خارطة النفط العالمية

فاطمة الغول، باحثة في سياسات الدولة المالية والبيئية

فاطمة الغول
فاطمة الغول

يمثل إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها من منظمة أوبك وتحالف أوبك بلس تحولا استراتيجيا عميقا في بنية النظام الطاقي العالمي ويعكس تغيرا جذريا في أولويات السياسة الخارجية والاقتصادية للدولة.

من منظور العلوم السياسية فإن هذه الخطوة تعني فكا للارتباط التاريخي مع التوجهات الجماعية التي تقودها السعودية مما يشير إلى بروز حالة من المنافسة القطبية داخل البيت الخليجي حيث تسعى أبوظبي إلى تعظيم سيادتها الوطنية على مواردها النفطية بعيدا عن قيود الحصص الإنتاجية التي يفرضها التحالف.

إن هذا التوجه يندرج ضمن رؤية إماراتية ترى أن نافذة الطلب العالمي على النفط قد تبدأ في الانغلاق خلال العقود القادمة مما يحتم عليها زيادة الإنتاج الآن لتمويل مشاريع التنويع الاقتصادي قبل فوات الأوان.

خارطة النفط العالمية

على الصعيد الاقتصادي والمالي سيؤدي هذا الانسحاب إلى تحرر الإمارات من قيود سقف الإنتاج مما يتيح لها ضخ كميات كبيرة من النفط قد تصل إلى طاقتها القصوى البالغة خمسة ملايين برميل يوميا.

هذا التصرف سيؤدي حتما إلى زيادة العرض العالمي وضغط نزولي قوي على أسعار النفط مما قد يشعل حرب أسعار جديدة تذكرنا بما حدث في عام ألفين وعشرين.

بالنسبة للأسواق المالية فإن حالة اليقين ستتراجع مما يرفع من وتيرة التذبذب في عقود النفط الآجلة ويؤثر على التصنيف الائتماني لبعض الدول التي تعتمد ميزانياتها على أسعار نفط مرتفعة لتغطية عجزها المالي.

فيما يتعلق بالعلاقات البينية داخل الخليج والحروب الإقليمية فإن هذا القرار يعمق الفجوة السياسية بين الرياض وأبوظبي وينقل التنافس من الصراع الهادئ على جذب الاستثمارات والمقار الشركات العالمية إلى صدام مباشر في عصب الاقتصاد العالمي.

إن ضعف التنسيق النفطي قد يمتد ليشمل ملفات سياسية وأمنية أخرى في المنطقة مما قد يضعف الجبهة الموحدة تجاه قضايا إقليمية حساسة مثل التعامل مع القوى الإقليمية المنافسة أو إدارة النزاعات في اليمن وغيرها.

هذا الانسحاب يفكك مفهوم التضامن الخليجي الاقتصادي الذي كان يشكل حائط صد أمام التقلبات الجيوسياسية ويعيد صياغة التحالفات بناء على المصالح القومية الضيقة لكل دولة.

أما بالنسبة لتونس فإن هذا التطور يحمل في طياته آثارا مزدوجة على الاقتصاد والميزانية العمومية، فمن ناحية إيجابية سيؤدي انخفاض أسعار النفط العالمية الناجم عن زيادة العرض الإماراتي إلى تخفيف العبء على ميزان الطاقة التونسي وتقليص العجز التجاري حيث أن تونس مستورد صاف للمحروقات.

كل انخفاض في سعر البرميل سيوفر على الدولة التونسية مئات الملايين من الدينارات التي كانت تخصص لدعم الوقود مما يقلل من ضغط العجز في الميزانية العامة ويمنح الحكومة هامشا للمناورة في توجيه تلك النفقات نحو قطاعات تنموية أو اجتماعية أخرى.

بالمقابل هناك تبعات سلبية محتملة تتعلق بتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدات والقروض التنموية من دول الخليج، فإذا أدى الانسحاب الإماراتي إلى توترات سياسية حادة أو عدم استقرار اقتصادي في المنطقة الخليجية فإن شهية تلك الدول للاستثمار في الخارج قد تتقلص أو قد تخضع الشروط السياسية للاستثمارات لضغوط أكبر.

كما أن تراجع المداخيل النفطية للدول الخليجية بصفة عامة قد يؤثر على تحويلات التونسيين العاملين هناك مما ينعكس سلبا على رصيد تونس من العملة الصعبة. في المحصلة تجد تونس نفسها أمام فرصة لالتقاط الأنفاس ماليا بسبب انخفاض تكلفة الطاقة لكنها تظل مرتهنة للاستقرار الجيوسياسي الذي قد يهتز نتيجة هذا الانقسام الكبير في منظومة النفط العالمية.

شارك رأيك

Your email address will not be published.