لأن عظمة تونس وتراثها أصبحا اليوم ماركة (brand)، فقد أضحت هدفا لمحاولات السلب التاريخي والتراثي… هذا مصير كل من له ثقل تاريخي مرعب. من الحضارة القبصية مرورا بقرطاج وصولا إلى القيروان ثم الزيتونة… بل إن كل ولاية في تونس كانت يوما مركزا حضاريا…
سامي الجلّولي *

ولد القائد القرطاجي حنبعل في تونس بعد تأسيس قرطاج بنحو 600 سنة، أي إن أجداده ولدوا ونشأوا على هذه الأرض. ورغم ذلك، يحاول البعض، بدافع الحقد أو الجهل، نسبته إلى الفينيقيين، في حين أثبتت الحفريات وتحاليل الحمض النووي (DNA) أن الوجود المشرقي كان محدودا جدا وأن قرطاج في جوهرها حضارة محلية…
لم يكن حنبعل يتلقى أوامره من الشرق، بل كان يقاتل من أجل إمبراطورية عاصمتها تونس الحالية، مدافعا عن تراب وطنه وعن عاصمة أجداده ولم يزر مدن المشرق يوما…
إن وصفه بالفينيقي ليس تزويرا للتاريخ فحسب، بل هو إنكار لقوة هذه الأمة وعمقها، تماما كمن يصف أمريكيا اليوم بأنه إنجليزي لأن أصوله تعود إلى لندن قبل ثلاثة قرون… لكن رغم فارق 600 سنة، لم يثبت أن لحنبعل أصولا فينيقية أو مشرقية…
لقد كانت دماء حنبعل وقرطاج تونسية خالصة، فلم يثبت عن الفينيقيين أنهم كوّنوا إمبراطورية عسكرية في المشرق، فما بالك أن يكوّنوها في تونس… فالقادة العسكريون الأفذاذ هم نتاج هذه الأرض وصلابتها…
أما ابن خلدون، فقد ولد وتعلّم ونشأ وتربّى في تونس ومع ذلك يصرّ البعض على إنكار تونسيته… فالعالم أجمع يعترف به أول مؤسّس لعلم الاجتماع، تونسي المولد والنشأة والتعليم… وإن إنكار تونسيته بناء على أصول أندلسية أو حضرمية بعيدة هو ضرب من العبث الفكري…
فلو اتبعنا منطق هؤلاء، لنسبنا لأنفسنا عشرات الشخصيات العالمية التي ولدت في تونس أو عاشت فيها. فالهواري بومدين، الرئيس الجزائري الأسبق، درس وتخرّج من جامعة الزيتونة التونسية، والمناضلة جميلة بوحيرد والدتها تونسية وأحلام مستغانمي ولدت وعاشت في تونس… ومع ذلك لم نصادر هوياتهم…
ورجل السياسة دومينيك ستروس كان (Dominique Strauss-Kahn) والدته تونسية، ولم نقل يوما إنه تونسي…
حتى زوجة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون يشاع أنها تونسية، ولم يخرج منّا من يقول إننا نحكم نصف الجار بناء على منطق المرأة نصف المجتمع، بل نعتبر هذه الروابط جسورا للمودة وقوة ناعمة لا أداة للهيمنة…
في المقابل، ولد الرئيس الجزائري الراحل بوتفليقة في المغرب، ولم نسمع مغربيا يحاول سلب هويته الجزائرية…
ونابليون بونابرت ذو أصول إيطالية… ولم نسمع إيطاليّا قال إنه إيطالي…
والرئيس الفرنسي السابق ساركوزي (Sarkozy) من أصول مجرية… ولم يجرده المجريون من فرنسيته…
وجدّ الرئيس الأمريكي ترامب (Trump) من ألمانيا… ولم يخرج ألماني ليسلب ترامب هويته الأمريكية…
العديد من المشاهير العالميين ولدوا في تونس مثل Claudia Cardinale و Michel Boujenah و Patrick Bruel و Serge Moatti و Felix Gray و Dany Brillant و Bertrand Delanoë و Gisèle Halimi وغيرهم كثيرون… يذكرون باعتزاز أن تونس أرض ميلادهم ومنهم من يقضي تقاعده في منزل طفولته بتونس… نحن نعتبرهم سفراء لثقافتنا، لكننا لا نصادر هوياتهم الوطنية الحالية، لأن تونس لا تحتاج للتمسّح بأمجاد الآخرين، فمخزونها الحضاري فائض عن الحاجة…
ولأن عظمة تونس وتراثها أصبحا اليوم ماركة (brand)، فقد أضحت هدفا لمحاولات السلب التاريخي والتراثي… هذا مصير كل من له ثقل تاريخي مرعب. من الحضارة القبصية مرورا بقرطاج وصولا إلى القيروان ثم الزيتونة… بل إن كل ولاية في تونس كانت يوما مركزا حضاريا…
لا أحد ينكر أننا اليوم أمام محاولات خارجية لا تتوقف لضرب مفهوم الدولة الوطنية عبر استدعاء أنساب تعود لآلاف السنين وتوظيفها سياسيا. لهذا، نحن في حاجة ماسة لثورة ثقافية في المناهج التعليمية والإعلام لحماية الأجيال القادمة من هذا التزييف…
* مستشار قانوني.
كان حنبعل قرطاجيا بدمائه وترابه وعبقريته وكان ابن خلدون تونسيا بعقله ومنشئه وكتاباته. تونس لم تكن يوما مجرد فندق يمر به العظماء، بل كانت المصنع الذي صقل عبقرياتهم…
ستبوء كل محاولات الطعن من الخلف بالفشل. فالتاريخ قد يدمّر شعبا، لكنه لن يستطيع تدمير أمّة…



شارك رأيك