المخرجة السينمائية الفلسطينية :جمان قنيص

حاورها : طارق العمراوي
أرى أن الصمت أداة عظيمة لإيصال لغة إنسانية سينمائية بحتة تعتمد على فنون التصوير والإخراج والأداء.

الحركة النقدية السينمائية في فلسطين لا تزال غير قادرة على مواكبة غزارة الإنتاج، لكنّ النقد السينمائي العربي والعالمي للأفلام الفلسطينية على وجه التحديد يثري التجربة الفلسطينية ويرفع سقف المعايير المنتَظرة منها.

س1 كيف تقدمون المخرجة جمان قنيص
جمان قنيص، فلسطينية تعود أصولها إلى قرية عين كارم غرب القدس التي هُجّر أجدادها منها عام 1948. عاشت في بيت لحم، المدينة التي وُلد بها السيد المسيح عليه السلام، والتي يخنقها جدار الفصل العنصري من كل الجهات الآن.
جمان تؤمن أنه تحت كل حجر في فلسطين، توجد قصة تستحق أن تُروى. هذا هو سبب توجهها إلى إخراج الأفلام بعد أن عملت سنوات في الإذاعة والتلفزيون.
تعتقد أن الأفلام السينمائية، بكل أنواعها، تسهم في حفظ السردية الفلسطينية التي تواجه خطر المحو والتشويه.

س2 لماذا الصمت كعلامة سينمائية وتقنية رفيعة لفيلمكم الأخير” مقيد بالأغلال محرر بالحب”؟
بدأت السينما بالأفلام الصامتة كما نعرف، ولم يمت الفيلم الصامت بتطور الصوت وتقنياته. أرى أن الصمت أداة عظيمة لإيصال لغة إنسانية سينمائية بحتة تعتمد على فنون التصوير والإخراج والأداء. فالفيلم الصامت تحدًّ كبير للمخرج ولكاتب السيناريو لأنه يعتمد على المعالجة البصرية للفكرة، والقدرة على تطويع الإضاءة واللقطات وحركة الكاميرا وأداء الممثل من أجل إيصال الفكرة.
أنتجتُ وأخرجتُ هذا الفيلم أثناء إقامتي في إنجلترا. كانت فكرتي أن أنتج فيلما يفهمه كل من يشاهده بغض النظر عن لغته أو جنسيته أو مكان إقامته. أعتقد أني وُفَّقتُ في ذلك.

س3 هل على المخرج الفلسطيني الحديث عن واقع القضية فقط؟
بالتأكيد لا. ليس على المخرج الفلسطيني تناول واقع القضية بالمعنى السياسي المعروف. فنحن في فلسطين، كالناس في أي مكان في العالم، نعيش حياتنا الخاصة التي قد لا تصطدم بشكل مباشر بالاحتلال. لكنها في النهاية كلها محكومة بالاحتلال حتى لو لم نختر بالضرورة أن نكون جزءا من القصة السياسية الكبيرة. لأن الاحتلال يتغلغل في كل تفاصيل حياتنا وينغصها ويفسدها ويشوهها. فمثلا، ممكن أن يكون أحدنا في طريقه لشراء لعبة لابنته ويصبح، دون إرادته، قصة اليوم، إن اختاره أحد جنود الاحتلال أو مستوطنيه أن يكون ضحيته، دون أي سبب. لذلك، يجد المخرجون الفلسطينيون أنفسهم منجذبين قسرا إلى واقع الاحتلال الذي يطغى على كل تفاصيل الحياة.
لكن، أنا أؤمن أنه عندما نتحرر من الاحتلال، سيقدم المخرجون الفلسطينيون أجمل الأفلام عن حياة البشر دون الاحتلال. ونحن فعلا نتوق إلى ذلك ونحلم بتلك اللحظة.

س4 هناك من يعتبر أن السينما الفلسطينية محطة توثيقية للقضية الأم ولا ترتقي إلى سينما ذات أبعاد جمالية ورسائل وأسئلة. كيف تقيمون المسيرة المشرفة للسينما الفلسطينية؟
كثيرون يرون أن السينما الفلسطينية تقوم بدور التوثيق للقضية الأم بالدرجة الأولى، وهذا أمر طبيعي خصوصا بعد احتلال فلسطين عام 1948 ثم في الستينات عندما بدأت “مأسسة” السينما الفلسطينية. أنا أعتقد أن الفن ابن البيئة التي ينمو بها. لو كانت فلسطين غير محتلة، لأنتجنا أفلاما ذات أبعاد جمالية ورسائل وأسئلة. ولكنا أبدعنا في ذلك. وأذكر هنا المخرجَيْن الأخوين لاما اللذين استقرا في مصر عام 1926 وأسسا شركة إنتاج اسمها كونكورد، وأخرجا أفلاما تاريخية اجتماعية وكوميدية. كان ذلك قبل النكبة. لكن الواقع فرض نفسه على المخرجين الفلسطينيين بعد ذلك، فأخذوا على عاتقهم شراء كاميرات وتوثيق ما يجري بحق أبناء الشعب الفلسطيني من تهجير وإبادة، إلى أن تمأسس العمل السينمائي ضمن إطار منظمة التحرير بتأسيس وحدة لإنتاج الأفلام. وقد ضاع الكثير من تلك الأفلام، فيما يحتفظ المحتلون بأرشيفٍ لبعض المواد الفيلمية الناجية في مكتباتهم بعد أن استولوا عليها.
أعتقد أن السينما الفلسطينية صنعت لها هوية معقدة عبر مسيرتها خلال قرن من الزمان. وإذا نظرنا إلى الظروف التي تطورت فيها والإمكانيات والتحديات أمام العاملين في الحقل السينمائي، سنجد أنها فعلا مسيرة مُشَرّفة.

