*بقلم الصحفي فاهم بوكدوس
أدّى قرار تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان لمدة شهر إلى خلق حالة تضامن واسعة وغير مسبوقة معها. وقد ارتبط جانب مهم من هذا التضامن بمتانة الفعل الرابطي تاريخيًا، وبالرصيد النضالي المتراكم، وبالتضحيات التي قدّمتها مناضلاتها ومناضلوها على امتداد عقود. ومع ذلك، فإن هذا الإجماع لم يخلُ من أصوات نشاز، أو مواقف يمكن تصنيفها ضمن منطق “خالف تُعرف”، حيث تم توظيف اللحظة لإبداء مواقف مخالفة في الشكل والمضمون، دون أن تستند دائمًا إلى أرضية حقوقية متماسكة.
في هذا السياق، يتّسم بعض الخطاب المتداول حول تعليق نشاط الرابطة بحالة من التذبذب بين ادعاء الموضوعية والانزلاق نحو مواقف انتقائية تفتقر إلى الاتساق مع مبادئ الفعل الحقوقي.
ويُلاحظ أنّ بعض هذه المقاربات، رغم تقديم نفسها باعتبارها نقدًا عقلانيًا، تنتهي عمليًا إلى تبرير ضمني للانتهاكات أو التقليل من خطورتها.
وتبرز مسألة الانتقائية في التعاطف كإحدى أبرز الإشكاليات. إذ يتم ربط الاستحقاق الحقوقي بمواقف سابقة للجهة المعنية، بما يوحي بأن الدفاع عن حرية التنظيم أو التعبير مشروط بتقييم سياسي أو أخلاقي للضحية. غير أنّ الفعل الحقوقي، في جوهره، يقوم على مبدأ الكونية وعدم قابلية الحقوق للتجزئة، بما يجعل من غير المقبول إخضاعها لمنطق “الاستحقاق” أو “العقاب”.
كما يتّضح اعتماد بعض الخطابات على التشكيك في استقلالية المنظمات عبر الإيحاء بارتباطها بجهات تمويل خارجية أو بمصالح ضيقة، دون الاستناد إلى معطيات دقيقة أو موثقة. ويُعدّ هذا الأسلوب، في غياب الأدلة، أقرب إلى خطاب التشويه منه إلى النقد الحقوقي الرصين، الذي يفترض الاحتكام إلى الوقائع والمعايير الموضوعية.
ويُسجّل كذلك حضور منطق “العقاب بأثر رجعي”، حيث يتم استحضار مواقف سابقة للمنظمة لتبرير ضعف التضامن معها في مواجهة إجراءات تمسّ من حقوقها الأساسية. ويُناقض هذا التوجه مبدأ شمولية الحقوق، الذي يقتضي الدفاع عنها بصرف النظر عن الاختلافات السياسية أو التقييمات الظرفية للأداء.
إضافة إلى ذلك، يتم في بعض الأحيان اختزال المنظمات الحقوقية في قياداتها أو في مواقف ظرفية، مع تجاهل التراكم التاريخي لدورها النضالي. ويؤدي هذا الاختزال إلى قراءة مبتورة لا تأخذ بعين الاعتبار تعقيد التجارب الحقوقية وتطورها عبر الزمن، كما يحجب الأدوار التي لعبتها هذه المنظمات في الدفاع عن ضحايا مختلفين، بغضّ النظر عن انتماءاتهم.
كما يُلاحظ تناقض بين الادعاء بالحياد أو عدم الشماتة وبين استعمال لغة تهكمية أو تقليلية، وهو ما يعكس حضورًا للانفعال أكثر من الالتزام بالمعايير الأخلاقية التي يفترض أن تؤطر الخطاب الحقوقي. ويؤدي هذا التناقض إلى إضعاف مصداقية الطرح، إذ لا يمكن الجمع بين خطاب يدّعي الموضوعية وممارسة لغوية تنزع نحو التحقير أو السخرية.
وتدعم التجارب المقارنة في مجال العمل الحقوقي هذا الطرح، حيث تُظهر أن قوة المنظمات واستقلاليتها لا تُقاس فقط بمواقفها الظرفية، بل بقدرتها على الاستمرار في الدفاع عن الحقوق في سياقات مختلفة، وبمدى التزام محيطها المجتمعي بحمايتها عندما تتعرض للضغط أو التضييق. فإضعاف أي مكوّن من مكوّنات المجتمع المدني ينعكس سلبًا على مجمل منظومة الحقوق والحريات.
وفي المحصلة، يكشف هذا النمط من الخطاب عن خلل في استبطان مبادئ الفعل الحقوقي، حيث يتم الخلط بين النقد المشروع، الذي يظل ضروريًا لتطوير الأداء، وبين مواقف تُفضي إلى إضعاف منطق الدفاع عن الحقوق والحريات. ويظل التحدي الأساسي متمثلًا في ترسيخ مقاربة قائمة على الاتساق، تُدافع عن الحقوق بوصفها غير قابلة للتجزئة، وتُخضع في الآن ذاته مختلف الفاعلين للمساءلة وفق معايير واضحة وثابتة، بعيدًا عن الانتقائية أو التوظيف الظرفي.
- فاهم بوكدوس المدير التنفيذي لنقابة الصحفيين



شارك رأيك