الدولة والمؤسسات والنُّخـب في تونس

ينطلق عنوان المقال من رصد تحليلي لأسئلة  متداولة حول النخب والقيم والشأن العام، ليمتد نحو تفكيك العلاقة الجدلية بين الدولة ومؤسساتها وآليات صعود القادة والمسؤولين عامة. وهو تفكيك يسعى بهدوء ورصانة، إلى الجمع بين التحليل التراثي والسوسيولوجي، والتعمق في الرؤية القانونية والهيكلية للمرفق العام، وصولاً إلى المسألة الحيوية المتمثلة في تحصين الدولة بوعي مواطنيّ ينبع من القواعد الشعبية ذاتها.

        العقيد محسن بن عيسى *

سؤال: كيف نقرأ نصوص التراث في ميزان العمران البشري؟

ورد في أحد المنشورات العربية المتداولة خارج تونس قولٌ منسوبٌ إلى ابن خلدون ولم يُعثر عليه في مقدمته: «لا تعلّموا أبناء السفهاء منكم وإن علّمتموهم فلا تولّوهم شؤون الجند ولا القضاء لأنهم إذا تعلموا، أي أصبحوا ذوي نفوذ ومناصب نتيجة لهذا التعليم، اجتهدوا في إذلال الشرفاء». وأضاف المنشور أنّ أحد ملوك العرب أصدر مرسومًا ملكيًا بألاّ يلتحق بكليات الطب والحقوق والأمن والجيش إلا من كان من أبناء “العائلات الكريمة” اقتداءً بهذا القول، مع الإشارة إلى أنّ النخب التي تولّت الحكم بعد ذلك كانت أغلبها من أبناء هذه الطبقة، وأنها انقلبت عليه لشيء فيه أو فيهم.

والحقيقة أنّ مثل هذا الطرح، رغم ما قد يبدو فيه من حرص على الأخلاق والانضباط، يحتاج إلى كثير من التروّي والإنصاف في قراءته التاريخية والسياسية والاجتماعية. فمن جهة، لا يصح أن تُحمّل نصوص التراث ما لم تقصده، فقد كان ابن خلدون محللًا عميقًا لأحوال الدول والعمران البشري، يرصد ظواهر عصره وتقلبات السلطة والتعصب، ولم يكن غرضه وضع معيار ثابت يقسم البشر إلى طبقات تحتكر الفضيلة وأخرى تحمل الفساد في أصلها وطبيعتها.

ثم إنّ التجربة الإنسانية، كما التجربة الوطنية التونسية، أثبتتا أن القيم والاستقامة لا ترتبطان باسم العائلة ولا بالمكانة الاجتماعية. فقد ضمّت الحركة الوطنية التونسية وبناء دولة الاستقلال أبناء أوساط شعبية كفرحات حشاد  والباهي الأدغم كما ضمّت أبناء عائلات ميسورة كالبشير صفر والفاضل بن عاشور، وأنجبت الإدارة والجامعة والقضاء ومؤسسات الدولة رجالًا ونساءً من مختلف الجهات والطبقات أدّوا واجبهم الوطني بكفاءة ونزاهة. وفي المقابل، لم يكن الفساد يومًا حكرًا على فئة دون أخرى، لأنه يرتبط بضعف الضمير، وسوء التربية، واستغلال النفوذ، لا بالأصل الاجتماعي للإنسان.

سؤال: أين تقف الدولة بين منطق المؤسسات ومنطق الاستعراض؟

وبحكم المعايشة اليومية وما راكمته التجربة المهنية داخل مؤسسات الدولة، فإنّ المجتمع يعرف جيدًا أن تجاوز القانون، أو توظيف السلطة للمصلحة الشخصية، ليست سلوكيات مرتبطة بطبقة بعينها، بل هي أمراض يمكن أن تظهر حيث يغيب الوازع الأخلاقي وقيم المسؤولية. غير أنّ ما حفظ توازن الدولة والمجتمع عبر المراحل المختلفة هو وجود رجال ونساء من أهل الكفاءة والمروءة والاستقامة وقفوا دائمًا، بدافع الواجب والضمير، في وجه العبث والانحراف.

ولعلّ من أبرز مظاهر الخلل (خاصة في المرحلة التي تلت سنة 2011) اهتزاز هذا المنطق المؤسساتي لصالح صعود “وجوه” لم تولد من رحم الدولة وتجربتها، بل أفرزتها الشاشات ووسائط الاتصال الحديثة والفضاءات الافتراضية، حيث تحوّل معيار الجدارة والكفاءة الحقيقية إلى معيار “الفرصة” و”الاستعراض” عبر المنابر وشبكات التواصل، ممّا ملأ الساحة بعروض مستمرة للمقولات والشعارات والسير الذاتية الجاهزة والافتراضية.

