سوسة تتوّج مسارها المعرفي وتنضم إلى الشبكة العالمية لمدن التعلّم لليونسكو

حين يلتقي عبق التراث بآفاق المستقبل
سطّرت مدينة سوسة إنجازًا دوليًا جديدا يضاف إلى سجلها الحضاري، بإعلان انضمامها رسميا إلى الشبكة العالمية لمدن التعلّم التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، لتصبح واحدة من المدن التي جعلت من المعرفة والتعلّم مدى الحياة ركيزةً للتنمية المستدامة.

ولا يمثّل هذا الاعتراف الدولي مجرد تتويج رمزي، بل يعكس مسارا متكاملا من العمل المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي، ويكرّس مكانة سوسة كمدينة تجمع بين أصالة التاريخ ورؤية المستقبل، وتؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان وتنمية قدراته.

ثمرة شراكة محلية ورؤية مشتركة

جاء هذا الإنجاز بعد إعداد ملف ترشّح استوفى المعايير الدولية الصارمة التي تعتمدها اليونسكو، مستندًا إلى جهود متكاملة شاركت فيها بلدية سوسة، والمؤسسات الجامعية والتربوية، والهياكل الثقافية، ومكوّنات المجتمع المدني، في نموذج تشاركي يعكس حيوية المدينة وقدرتها على توحيد طاقاتها حول مشروع تنموي جامع.

وقد أبرز الملف ما تزخر به سوسة من مبادرات في مجالات التعليم والتكوين والثقافة والابتكار والإدماج الاجتماعي، بما يجسد مفهوم “التعلّم مدى الحياة” باعتباره ثقافة مجتمعية وأسلوبا للتنمية.

اعتراف يفتح آفاقا جديدة

ويمنح الانضمام إلى الشبكة العالمية لمدن التعلّم لسوسة فرصا استراتيجية واسعة، من أبرزها:

  • **تعزيز السياسات التعليمية من خلال تطوير برامج التكوين المستمر، ومحو الأمية الرقمية، ودعم التعلم خارج المؤسسات التعليمية، بما يرسخ مبدأ تكافؤ الفرص للجميع.
  • **دعم الاقتصاد المعرفي عبر تشجيع الابتكار وريادة الأعمال واستقطاب الاستثمارات المرتبطة بالكفاءات والبحث العلمي.
  • **تبادل الخبرات الدولية مع مئات المدن المنخرطة في الشبكة، والاستفادة من أفضل الممارسات العالمية في مجالات التنمية الحضرية والثقافية والاجتماعية.
  • **المساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وخاصة الهدف الرابع المتعلق بالتعليم الجيد، والهدف الحادي عشر الخاص بالمدن المستدامة.

رمزية التاريخ… من مدينة التراث إلى مدينة التعلّم
يحمل الاحتفال الرسمي المبرمج يوم 10 جويلية 2026 بمقر بلدية سوسة دلالة رمزية عميقة، إذ يتزامن مع الذكرى الثامنة والثلاثين لإدراج المدينة العتيقة بسوسة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو سنة 1988.
إن هذا التلازم بين المحطتين يجسد رسالة واضحة مفادها أن سوسة لا تكتفي بصون تراثها الإنساني، بل تجعل منه منطلقا لبناء مستقبل قائم على المعرفة والإبداع. فالتراث بالنسبة إليها ليس ماضيا يُحفظ، بل رصيدا حيا يُلهم الأجيال ويغذي التنمية.

رباط سوسة… حين تعانق الموسيقى التاريخ

وسيختتم برنامج الاحتفاء بهذا الإنجاز الدولي بأمسية فنية راقية يحتضنها قصر رباط سوسة، أحد أبرز المعالم التاريخية بالمدينة، حيث يقدم الأوركستر السمفوني بسوسة عرضا موسيقيا استثنائيا في قصر الرباط العريق.

ويجسد هذا الموعد الثقافي رؤية اليونسكو التي تعتبر الثقافة والفنون والتعليم ركائز متكاملة لبناء الإنسان وتعزيز الحوار بين الحضارات، في مشهد يلتقي فيه سحر المكان بعظمة الموسيقى ورسالة المعرفة.

سوسة… علامة دولية جديدة

يمثل هذا التتويج تحولا نوعيا في الهوية الدولية لمدينة سوسة، التي لم تعد تُعرف فقط كوجهة سياحية وتراثية واقتصادية، بل أصبحت أيضًا مدينة للمعرفة والتعلّم والابتكار.

ويعزز هذا الاعتراف قدرتها على استقطاب المؤتمرات والملتقيات الدولية، وإرساء شراكات أكاديمية وثقافية جديدة، بما يدعم إشعاعها الإقليمي والدولي، ويجعلها نموذجًا تونسيًا وعربيًا في الاستثمار في الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية.

سوسة اليوم تكتب فصلا جديدا من تاريخها؛ مدينة حافظت على تراثها، وفتحت أبوابها للمعرفة، وجعلت من التعلّم المستمر جسرا يعبر بها نحو المستقبل، لتؤكد أن المدن العظيمة لا تُقاس بعراقة ماضيها فحسب، بل بقدرتها على صناعة مستقبل أكثر إشراقا لأبنائها وللعالم.

بشير حسني

شارك رأيك

Your email address will not be published.