*ف.ب المدير التنفيذي بالنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين
*بقلم فاهم بوكدوس
عكست نقاشات احدى جلسات فعالية احياء اليوم العالمي لحرية الصحافة اتي انتظمت اليوم الاربعاء 12 ماي الجاري بتنظيم من نقابة الصحفيين واليونسكو والمفوضية السامية تواصل الجدل حول المرسوم عدد 54 بشكل واسع وغير مسبوق، في ظل تنامي حالة من الإجماع السياسي والحقوقي والمدني بشأن خطورته وتداعياته على مناخ الحريات العامة وحرية التعبير والصحافة في تونس.
ولم يعد النقاش مقتصرا على المنظمات الحقوقية أو الهياكل المهنية المعنية بالدفاع عن حرية الإعلام، بل امتدّ ليشمل أطرافا سياسية مختلفة، وعددا من الأكاديميين والقانونيين.
غير أنّ هذا الجدل، رغم أهميته، انصبّ بشكل شبه كامل على الفصل 24 من المرسوم، باعتباره الفصل الأكثر إثارة للانتباه والأكثر استعمالا في تتبع الصحفيين والنشطاء والمعارضين والمواطنين بسبب تدوينات أو تصريحات أو مضامين منشورة على شبكات التواصل الاجتماعي. وقد ساهمت الأحكام الثقيلة الصادرة استنادا إليه، والعقوبات السجنية القاسية التي ينص عليها، في جعله عنوانا رئيسيا للنقاش العام حول المرسوم، إلى درجة أصبح معها وكأنّ كامل الإشكال ينحصر في هذا الفصل وحده.
لكنّ هذا التركيز المكثف على الفصل 24، رغم مشروعيته بالنظر إلى خطورته والاستعمالات التي شهدها، قد يؤدي في المقابل إلى التقليل من حجم المخاطر الأخرى التي يتضمنها المرسوم، سواء من خلال فلسفته العامة أو عبر فصول أخرى لا تقلّ خطورة من حيث تأثيرها على الحقوق والحريات والضمانات الدستورية. فالإشكال الحقيقي لا يتعلق فقط بفصل يُجرّم “الأخبار الزائفة” أو يفرض عقوبات سالبة للحرية على التعبير، بل يتعلق أيضا بمنظومة قانونية كاملة تقوم على مقاربة زجرية موسعة، وعلى تصورات فضفاضة للجرائم السيبرنية، بما يسمح بالتوسع في التتبع والتأويل والتجريم.
لقد أثبتت التجربة العملية منذ دخول المرسوم حيّز النفاذ أنّه لم يبق في حدود مكافحة الجرائم المعلوماتية كما تمّ تقديمه عند صدوره، بل تحوّل في كثير من المناسبات إلى أداة للتضييق على حرية التعبير، وإلى إطار قانوني يسمح بتتبعات واسعة بسبب آراء أو مواقف أو مضامين منشورة في الفضاء الرقمي.
كما كشفت الممارسة القضائية أنّ الخلل لا يعود فقط إلى طريقة تطبيق النص، بل أيضا إلى طبيعة الصياغات التي يتضمنها، والتي جاءت في عديد المواضع فضفاضة وعامة وقابلة لتأويلات واسعة، الأمر الذي سهّل استعماله بشكل يتجاوز بكثير الهدف الأصلي المفترض من وجوده.
وتزداد خطورة هذا الوضع عندما نلاحظ أنّ النقاش العمومي بات في أغلبه محصورا في المطالبة بحذف الفصل 24 أو تعديله، في حين أنّ بقية الفصول تمرّ أحيانا دون التدقيق الكافي، رغم أنّها تطرح بدورها إشكالات قانونية ودستورية وحقوقية عميقة. فهناك فصول تتعلق بحفظ البيانات والمعطيات الشخصية لفترات طويلة بشكل يتعارض مع المعايير الدولية المتعلقة بحماية الخصوصية، وفصول أخرى تفتح الباب أمام التوسع في إجراءات النفاذ إلى المعطيات والرقابة الرقمية دون ضمانات كافية، إضافة إلى أحكام تمسّ بسرية المصادر الصحفية وبحقوق الدفاع وبقرينة البراءة.
