*بقلم فاهم بوكدوس
رسالة تخييلية من مهاب السنوسي ورفاقه الى وائل نوار ورفاقه:
من وراء القضبان، البحر ما يزال يتّسع لفلسطين
إلى رفاق البحر والكرامة،
إلى قادة أسطول الصمود الأوّل الموقوفين في تونس،
إلى الذين حاصروا السجن بالمعنى، فصار القيد على أيديهم شاهدًا على خوف الطغاة من الكلمة الحرّة،
نكتب إليكم من قلب الاحتجاز، من خلف أبواب المعتقلات الصهيونية، حيث يحاول السجّان أن يقيس الحرية بعدد الأصفاد، وأن يقنع نفسه أنّ الحديد أقوى من الفكرة. لكنّنا، كما أنتم، تعلّمنا منذ الخطوة الأولى نحو فلسطين أنّ الحرية ليست مكانًا نعيش فيه، بل موقفًا نحمله مهما ضاقت الجدران.
رفاقنا،
حين أبحرنا كنّا نعرف أنّ الطريق لن يكون مفروشًا بالأمان، وأنّ البحر الذي حمل أحلام الشعوب سيحمل أيضًا تهديدات المحتل وغضبه.
كانوا يظنون أنّ أصوات الوعيد، وتهديدات إيتمار بن غفير الجديدة، ستعيدنا إلى المرافئ خائفين، لكنّهم لم يفهموا أنّ من جعل من غزة قبلته لا يخاف العواصف، وأنّ الذين تعلّموا منكم معنى الصمود لا يمكن أن تُرهبهم سفن الحرب ولا بيانات التهديد.
بل أكثر من ذلك،
كلّما سمعنا صراخ بن غفير ووعيده، تذكّرناه يوم واجهتموه بلا خوف، يوم رفعتم علم فلسطين في وجهه، لا كقطعة قماش، بل كصفعةٍ أخلاقية في وجه غطرسته، وكإعلانٍ مدوٍّ أنّ هذا العلم الذي يحاول الاحتلال دفنه تحت الركام ما يزال قادرًا على إذلال صلفه وتمريغ جبروته في الوحل.
تذكّرناه يوم ارتبك أمام حفنة أحرار يحملون راية فلسطين بصدور عارية وإرادة لا تنكسر.
هناك فهمنا جميعًا أنّ الاحتلال، مهما امتلك من عنف، يبقى هشًّا أمام إنسان حرّ يرفض الانكسار،
وفهمنا أيضًا لماذا يخافون من العلم الفلسطيني أكثر مما يخافون من الجيوش، لأنّه يذكّرهم دائمًا أنّ الحقيقة ليست معهم، وأنّ كلّ هذا البطش ليس إلا محاولة يائسة لتأجيل سقوط الرواية الكاذبة.
كنتم قبلنا هناك،
وقفتم في وجه الصمت العربي والدولي، ورفعتم اسم فلسطين عاليًا بينما كان كثيرون يساومون على الوجع الفلسطيني أو يعتادونه. واليوم، ونحن نعيش التجربة نفسها، نفهم أكثر لماذا أزعجتهم الحقيقة، ولماذا خافت منكم السلطات، ولماذا أرادوا أن يجعلوا من محاكماتكم رسالة تخويف لكلّ من يفكر أن يسلك طريق الحرية،لكنّهم أخطأوا الحساب،لأنّ السجون لا تُطفئ القضايا العادلة، بل تمنحها صوتًا أعلى،
ولأنّ المعتقل لا يصنع الهزيمة، بل يكشف من الحرّ ومن الأسير الحقيقي.
أنتم في السجون التونسية، لكنّكم أحرار،
ونحن في المعتقلات الصهيونية وأكثر حرية،
نعم، أكثر حرية،
لأنّ الحرّ هو من يختار موقفه بإرادته، لا من يتحرّك داخل مساحة الخوف المرسومة له.