س5 هل يصعب على المخرج الفلسطيني تصوير مشاهد الدمار برؤية تقنية وسينمائية خاصة؟
أعتقد ان مسألة تصوير مشاهد الدمار برؤية تقنية وسينمائية خاصة ليست صعبة على المخرج الفلسطيني إلا من جانب الإمكانيات المادية الضرورية لذلك. بل أعتقد أنه خير من يصور ذلك. كما أعتقد أن لكل مخرج فلسطيني زاوية وبصمة ستظهر بشكل مختلف ومبدع لتصوير مشاهد الدمار تنبثق من رؤياه وتأثره بما رأى وربما عايش من هذه المَشاهد.

س6 هل يمكننا اليوم الحديث عن مدرسة فلسطينية سينمائية مكتملة المعالم والأسس؟
بإمكاننا أن نتحدث عن سينما فلسطينية لكن، لا أعتقد أنه بالإمكان أن نصفها بأنها “مدرسة فلسطينية سينمائية”. ليس لقصور في قدرات السينمائيين الفلسطينيين، بل لقلة العناصر المشتركة التي ترسم ملامح ونهج “مدرسة” بالمعنى التقليدي للمدارس السينمائية. نحن نُعَرّف الفيلم الفلسطيني بأنه كل فيلم أُنتِج عن فلسطين، أو من قِبل فلسطيني. والشق الأول يندرج تحته أي مُخرج من أي مكان في العالم أنتج أو أخرج فيلما عن فلسطين. وبالتالي، لا توجد بالضرورة عناصر مشتركة بين المنتجين والمخرجين والكتاب السينمائيين سوى موضوع العمل السينمائي. لهذا السبب من الصعب الحديث عن “مدرسة” مكتملة المعالم والأسس. لكني أجد في هذا التنوع الواسع ميزة تثري التجربة السينمائية الفلسطينية.

س7 مع من تقاطعت السينما الفلسطينية تاريخيا وأثرا فيها؟
أعتقد أن السينما الفلسطينية تأثرت بمحيطها وتجارب مُخرجيها. فمثلا في البدايات، توجه السينمائيون الفلسطينيون إلى مصر رائدة السينما في العالم العربي للعمل أو لتعلم السينما. بالإضافة إلى الدور الأساسي الذي لعبته الأفلام المصرية في تشكيل الذائقة السينمائية لدى الفلسطينيين من خلال الأفلام التي كانت تُعرض في دور السينما قبل عام 1948وبعده. وتلقى عدد من المخرجين الفلسطينيين تعليمهم السينمائي في مصر مثل أحمد الكيلاني ثم سلافة جاد الله. كما تأثر المخرجون الفلسطينيون بالبناء السردي التقليدي للمخرجين المصريين، وأيضا بالواقعية الاجتماعية التي تميز بعضهم بها مثل المخرج يوسف شاهين.
لكن السينما الفلسطينية تأثرت أيضا، لا سيما في سنوات السبعينات، بالسينما التحررية في العالم، كالسينما الجزائرية، والسنما الثالثة في أمريكا اللاتينية وسينما الثورة في جنوب أفريقيا. وهي مدارس دعت إلى استخدام السينما كأداة للمقاومة والتحرر من الاستعمار.
مع ذلك، تأثر مخرجون فلسطينيون كإيليا سليمان وميشيل خليفي بالمدارس الأوروبية كـ “مدرسة المؤلف الفرنسية”، والمدرسة “الواقعية الإيطالية”.
س8 ما هي مشاريعكم المستقبلية؟
لديّ فيلم وثائقي أنتجته في بريطانيا، “الصمت الصاخب”، يحظى باهتمام مهرجانات عدة أيضا. عُرض في بريطانيا وسيُعرض قريبا في غزة وربما دول عربية. وسأبدأ هذا الصيف إن شاء الله بتصوير فيلم روائي قصير عن حياة طفل متوحد في رام الله.

س9 كيف ينظر مخرجو اليوم للمسيرة السينمائية الفلسطينية وهل هناك حركة نقدية تواكب الكم السينمائي المصور؟
أعتقد أن هناك اهتماما متزايدا من المخرجين والنقاد بالأفلام الفلسطينية. ليس بسبب ما تمر به فلسطين فقط، إنما بسبب زيادة وتيرة الإنتاج النوعي برأيي. فلا يكاد يخلو مهرجان أو تظاهرة ثقافية من فيلم فلسطيني على الأقل، يُعرَض ويُناقَش.
وأرى أن الإمكانيات المادية تحكم المخرجين والمنتجين في مستوى العمل التقني، لكنهم بلا شك يتميزون بقوة الطرح والسرد. وهو ما يُكسب الأفلام عمقا وقوة وقدرة على البقاء لا تزول بزوال بريق عناصر الإبهار البصري.
الحركة النقدية السينمائية في فلسطين لا تزال غير قادرة على مواكبة غزارة الإنتاج، لكنّ النقد السينمائي العربي والعالمي للأفلام الفلسطينية على وجه التحديد يثري التجربة الفلسطينية ويرفع سقف المعايير المنتَظرة منها.

كلمة ختامية
رغم كل التحديات التي واجهت وتواجه المخرجين الفلسطينيين، إلا أن مستقبلا واعدا ينتظر السينما الفلسطينية. لأني أؤمن أن الإبداع يولد في خيام اللجوء، ومن تحت الركام وفي أقبية السجون، تماما كما تنبت الأزهار البرية بين الصخور. وأؤمن أن السينما الفلسطينية التي تقدم سردية شعب مُحتل اليوم، سيأتي يوم وتقدم أفلاما بمزايا جمالية وتناقش أسئلة فلسفية وحضارية وإنسانية.

شارك رأيك

Your email address will not be published.