كما أنّ عددا من الجرائم المنصوص عليها في المرسوم لا تتوفر فيها شروط الدقة والوضوح المفترض توفرها في النصوص الجزائية، وهو ما يتناقض مع مبدأ الشرعية الجزائية الذي يقتضي أن تكون الأفعال المجرّمة محددة بشكل دقيق حتى لا يتحول القانون إلى أداة مفتوحة للتأويل. فالقانون الجزائي لا يجب أن يُبنى على عبارات عامة ومطاطة تسمح بتجريم سلوكيات مختلفة وفق تقدير السلطة أو الجهة المتعهدة بالتتبع.
ومن بين النقاط التي تستحق نقاشا أعمق أيضا، طبيعة العقوبات التي يعتمدها المرسوم، حيث يتبنى توجها زجريا متشددا حتى في قضايا ترتبط بالنشر أو النفاذ إلى المعلومات أو بعض الأفعال التي يمكن معالجتها بآليات مدنية أو بعقوبات مالية متناسبة. وهو ما يتناقض مع التطورات الحديثة في التشريعات المقارنة التي تتجه نحو الحد من العقوبات السجنية في قضايا التعبير والنشر والجرائم المعلوماتية غير الخطيرة، وتعويضها بآليات أكثر توازنا تحترم الحريات الأساسية.
كما أنّ بعض الفصول تتعارض بشكل واضح مع فلسفة اتفاقية بودابست المتعلقة بالجرائم السيبرنية، والتي يُفترض أنّ المرسوم استند إليها. فهذه الاتفاقية تهدف أساسا إلى مكافحة الجرائم التي تستهدف الأنظمة المعلوماتية والمعطيات الرقمية، مثل الاختراق والتحيل وسرقة البيانات والقرصنة، ولا تتعلق أصلا بجرائم التعبير أو تداول الأخبار أو الآراء السياسية. وبالتالي فإن توسيع مجال المرسوم ليشمل مضامين النشر والتعبير يمثل انحرافا عن الهدف الأصلي للاتفاقية، وقد ينعكس سلبا حتى على مستوى التعاون الدولي في مجال مكافحة الجرائم السيبرنية.
ومن هنا، فإن الاقتصار على حذف الفصل 24، رغم أهميته وضرورته، قد يتحول إلى معالجة جزئية لا تمسّ جوهر الإشكال الحقيقي. لأنّ الخطر لا يكمن فقط في فصل واحد، بل في الرؤية التشريعية التي قام عليها المرسوم بأكمله، وفي النزعة نحو التوسع في التجريم والرقابة والحد من الضمانات القانونية تحت عنوان مكافحة الجرائم السيبرنية.
إنّ الإصلاح الحقيقي يقتضي إعادة النظر في المرسوم بصورة شاملة، بما يضمن التمييز الواضح بين الجرائم السيبرنية الحقيقية وبين قضايا التعبير والنشر، ويؤسس لتشريع يحمي الأنظمة المعلوماتية والمعطيات الرقمية دون أن يتحول إلى أداة للمساس بالحقوق والحريات الأساسية. كما يقتضي مراجعة العقوبات غير المتناسبة، وضمان حماية المعطيات الشخصية، واحترام سرية المصادر الصحفية، وتعزيز الضمانات القضائية المتعلقة بحقوق الدفاع وقرينة البراءة والخصوصية.
فالدولة الديمقراطية لا تُقاس فقط بقدرتها على مكافحة الجريمة، بل أيضا بقدرتها على حماية الحريات أثناء ذلك، وبصياغة قوانين دقيقة ومتوازنة لا تسمح بتحويل النصوص القانونية إلى وسائل للتخويف أو التضييق أو تصفية الخصوم السياسيين والفكريين.
ولذلك، فإن النقاش الجاري اليوم حول المرسوم 54 يجب ألا ينتهي عند الفصل 24، بل ينبغي أن يكون فرصة حقيقية لإعادة التفكير في كامل المنظومة القانونية المتعلقة بالفضاء الرقمي والحريات الرقمية في تونس.



شارك رأيك