ان الحرّ هو من يعرف لماذا يُعتقل، ولماذا يدفع الثمن، ولماذا يظلّ متمسكًا بالحلم رغم العتمة،امّا سجّاننا، بكلّ أسلحته وأسلاكه وكاميراته، فهو أسير خوفه من الحقيقة، وأسير رعبه من شعب لم يهزمه الحصار ولا المجازر ولا السجون.
هنا، داخل الزنازين، نحاول أن نعدّ المسافات بيننا وبين غزة، فنكتشف أنّها أقرب إلينا من كلّ العواصم البعيدة عن وجعها،
وحين يشتدّ الليل، نستعيد صوركم وأنتم تواجهون القيد بجباه عالية، فنشعر أنّنا لسنا وحدنا، وأنّ هذا الخيط الممتدّ بين تونس وفلسطين لم يعد مجرد تضامن، بل صار قدرًا أخلاقيًا وجسرًا من الكرامة لا تستطيع الجيوش قطعه.
رفاقنا،
إنّهم يريدون إقناع العالم أنّ السفن انتهت، وأنّ الحصار انتصر، وأنّ الناس تعبت من فلسطين، لكنّ الحقيقة التي نراها هنا كلّ يوم هي عكس ذلك تمامًا،فكلّ معتقل جديد يولد معه صوت جديد، وكلّ سفينة تُمنع تولد بعدها عشرات الأفكار والمبادرات، وكلّ محاولة لخنق القضية تجعلها أكثر حضورًا في ضمير الأحرار.
لقد أدركنا، أكثر من أي وقت مضى، أنّ الحراك الأممي من أجل فلسطين لم يعد حدثًا عابرًا، بل صار وعيًا عالميًا يتقدّم رغم كلّ القمع.
قد يحتجزون أشخاصًا، لكنّهم عاجزون عن اعتقال المعنى،
وقد يصادرون سفينة، لكنّهم لا يستطيعون مصادرة البحر،
وقد يبنون السجون فوق الأرض كلّها، لكنّهم لن يجدوا جدارًا قادرًا على حبس فكرة الحرية.
لهذا نكتب إليكم اليوم لا لنشكو الأسر، بل لنؤكد العهد،
نحن نواصل الطريق الذي بدأتموه،
نحمل الراية نفسها، والبوصلة نفسها، والإيمان نفسه بأنّ فلسطين تستحق أن نعبر إليها كلّ المخاطر.
وإن طال الطريق، وإن ادلهمّت السبل، وإن تكاثرت الخيبات، فسيبقى في هذه الأمة من يفتح البحر نحو غزة، ومن يصرخ باسم فلسطين حين يصمت الجميع.
قولوا لمن يراهن على التعب إنّنا لم نتعب،
وقولوا لمن يراهن على الخوف إنّنا عبرناه منذ أول خطوة نحو البحر،
وقولوا لمن يظن أنّ الاعتقال نهاية الحكاية إنّ أجمل الأفكار في التاريخ خرجت من الزنازين.
نحن وأنتم اليوم لسنا مجرد معتقلين،
نحن شهود على زمن يُكشف فيه الفرق بين من يعيش لنفسه، ومن يعيش لقضية أكبر من عمره وحدوده وخوفه.
ومن بين جدران الأسر، نؤمن أكثر من أي وقت مضى أنّ فلسطين لا تنتظر الأبطال الخارقين، بل تنتظر فقط أولئك الذين يرفضون التخلّي عنها.
سلام لكم أيها الأحرار،
سلام لخطاكم التي سبقتنا إلى البحر،
سلام لقلوبكم التي جعلت من تونس نافذة أخرى لغزة،
وسلام لفلسطين،
التي ما تزال تجمعنا، مهما فرّقت بيننا السجون والحدود والبحار.
المجد للحرية،
المجد للأسرى،
والنصر لفلسطين.
*ف.ب: رئيس المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين التونسيين



شارك رأيك