إنّ خطورة هذا التصور الاختزالي تكمن في كونه يفتح المجال للصدفة والارتجال والشعبوية، في وقتٍ تُقاس فيه جديةُ الدول بقدرتها على الفعل لا ببلاغة الخطاب. وحين يَختل ميزان النخب وتتراجع هيبة المؤسسات أمام ضوضاء الاستعراض، تتحول الدولة من إطار جامع للمصلحة الوطنية إلى رهينة للانفعالات الجماهيرية العابرة. فالدول الراسخة لا تصنع قادتها على عجل، وإنما تفرزهم، مع الزمن، من داخل مؤسساتها ومن خلال الخبرة والتدرّج والقدرة على فهم المجتمع والدولة معًا.

سؤال: كيف نحقق الإصلاح الهيكلي عبر مسالك الانتداب والتكوين؟

إنّ الانتقال بالدولة إلى الأفق المؤسساتي الراسخ لا يمكن أن يظلّ مجرد شعار، بل يتطلب سياسة إصلاحية كبرى تعيد صياغةَ آلياتِ إنتاجِ القادة، وتُعيد ضبطَ منطقِ عملِ الدولة ومؤسساتها، سياسة تقوم على ثلاثة محاور دقيقة:

أولها، مراجعة مسالك الانتداب بالانتقال من الشهادات النظرية إلى معايير “الكفاءة الوظيفية” والجاهزية النفسية والسلوكية للمرافق السيادية، مع فرض التدرج الميداني كشرط إلزامي للخطط القيادية لمنع التعيينات المـُسقطة.  وثانيها، إرساء منظومة تكوين تبني “عقيدة المرفق العام” وتركز على ثقافة الدولة وواجب التحفظ، وتجعل الترقية مرتبطة باجتياز دورات تأهيلية متجدّدة. وثالثها، تفعيل الرقابة عبر مصالح التفقديات العامة وربط المسؤولية بمؤشرات أداء دقيقة، لتكون السّند المنيع ضد أي سلوكيات دخيلة تسيء لهيبة الدولة.

سؤال:  ما هو دور الثقافة السياسية والمواطنة في تحصين القواعد؟

غير أنّ إصلاح مسالك الدولة من الأعلى، على أهميته وقيمته، يظلّ منقوصاً ما لم يسنده وعيٌ مواطنيّ وثقافة سياسية ناضجة من الأسفل. فالقواعد الشعبية هي البيئة الحاضنة التي تفرز النخب وتمنحها الشرعية عبر الاختيار، وإذا ما طغت على هذه البيئة ثقافة السطحية أو غابت عنها قيم المسؤولية، تصبح أرقى القوانين عاجزة عن حماية الفضاء العام من الاختراق.

إنّ الثغرة الحاصلة اليوم في وعي المجتمع السياسي ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج تراكمي تتقاسم مسؤوليته السياسات التعليمية والتثقيفية التي أفرغت المناهج من الفكر النقدي، مثلما تتحمل مسؤوليته نخب فكرية وأكاديمية انكفأت في أبراجها العاجية. وحدّث ولا حرج عن الأحزاب التي كان من المفروض أن تكون رائدة في التكوين السياسي والوطني خدمة للشأن العام ومصلحة البلاد، تاركةً الفراغ لخوارزميات افتراضية توجّه الرأي العام بالإثارة، وتصنع وجوهاً بلا رصيد مؤسساتي.

إنّ بناء الدولة الراسخة يتطلب جهداً تضامنياً يعيد للمدرسة والجامعة والوسائط الثقافية والإعلامية دورها في صياغة العقل المواطني، ليكون الاختيار الشعبي مبنياً على العقل والاتزان والالتفات إلى ما ينفع الناس بعيدًا عن التعبئات المؤقتة.

سؤال: كيف نمضي نحو أفق وطني أكثر رصانة؟

إن المجتمعات الحديثة وهي تواجه تحدياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الجسيمة، ليست في حاجة إلى إحياء منطق الفرز الطبقي بين الناس. الحاجة ملحة اليوم لترسيخ دولة القانون، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالكفاءة والأمانة، وإعادة الاعتبار لقيم العمل والاحترام والواجب الوطني.

فالأوطان لا تحفظها الضوضاء، ولا الاستعلاءات الاجتماعية، ولا الادعاءات الاستعراضية، وإنما يحفظها توازن المجتمع، وحضور الضمير، وبقاء أهل المروءة والاستقامة في شتى المواقع قادرين على مقاومة الانحراف وصون الدولة من الانهيار.

* ضابط متقاعد من الحرس الوطني.

شارك رأيك

Your email address will not be published.