لهذه الأسباب فشل مشروع الشركات الأهلية !

الشركات الأهلية مشروع فاشل. هذا بينته منذ سنوات وأعيد بيانه اليوم… ​إنّ الميزة التي خصّ بها المرسوم هذه الشركات هو ذاته أحد أسباب فشلها. فعندما نميز هذه النوعية من الشركات ونقدمها كحل بديل لخلق الثروة وتحقيق التنمية المحلية على حساب النسيج الاقتصادي الذي تمثله مختلف أنواع الشركات الأخرى، فنحن هنا نحكم بالفشل لا فقط على نظام اقتصادي قائم بل على نظام جديد ولد ميتا.

سامي الجلّولي *

بعيدا عن الجانب التشريعي، دعونا نفكك الأسباب البنيوية لهذا الإخفاق:

​1. تعتمد أغلب هذه الشركات على موارد تمويل ذاتية محدودة جدا. فمن غير المنطقي إحداث شركة تضم 50 شريكا برأس مال لا يتجاوز أحيانا 20 ألف دينار. هذا يعكس رغبة في التجمع دون وجود نموذج ربحي واضح يضمن الاستمرارية. بل حتى في حال نجاحها، فإن تقسيم الأرباح على هذا العدد الكبير سيجعل العائد الفردي تافها، مما يقتل الحافز لدى المساهمين لتطوير العمل ويضعف الشعور بالمسؤولية والمخاطرة، وهو ما يؤدي غالبا إلى إهمال التسيير أو الانسحاب عند أول عقبة…

​2. من أبرز أسباب فشل هذا النموذج هو ارتباطه بطرح سياسي أكثر من ارتباطه بطرح تجاري استثماري. تاريخيا، تمتلك تونس تجربة مريرة مع هذا النوع من التنظم الاقتصادي، ذلك أن تجربة التعاضد والمآسي التي خلفتها لا تزال جرحا غائرا في المخيال الشعبي رغم مرور أكثر من 50 سنة على فشلها…

​3. تتعامل البنوك بحذر شديد مع هذه الشركات، بل ينظر إليها كمشاريع سياسية تفتقر إلى الجدية التجارية. وبما أن البنوك في أغلبها تتبع القطاع الخاص، فهي غير مستعدة للمقامرة بأموال شركائها في مصير غير مضمون العواقب… عندما تحجم البنوك الخاصة على تمويل هذا النوع من الشركات، فإنها تتركها رهينة للدعم الحكومي، وهو تمويل ريعي في جوهره يكرس التبعية للسلطة المركزية…

​4. رغم استناد هذه الشركات إلى مرسوم رئاسي ينظمها، إلا أن فكرة بروزها المرتبطة بقرار سياسي فوقي هي الخطأ القاتل. التجربة التونسية لا تزال حية مع خطوط تمويل مشابهة مثل بنك التضامن وصندوق 26-26 ورغم ما حققته من حركية نسبية، إلا أن نسبة كبيرة منها كانت مشاريع فاشلة، وخير دليل على ذلك هو حجم القروض التي لم يتم استخلاصها حتى الآن. وبما أن الشركات الأهلية مرتبطة برؤية الرئيس، فقد أصبحت ضحية لاستقطاب تصادمي. البعض يدعمها لمجرد الولاء والبعض الآخر يعطلها لاعتبارات سياسية… والنتيجة مناخ استثماري غير مستقر…

​5. أغلب المؤسسين هم من الشباب أو العاطلين عن العمل الذين يفتقرون للخبرة الضرورية في إدارة المؤسسات الكبرى، اللوجستيك والتسويق. إن انعدام الخبرة يمثل عائقا جوهريا أمام أي مؤسسة ناشئة… وتحويل العاطلين عن العمل إلى مديري شركات بقرار سياسي دون مرحلة تأهيل وتكوين مكثفة هو مغامرة بمستقبلهم وبالموارد العامة…

​6. مهما حاولت الدولة دفع هذه الشركات، فستصطدم بمنافسة شرسة من القطاع الخاص المهيكل الذي يمتلك العلاقات، الخبرات الفنية وسلاسل التوزيع المتطورة. هذا دون الحديث عن غياب عنصر الثقة داخل مجالس إدارة هذه الشركات وصعوبة اتخاذ القرار الجماعي فيها… ثم الأخطر من ذلك أن تتحول هذه الشركات إلى مجموعات ضغط فتحيد عن هدفها الاقتصادي لتحقيق أهداف سياسية…

ليس عيبا أن نقر بفشل نموذج اقتصادي، العيب أن نواصل في الفشل… تونس في حاجة إلى إصلاحات عميقة وشاملة للمنظومة الاقتصادية…

* خبير قانوني.

شارك رأيك

Your email address will not be published.