تستقبل تونس اليوم 12 ماي 2026 جولة جديدة من مفاوضات “مجموعة 4+4”، وهو الإطار التفاوضي الذي يجمع مندوبين من شرق ليبيا و غربها للبحث في ملفات ظلت عالقة منذ سنوات، أبرزها إعادة هيكلة الهيئة العليا للانتخابات، و مراجعة المنظومة القانونية التي ستُنظَّم على أساسها الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. و الهدف المعلن هو تحريك مسار طال انتظاره و تعثر مراراً تحت وطأة الفيتوات المتبادلة و الانقسامات المؤسساتية المتجذّرة.
مجدي الكرباعي *

و يأتي اجتماع اليوم بعد أسبوعين من قمة 29 أفريل التي احتضنتها العاصمة الإيطالية روما تحت إشراف بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا “UNSMIL”. و قد شكّل ذلك اللقاء منعطفاً ملموساً، إذ أفادت الأمم المتحدة بأن الأطراف توصّلت إلى تفاهم مبدئي بشأن آلية لتجاوز حالة الجمود المتعلقة بقيادة هيئة الانتخابات، و هي إحدى أبرز العقد التي عطّلت مسار التفاوض بأكمله. انتقال المباحثات الآن إلى تونس دون انقطاع يوحي بأن إمكانية التوصّل إلى اتفاق باتت أكثر واقعية من السابق.
ما يتكشّف بوضوح من هذا الحضور الدبلوماسي هو الصعود المتواصل للدور الإيطالي في الملف الليبي. فلم تكتفِ روما بتوفير فضاء للقاء، بل انخرطت في دور تيسيري فعلي، بالتنسيق مع الأمم المتحدة، للحفاظ على طاولة حوار كانت على وشك الانهيار.
محور إقليمي للحوار تسعى إيطاليا إلى ترسيخه
و ترتبط إيطاليا بليبيا بعلاقات تمتد لعقود، وتتداخل فيها المصالح السياسية والطاقية والأمنية وملف الهجرة. فشركة “إيني” (Eni) الإيطالية العملاقة تكاد تمثل أحد أهم محددات السياسة الخارجية الإيطالية في المتوسط، فيما تظلّ السواحل الليبية أحد أبرز المسارات العابرة للبحر الأبيض المتوسط نحو أوروبا. لذلك ينعكس استقرار طرابلس أو بنغازي، كما اضطرابهما، مباشرة على توازنات الضفة الجنوبية للاتحاد الأوروبي.
كما شهدت الدبلوماسية الإيطالية في عهد جورجيا ميلوني (Giorgia Meloni) انتعاشة واضحة، إذ تسعى روما إلى لعب دور “الخيط الناظم” بين ضفتي المتوسط. كما أن اختيار تونس لاحتضان جولة اليوم لا يخلو من دلالات سياسية؛ فتونس باتت أكثر تناغماً مع السياسات الإيطالية، فيما يبدو أن الملف التونسي انتقل تدريجياً من دائرة التأثير الفرنسي التقليدي إلى المجال الإيطالي، خاصة بعد التراجع الذي شهده الحضور الفرنسي في شمال أفريقيا وفي دول كانت تُعد تاريخياً ضمن النفوذ الفرنسي.
وبهذا المعنى، فإن سلسلة اللقاءات بين روما وتونس تتجاوز مجرد الترتيب اللوجستي، لتُشكّل ملامح محور إقليمي للحوار تسعى إيطاليا إلى ترسيخه، مقدّمة نفسها وسيطاً محورياً بين أوروبا و شمال أفريقيا و المنظومة الدولية المنخرطة في الملف الليبي.
رغم ذلك، يبقى المسار التفاوضي هشّاً، و تظلّ الهواجس والانقسامات بين الشرق والغرب قائمة و لا يمكن تجاوزها بين عشية وضحاها. غير أن استمرار العملية التفاوضية بهذا النسق المتواصل ضمن جدول أعمال واضح، وسقف زمني محدد، ومسار دبلوماسي متدرّج يُعدّ في حدّ ذاته حدثاً سياسياً يستحق المتابعة و الرصد.
* نائب تونسي سابق مقيم في إيطاليا.



شارك رأيك