تونس : راشد الغنّوشي بين ضِيق الزّنزانة وسريرِ المُستشفى

هل فعلا يستحق الشيخ راشد الغنوشي ذو الخمسة والثمانين عاما أن يدخل السجن بتُهم أقرّها القضاء في تونس وينفيها هو عن نفسه، كان يعتقد بأن الناس من حوله سيقفون بجانبه وسينادون السلطات التونسية للإفراج عنه، لكنه وجد نفسه بين القضبان وحيدًا، حتى من كان يعتقد بأنه كان يعيش بجانبه تركه وفرّ هاربًا، لذلك هو اليوم يعيش حالة صعبة بين زنزانة السّجن ومرض الجسم.

فوزي بن يونس بن حديد

لم يكن يدري أن الأحوال في تونس ستؤول إلى ما آلت إليه، بل كان يعتقد بأن الشعب التونسي استنشق الحرية ونبذ الدكتاتورية إلى الأبد، ولم يكن هناك مجال للرجوع إلى النظام السابق مهما حدث، لأن العالم قد تغير، وأن القوى الكبرى تساند الديمقراطيات في الدول العربية، فحدث ما يشبه المعجزة في تونس حينما فرّ زين العابدين بن علي الرئيس التونسي الأسبق من انتفاضة شعبية كانت متوجهة إلى قصره يوم أن علم التونسيون أن الوقت حان للتغيير ولا مجال للاستبداد من جديد، ولم يكن يدري أن الشعب التونسي سيختار ما اختار في الـ 25 من جويلية سنة 2021م ليضرب موعدًا جديدًا مع الحكم السياسي في تونس حيث تحول النظام من برلمانيّ إلى رئاسيّ، مما أفسد عليه نكهة التنافس على الحكم، وحينما جمّد رئيس الجمهورية السيد قيس سعيد البرلمان التونسي وأقال الحكومة التي تشكلت بصعوبة بالغة برئاسة هشام المشيشي وكانت في السابق تتعثّر في كل مرة ولا تبلغ من العمر سنة واحدة، أحزابٌ متناثرة وكثيرة تتصارع على المقاعد باللّكم أحيانا والسّبّ والشتم أحيانا أخرى.

حركة النهضة لم تفِ بوعودها

كان الشيخ راشد الغنوشي قد رجع إلى تونس بعد الثورة التونسية في 2011م، وكان يحمل آمالا عريضة في أن يقود تونس نحو برّ الديمقراطية والحرية والعدالة، ترأس حزبه السياسي الذي تحوّل من حزب يتبع جماعة الإخوان المسلمين إلى حزب سياسي صرف بعد ضغوطات دولية وبعد ما حدث في جمهورية مصر العربية حينما تولّى الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم وأزال الإخوان المسلمين، لكن ذلك لم يشفع له أن يبقي على حزبه في صدارة الأحزاب التونسية إذ سرعان ما تقهقر إلى المرتبة الثانية ثم الثالثة بعد أن رأى الشعب التونسي أن حركة النهضة لم تفِ بوعودها التي قطعتها على نفسها منذ 2011، وظلت تتمسك بالحكم كمن يتمسك بالقشّة التي قصمت ظهر الحزب في النهاية، وجعلته يعيش في متاهة المعارضة الحزبية للحكم الرئاسي الجديد، ولم تستطع منذ 2021 أن تقوى بل كانت تتأخر خطوات إلى الوراء رغم زعمها تشكيل جبهة مع أحزاب المعارضة سمتها جبهة الإنقاذ، ولكن الذي حدث وقلب الموازين أن حركة النهضة لم تستطع الصمود أكثر ولم تبادر للتغيير الذي كانت تنشده ويسعى إليه الشيخ راشد الغنوشي الذي أحكم قبضته على البرلمان التونسي في انتخابات أكتوبر 2019 التي حامت حولها كثير من الشكوك، مما أفسد عليه نكهة الرئاسة التي دامت أقل من سنتين ثم سرعان ما تحول الأمر عنده إلى كابوس عندما أطلق الرئيس قيس سعيد صرخته المشهورة لتجميد البرلمان ثم إلغائه بعد أشهر وإقصاء جميع من فيه، بل إنه حاسب كل من كان فيه وعلى رأسه الشيخ راشد الغنوشي.

كمْ أحببتُ أن يبقى الشيخ راشد الغنوشي بعيدًا عن السياسة، ولا أنكر أنه رجل مفكّر عبقريّ، له صولات وجولات في الفكر الإسلامي، ومؤلفات متعدّدة في هذا المجال أيام كان منفيًا في بريطانيا، ويتردد على العواصم الأوروبية، ولكن السياسة ألهته وأبعدته عن المجال الذي كان بارعًا فيه من حيث التنظير، أما بعد أن دخل الميدان وجد نفسه مقيّدا ومكبّلا بجملة من القيود التي أجبرته على سلوك طريق مخالف لما كان يدعو إليه في مؤلفاته، فاصطدم بصخرة التطبيق، ووجد نفسه في نهاية المطاف في زنزانة ما كان ليختارها لولا تخاذل من تحالف معهم ذات يوم، ومن رفض التعامل معهم في بداية المشوار ثم قبل ذلك على مضض.

بين زنزانة السّجن ومرض الجسم

هل فعلا يستحق الشيخ راشد الغنوشي ذو الخمسة والثمانين عاما أن يدخل السجن بتُهم أقرّها القضاء في تونس وينفيها هو عن نفسه، كان يعتقد بأن الناس من حوله سيقفون بجانبه وسينادون السلطات التونسية للإفراج عنه، لكنه وجد نفسه بين القضبان وحيدًا، حتى من كان يعتقد بأنه كان يعيش بجانبه تركه وفرّ هاربًا، وبعض من كان معه في جبهة الإنقاذ دخل السجن بفتات من الفكر المعارض، لذلك هو اليوم يعيش حالة صعبة بين زنزانة السّجن ومرض الجسم، وبدا بدنُه لا يقوى على مواصلة المسار والمسير فآثر الاستسلام لسرير المستشفى، مُنهيا بذلك حالة من الصراع بينه وبين الحكومة والرئاسة.

ومع حالته الجسدية الصعبة وتقدّمه في العمر، ألا تنظر الحكومة التونسيّة بعين الرّحمة وتخلي سبيله ليعيش بقيّة حياته في منزله وبين عائلته ويكتب في صحائفها أن تونس تكرم أبناءها ولو كانوا من المعارضة، وأن الشماتة في مثل هذا العمر لا تجوز حتى ولو فعل ما فعل، فالرجل اجتهد، وإن أخطأ فلا بأس أن تنظر الدولة بعين ثانية غير عين العدالة الصرفة، لتزاحمها عين الرحمة وتُخرج الرجل من السّجن وتُكرمه أن يعيش في بيته وبين أهله في آخر عمره.

شارك رأيك

Your email address will not be published.