*بقلم نائب الشعب محمد علي
أما المؤشر الأحدث والأكثر دلالة على مسار التضييق على البرلمان، فيتمثل في التغييرات المتلاحقة التي طالت إجراءات التواصل بين اللجان البرلمانية وأعضاء الحكومة. فبعد أن كانت مواعيد جلسات الاستماع تُضبط مباشرة بين مستشاري اللجان ومستشاري الوزراء، تم أولاً فرض المرور الإجباري عبر رئاسة الحكومة، قبل أن يتم لاحقاً اعتماد إجراء جديد يشترط مراسلة رئاسة الجمهورية والحصول على موافقتها المسبقة قبل أي اتصال مباشر بين البرلمان وأعضاء الحكومة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أصبح مطلوباً إمضاء جميع أعضاء اللجنة المعنية على المراسلات بدل الاكتفاء بمكتب اللجنة، كما تم توسيع هذا الشرط ليشمل الأنشطة الرقابية الميدانية للنواب والزيارات الميدانية التي أصبحت بدورها خاضعة لإذن مسبق. والأخطر أن هذه الإجراءات تم إبلاغها شفوياً دون أي وثيقة رسمية مكتوبة ودون عرضها على مكتب المجلس، بما يطرح إشكاليات قانونية ومؤسساتية جدية، ويعكس توجهاً نحو إخضاع أبسط الآليات الرقابية البرلمانية لإجراءات معقدة تجعل ممارستها أمراً بالغ الصعوبة.
ولا تقتصر خطورة هذه الإجراءات على استهداف مجلس نواب الشعب في حد ذاته، بل تتجاوز ذلك إلى المساس بأحد أهم المبادئ التي تقوم عليها الدولة الديمقراطية، وهو مبدأ التوازن بين السلطات.
فالبرلمان ليس مجرد مؤسسة لإصدار القوانين، بل هو فضاء للمساءلة والرقابة والتمثيل الشعبي. وعندما يتم إضعافه أو تعطيل أدواته الرقابية أو الحد من استقلاليته، فإن ذلك يفضي عملياً إلى تركيز السلطة في يد جهة واحدة دون وجود آليات فعالة للمراقبة والمحاسبة.
كما أن هذه الممارسات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يتسم بتضييق متزايد على الفضاء العام وعلى مختلف الوسائط التي تتيح النقاش العمومي والتعبير عن الآراء المختلفة. فالتضييق على الصحفيين، وإبعاد المجتمع المدني عن دوائر النقاش العمومي، وتراجع هامش التعددية السياسية والإعلامية، وملاحقة عدد من الفاعلين السياسيين والمدنيين، كلها مؤشرات تعكس اتجاهاً عاماً نحو إضعاف الأجسام الوسيطة وتقليص فضاءات المشاركة والرقابة. وفي هذا السياق يصبح إضعاف البرلمان حلقة إضافية ضمن مسار أشمل يستهدف تصحير الحياة العامة وإعادة تشكيل المجال العمومي على نحو يحد من التعددية ويقلص من إمكانيات الرقابة المجتمعية على السلطة.
ومن أخطر تداعيات هذا المسار أنه يساهم في إضعاف ثقة المواطنين في المؤسسات العمومية وفي جدوى المشاركة السياسية نفسها. فعندما يلاحظ المواطن أن ممثليه المنتخبين عاجزون عن مساءلة الحكومة، أو عن الحصول على المعلومات، أو عن تمرير المبادرات التشريعية، أو عن ممارسة صلاحياتهم الرقابية الأساسية، فإن ذلك يرسخ الشعور بأن المؤسسات التمثيلية فقدت قدرتها على التأثير في السياسات العامة. ويؤدي هذا الوضع تدريجياً إلى تنامي العزوف السياسي وفقدان الثقة في الآليات الديمقراطية باعتبارها وسيلة للتغيير أو للدفاع عن المصالح الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.
وفي المحصلة، فإن جمع هذه المؤشرات في سياق واحد يكشف عن مسار متكامل لا يقتصر على مجرد تنظيم إداري أو تعديل إجرائي، بل يعكس توجهاً نحو تقليص استقلالية البرلمان وإضعاف قدرته على القيام بوظائفه الأساسية في التشريع والرقابة والمساءلة. فالتضييق على الإعلام، وتعطيل المبادرات التشريعية ذات الطابع الحقوقي والسياسي، وإقصاء المجتمع المدني، وتشويه صورة النواب، وملاحقة بعضهم قضائياً بسبب مواقفهم، وتعطيل آليات الرقابة، وعدم تنفيذ القوانين، ورفض الحضور أمام المجلس، ثم إخضاع التواصل مع الحكومة والزيارات الرقابية لإجراءات معقدة وموافقات مسبقة، كلها حلقات مترابطة في عملية متدرجة تنتهي عملياً إلى تهميش المؤسسة البرلمانية وتحويلها إلى هيكل فاقد لأدوات التأثير الحقيقية. ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن مؤسسة أو عن أعضائها فحسب، بل بالدفاع عن حق المجتمع في الرقابة والمساءلة والتعددية السياسية، وهي القيم التي لا يمكن لأي نظام ديمقراطي أن يستمر دونها.
*النائب محمد علي



شارك رأيك