زيارة ترامب للصين  وسكرةُ الحرب على إيران

جاءت سكرة الحرب بعد أن كشّر ترامب عن أنيابه مرة أخرى، وهدد إيران بعمل عسكري حتى تخضع لشروطه، وإلا فإنه سينفذ تهديده بإبادتها من على وجه الأرض، ولكنه سيتريث قليلا حتى يُتمّ جولته إلى الصين…

فوزي بن يونس بن حديد

لعل بكين تهدّئ من روعه قليلا وترشفه شيئا من العقلانية والحكمة الصينية التي طالما رسّخ جنباتها الفيلسوف الكبير كونفوشيوس الذي لم يعتبر الحرب حلّا للمشكلات، بل دعا إلى تجنبها قدر الإمكان، وبدلًا من القوة العسكرية، أكد في فلسفته على أن القيادة الحكيمة يجب أن تعتمد على الأخلاق والفضيلة لتحقيق السلام والوئام الاجتماعي، وهو ما لم يفهمه ترامب ولا يريد أن يفهمه، لأن منطق المغول هو الذي عشّش في ذهنه ويدعوه إلى التدمير وإخضاع إيران بالقوة بدل الأخلاق والقانون الدولي الذي مات وبات في حكم المريض الذي لا يُرجى برؤه.

يبقى سقف الحرب عاليًا

وفي هذا الإطار من العمق الاستراتيجي لماهية الحرب، يغرق ترامب في وحل نتنياهو الذي يندفع وراءها بلا حساب، ويسعى إليها من غير تفكير ظنا منه أنها السبيل الوحيد لإخضاع إيران، وأن أمريكا وإسرائيل قادرتان على فعل ذلك، ولكنه نسي أنه ونتنياهو كانا في حرب الأربعين يوما، ولم يحققا ما يريدانه من إسقاط النظام في إيران، والسيطرة على آبار النفط، والتحكم في النظام السياسي بطهران، ولكن إيران لم تسمح بذلك ولن تسمح لأي قوة أجنبية أن تحتل أرضها، ومن يرى أن ترامب مصرٌّ على العمل العسكري فلا يُعزى ذلك إلا لفشله في إيجاد مخرج حقيقي للمأزق الذي ورّط نفسه فيه ولم يستطع الخروج منه بسهولة أمام إصرار إيران على موقفها الرافض للمحادثات وفتح مضيق هرمز بسبب تعنت ترامب وتمسّكه باستسلام إيران وخضوعها لقراراته.

فنحن اليوم أمام جولة جديدة من العمل العسكري في الحرب العدوانية على إيران، لكن إيران فهمت الرسالة منذ وقت وحتى قبل أن تفاوض الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وتحشد بوارجها الحربية وعتادها العسكري بشكل مخيف ينذر بوقوع حرب جديدة.

 وفي كل الأحوال، قد تتغير مواقف ترامب بعد لقائه الرئيس الصيني في بكين، وقد تحدث اختراقات جديدة في الأيام القادمة لكن يبقى سقف الحرب عاليًا ما دام نتنياهو يضغط على ترامب من جهة واللوبي الصهيوني في أمريكا من جهة أخرى، لتدمير ما تبقى من النظام الإيراني، والعمل على تغطية ملفات الفساد المرتبطة بنتنياهو، والاتهامات الموجّهة لترامب والمتعلقة بعلاقته بجيفري ابستين الذي هز العالم في فترة ما.

تجنيب المنطقة حريقًا قد لا ينطفئ

وفي المقابل نجد إيران تستعد للمواجهة بطريقة مختلفة جدًّا عما كانت عليه في حرب الأربعين يومًا، هذه المرة لن تسكت كثيرا، ولن توقف الحرب حتى تتأكد تمامًا من أن أمريكا وإسرائيل لن تشنّا عليها حربًا مرة أخرى، كما أنها أعدّت خططها العسكرية مع أهمية أن يكون المسؤولون الكبار في الدولة على حذر كبير مما سيكون، فإسرائيل أعدت قائمة بالشخصيات التي ستغتالها وهذه هوايتها المفضّلة التي تتفنّن وتبْرعُ فيها، وأمريكا تهتم بالقصف الجوي العنيف الذي سيطال المنشآت المدنية للضغط أكثر على النظام الإيراني، ومع توازي الأهداف الأمريكية الصهيونية تضطر طهران إلى ممارسة حقها في الدفاع عن نفسها بكل ما أوتيت من قوة للتعبير عنها بوسائل متعدّدة وجديدة ومتنوعة.

لكن رغم هذا الجوّ المشحون من الأخذ والرد، والمدّ والجزر، قد تظهر وساطات جديدة تدخل في الحسابات، وتحاول الضغط أكثر على واشنطن وإيران بأن تذهبا إلى المُحادثات من جديد وإحداث خرق آخر لتجنيب المنطقة برُمّتها لهيبًا وحريقًا قد لا ينطفئ أبدًا، وبالتالي قد نرى جولات أخرى من الزيارات هنا وهناك لعلّها تخفّف وتبدّد المخاوف التي طالت العالم من أقصاه إلى أقصاه وتصنع السّلام وإن كان جزئيًّا في مرحلته الأولى، فأيُّهما ستنتصر؟  لغة العقل والحكمة أم لغة القوة والبطش؟

شارك رأيك

Your email address will not be published.