عندما كانت تونس تخطط لتنظيم المونديال !

تخيلوا أن تونس تقدمت بملف ترشح صحبة ليبيا لتنظيم كأس العالم 2010 ! ​لم يكن ذلك مجرد حلم عابر، حدث ذلك في سنة 2003… في ذلك العهد، كان النظام التونسي يراهن على الدبلوماسية الرياضية ودبلوماسية القمم والمؤتمرات كواجهة سياسية طموحة… لقد انتقلت تونس من طموح صناعة المستقبل إلى محاولة الحفاظ على الوجود… فكيف السبيل إلى استرجاع ذلك الوهج ؟

سامي الجلّولي *

​لم يكتمل هذا الحلم، نظرا للتعقيدات اللوجستية والتنظيمية التي حدثت في تجربة التنظيم المشترك في دورة كأس العالم 2002 بين كوريا واليابان وقررت Fifa عدم تكرارها في ذلك الوقت !

ومع ذلك، تكشف تلك الحقبة أن تونس كانت سبّاقة في طموحها ولم يكن التمويل عائقا حينها، نظرا للعلاقة الاستثنائية والعميقة التي جمعت الرئيس بن علي بالقذافي طيلة 23 عاما من الحكم…

​لم تكتف تونس بذلك، بل كانت تعوّل على أبنائها، حتى أولئك الذين اختلفوا مع النظام، فكل من امتلك القدرة على إعلاء راية تونس كان يستنجد به. بل ذهب النظام إلى أبعد من ذلك، مستثمرا علاقات شخصية قوية سواء مع أجانب (فرنسيين وإيطاليين تحديدا) ولدوا وعاشوا جزءا من حياتهم في تونس أو مع أبنائها الذين هاجروا ونسجوا علاقات نافذة مع أصحاب القرار في أوروبا وأمريكا وحتى في روسيا…

​كانت هناك رغبة حقيقية في الخروج من الأدوار الثانوية. امتلكت تونس شبكة واسعة من الشخصيات المؤثرة في دوائر صنع القرار الدولية حيث كان هناك استثمار فعلي لخدمة ملفات الدولة. كانت تونس تمتلك أدوات تأثير ناعمة فائقة القوة…

هناك ​حقيقة يجب أن تقال للتاريخ. كانت تونس رائدة الدبلوماسية الموازية جنوب المتوسط وتكاد لا تنافس في ذلك الوقت…

ورغم كل الانتقادات التي يمكن توجيهها لطبيعة النظام آنذاك، إلا أنه كان ينمتع بسرعة مذهلة في التنفيذ. كان قادرا على حشد الموارد، سواء كانت ذاتية أو عبر شراكات إقليمية، بسرعة فائقة وهو ما يفسر طموحا بهذا الحجم في ذلك الوقت…

​وكأن عقارب الزمن تدور إلى الخلف…

​بعد 23 سنة من ذلك الحلم، انتقلت تونس من مرحلة التخطيط للمشاريع الضخمة، حتى وإن كانت ذات أبعاد دعائية، إلى مرحلة الانشغال بالصيانة والترميم والبحث عن توفير أبسط مقومات البنية التحتية…

​اليوم، علينا الإقرار بكل مسؤولية بأن الدبلوماسية التونسية باتت تفتقر للقدرة على استقطاب الكفاءات واللوبيات الأجنبية كما كانت في السابق وهي تعاني من فشل هيكلي رغم بعض التحركات الدبلوماسية الأخيرة في بعض السفارات التي تظل متواضعة ومحتشمة…

​ما سردته هو نقد ضمني لغياب الرؤية الاستراتيجية التي كانت تجعل من تونس، رغم محدودية إمكانياتها المادية مقارنة بالدول العظمى، فاعلا لا يستهان به في المحافل الدولية…

لقد انتقلت تونس من طموح صناعة المستقبل إلى محاولة الحفاظ على الوجود… فكيف السبيل إلى استرجاع ذلك الوهج ؟

​امش يا زمن…

* مستشار قانوني

شارك رأيك

Your email address will not be published.