوائر ضيقة، ثم تُعرض على بقية الأطراف كمعطى نهائي غير قابل للنقاش. وهذا الأسلوب لا يعطل فقط إمكانية التطوير، بل يخلق شعوراً عاماً بالإقصاء، ويُفقد المعرض شرعيته المهنية.

ولعلّ أخطر ما في هذا المسار هو أنه لا يُنتج فقط ضعفاً في التنظيم، بل يُنتج قطيعة حقيقية بين المعرض والقطاع الذي يفترض أن يخدمه. فالناشر، الذي يُعدّ الفاعل الأساسي في هذه المنظومة، لا يجد نفسه شريكاً في القرار، بل مجرد طرف يُطلب منه الامتثال لشروط لم يُشارك في صياغتها. والكاتب، الذي يُفترض أن يكون في قلب التظاهرة، يتحول إلى عنصر ثانوي في برنامج لا يعكس بالضرورة أولوياته. أما القارئ، فيُختزل إلى رقم يُضاف إلى الإحصائيات، دون أن تُطرح بجدية مسألة بناء علاقة مستدامة معه.

وفي ظل هذا الوضع، يصبح من الطبيعي أن يتراجع أثر المعرض، وأن يفقد تدريجياً قدرته على الاستقطاب، وأن يتآكل موقعه داخل المشهد الثقافي. لأن التظاهرات لا تُقاس فقط بحجمها الظاهري، بل بقدرتها على إنتاج قيمة مضافة، وعلى خلق ديناميكية تمتد إلى ما بعد نهايتها.

غير أن ما يزيد من خطورة هذا التراجع هو غياب آليات حقيقية لتشخيصه. فلا توجد تقارير مفصلة تُنشر بعد كل دورة، ولا مؤشرات دقيقة تُقاس بها النتائج، ولا مراجعة جدية للأخطاء. وبهذا، يتحول الفشل إلى حالة غير مُسماة، والتراجع إلى واقع غير مُعترف به، وتستمر نفس الأخطاء في التكرار دون أي محاولة فعلية للتصحيح.

القرصنة أصبحت تهديداً مباشراً لاستمرارية النشر

ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل أحد أخطر الملفات التي تُثقل كاهل القطاع، وهو ملف القرصنة، الذي لم يعد مجرد ظاهرة هامشية، بل أصبح تهديداً مباشراً لاستمرارية النشر. فانتشار النسخ غير القانونية، سواء داخل المعرض أو خارجه، في ظل ضعف الردع وغياب التنسيق الفعال، يبعث برسالة واضحة مفادها أن حماية الحقوق ليست أولوية. ويزداد الأمر خطورة حين نلاحظ أنّ تغييب المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة عن لجنة تنظيم المعرض في الدورات الأخيرة مثّل أحد العوامل التي ساهمت في تفاقم هذه الظاهرة، لأنّ إبعاد الجهة المختصة قانونياً ومهنياً بحماية حقوق المؤلفين والناشرين عن موقع القرار والمتابعة يُفرغ الرقابة من مضمونها، ويُضعف آليات التدخل، ويمنح المعتدين على الحقوق هامشاً أوسع للإفلات من المتابعة والردع. وهذه الرسالة، في حد ذاتها، كفيلة بتقويض أي محاولة لبناء صناعة نشر مستقرة.

وأمام هذا التراكم من الاختلالات، يصبح من غير المقبول الاستمرار في نفس الخطاب التبريري، أو الاكتفاء بالحديث عن “نجاح الدورة” بمعايير لا تعكس الواقع. لأن الإصرار على تقديم صورة إيجابية في غياب نتائج حقيقية لا يُصلح الوضع، بل يكرّس الأزمة، ويؤجل مواجهتها.

إن اللحظة الحالية تفرض وضوحاً أكبر في التسمية. ما يحدث ليس مجرد قصور، بل عجز متواصل عن إدارة تظاهرة وطنية وفق ما تقتضيه معاييرها. وليس من المقبول أن يستمر هذا العجز تحت غطاء الرعاية العليا، لأن ذلك لا يسيء فقط إلى المعرض، بل يضعف أيضاً مصداقية المنظومة التي يفترض أن تنفذ هذه الرؤية.

إعادة إنتاج نفس النموذج رغم فشله الواضح

إن استمرار هذا الوضع لا يمكن تفسيره إلا بغياب المحاسبة، وبضعف آليات التقييم، وبقبول ضمني بإعادة إنتاج نفس النموذج رغم فشله الواضح. وهذا ما يجعل من الإصلاح مسألة مستعجلة، لا تحتمل التأجيل.

فالمعرض، في نهاية المطاف، ليس مجرد موعد سنوي، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة أحد أهم رموزها الثقافية. وإذا لم تتم مراجعة هذا المسار بجدية، وبشكل جذري، فإن الخسارة لن تكون في مستوى التظاهرة فقط، بل في مستوى صورة الثقافة نفسها داخل البلاد.

إن ما هو مطروح اليوم ليس تحسيناً جزئياً، ولا تعديلاً شكلياً، بل إعادة بناء كاملة لمنظومة التسيير، على أسس واضحة: إعادة الاختصاص إلى أهله، إرساء حوكمة فعلية، ضمان مشاركة حقيقية للمهنيين، وربط المعرض بسياسات مستدامة تتجاوز زمن التظاهرة.

وما لم يتحقق ذلك، فإن كل دورة جديدة لن تكون سوى إعادة إنتاج لنفس المشهد: افتتاح رسمي قوي الدلالة، يقابله أداء ضعيف في العمق، وفجوة تتسع أكثر فأكثر بين ما يُراد لهذا المعرض أن يكونه، وما يُترك له أن يصير إليه.

شارك رأيك

Your email address will not be published.