لم يكن قرار السيد الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بتونس باستئناف إجراءات انعقاد الجلسة العامة الاستثنائية للمحامين المنعقدة بتاريخ غرة ماى 2026 مجرد تصرف عادى تم الالتجاء إليه بصورة عادية لتحقيق هدف عادي و في نطاق ما تختص به النيابة من إجراءات بصفتها من تحمي الصالح العام و من تشرف على سلامة إجراءات الهياكل التابعة لها بالنظر.
أحمد الحباسي *

يجمع المتابعون أن قرار النيابة بقدر ما كان منتظرا بقدر ما كشف حالة الاحتقان التي باتت تميّز العلاقة بين مكونات الجسم القضائي باعتبار أن المحاماة قد كانت دائما في الصفوف الأولى للدفاع عن مصالح القضاة كما كانت دائما مساندة وفية و فاعلة في كل تحركات القضاة و دفعت فاتورة تلك المساندة باهظا لأن السلطة القائمة لم تكن تنظر بعين الرضا إلى كل ما يصدر عن عمادة المحامين في علاقة بمساندتها لقطاع القضاء.
حتى نفهم لماذا حصل تدخل النيابة العمومية ممثلة في السيد الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف فيجب الولوج بكثير من الانتباه و الحذر في محتوى القرارات الأخيرة الصادرة عن عمادة المحامين التي أثارت كثيرا من اللغط والهرج و المرج سواء على مستوى المحامين أنفسهم على أساس أن قرار الإضراب موضوع محضر انعقاد الجلسة العامة بتاريخ 1 ماى 2026 لم يكن محل إجماع تام أو على أساس أن مثل هذا القرار سيدخل العمادة في صراع مع سلطة الإشراف التي ترى فيه نوعا من الإسراف في التشهير و ضربا مقصودا لمرفق العدالة.
المرفق القضائي مريض و يحتاج إلى طبيب ماهر
لا جدال اليوم أن أية هيئة مهنية تقرر الدخول في مناكفة أو مواجهة أو صراع تصعيدي احتجاجي بلا سقف دون الأخذ بعين الاعتبار أن السلطة لم تعد تقبل بهذه الاحتجاجات في وقت تجد فيه نفسها محل اتهامات خارجية متعددة في علاقة بحرية التعبير و حرية التظاهر و ممارسة الحقوق المتعلقة بالنشاط السياسي أو الحزبي فهي تضع نفسها على فوهة بركان بحيث لن تغفر السلطة مثل هذا الإضراب الجماعي و ستواجهه بفتح ملفات المحامين و ملف العمادة نفسها و هو الأمر الذي انتبه إليه بعض المحامين المعارضين للإضراب.
المرفق القضائي مريض و معتلّ و يحتاج إلى طبيب ماهر لينقذه من السقوط و هذا ليس سرّا بالطبع لكن السلطة ترى أنها لا تقدر لضعف الإمكانيات على مواجهة متطلبات تحسين هذا المرفق سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المعدّات و بالمقابل فان عمادة المحامين التي تمثل مصالح منظوريها لا ترى الأمر بنفس الرؤية بل أنها تصرّ حسب كافة بياناتها المتواترة و من أكثر من فرع داخل الجمهورية على أن حالة المرفق القضائي قد تهرّأت على كل المستويات بحيث لم تعد قادرة على تحمل وضع يعيقها عن ممارسة مهامها بشكل موضوعي و معقول.
اللافت هنا أن سلطة الإشراف قد تعمدت منذ ساعات نشر بيان مقتضب جدا للرأي العام لم يشر إلى وجود مساع لحلحلة الأمور أو الدعوة للحوار أو عرض الحلول أو الاعتراف على الأقل بوجود مشكل عميق ينخر المرفق القضائي بل أنه قد كان لافتا مدى تجاهل الوزارة للمحامين حين لم تكلف نفسها ذكر التسمية الصحيحة لعمادة المحامين مكتفية بتسميتها “بهيئة المحامين”.
من الواضح من البيان المتوتر للوزارة و من محاولتها تهميش تحركات المحامين و تجاهل قرار العمادة أن هذا البيان قد أخفى حقيقة موقف الوزارة من دعوة المحامين إلى مقاطعة الدوائر الجزائية التي لا تحترم تركيبتها الصيغ القانونية لتعيين أعضائها و التي تتعمد حسب وجهة نظرها خرق معايير المحاكمة العادلة بل أن بيان العمادة قد هدد بشدة منظوريه من أي تجاوز سلبي لهذه الخطوات داعيا إياهم لممارسة حرية التعبير فى الفضاء العام و التنديد بالأزمة التي يعانى منها المرفق القضائي بصورة عامة.
الوزارة لن تسمح لعمادة المحاماة من تسجيل نقاط سياسية
لا شك أن بيان الوزارة و لئن همّش تحركات العمادة و سخّر النيابة للطعن في قرار الإضراب بعلّة اتخاذه بصورة مخالفة للقانون و بالذات الفصل 54 من المرسوم عدد 79 لسنة 2011 المنظم لمهنة المحاماة فان هذا التصرف و بغض النظر عن مدى تطابقه مع القانون فهو تأكيد قوي أن الوزارة لن تسمح لعمادة المحاماة من تسجيل نقاط سياسية باستغلال بعض الظروف السيئة التي يمر بها المرفق القضائي منذ ما قبل الثورة إلى الآن بل أن مجرد إشارة بيان الإضراب لتركيبة الدوائر الجزائية يعطيها الدليل القاطع على أن المطلب المهني في ظاهره هو مطلب سياسي مكشوف و بامتياز.
لا يمكن أن نمر مرور الكرام دون لفت النظر إلى أن هناك إقرار لدى المتابعين أن قرار الإضراب قد خالف فعلا مقتضيات الفصل 54 المذكور بحيث لم يتوفر النصاب القانوني فعلا عند اتخاذه كما تسرب خطأ فادح في تركيبة مجلس التأديب و هنا تطرح أسئلة عديدة من أهمها كيف لعمادة المحامين أن تطالب منظوريها بمقاطعة الدوائر الجزائية التي لا تحترم تركيبتها الصيغ القانونية في حين أنها لا تحترم هذه الشكليات سواء عند اتخاذ قرار الإضراب رغم عدم حضور النصاب القانوني أو الاعتماد في ذلك على تركيبة معتلة لمجلس التأديب ؟
من المهم أيضا و بالتوازي أن نشير إلى الخطأ الفادح الذي تضمنه بيان وزارة العدل حين أشار إلى أن المحاكم ستواصل سيرها العادي للفصل في القضايا المنشورة متجاهلة عن عمد أن الفصل في القضايا الجنائية مثلا يتطلب وجوبا حضور المحامي و بذلك تؤكد الوزارة بنفسها الاتهامات المتعددة التي تطالها في علاقة بتوفر ظروف المحاكمة العادلة.
المؤكد فعلا أن ما حدث يدلّ على حالة احتقان يريد من ورائها ربح نقاط سياسية لا علاقة لها بمصلحة المتقاضين الأمر الذي سيؤدى في كل الحالات إلى مزيد من تردى حالة المرفق القضائي.
* كاتب و ناشط سياسي.



شارك رأيك