القاضي عمر الوسلاتي يكتب: “حق الرد أم البحث عن الحقيقة؟”

عندما يختلط القانون بالممارسة الصحفية!


أعاد الجدل الذي رافق استضافة صاحب أحد المقاهي بإحدى الإذاعات الخاصة، على خلفية التدوينة التي نشرها الناشط المدني والسياسي المستقل أيوب عمارة، طرح سؤال مهني وقانوني مهم: هل كانت تلك الاستضافة ممارسة لحق الرد كما ينظمه القانون، أم مجرد خيار تحريري أُطلق عليه وصف لا ينطبق عليه؟
الجواب، من الناحية القانونية، يبدو واضحًا. فالمرسوم عدد 115 لسنة 2011 نظم حق الرد في إطار علاقة بين شخص ووسيلة إعلامية نشرت مادة صحفية تتعلق به. أما إذا كان أصل الواقعة تدوينة على صفحة شخصية بموقع فيسبوك، فإن الحديث عن “حق الرد” يفقد سنده القانوني، لأن المؤسسة الإعلامية لم تكن هي من نشرت المحتوى الأصلي.
كان من حق الإذاعة أن تستضيف الطرف الآخر وأن تتيح له فرصة عرض روايته، لكن ذلك يظل في إطار حرية التحرير وحق التوضيح، وليس في إطار حق الرد كما حدده القانون.
غير أن المسألة لا تتعلق فقط بدقة المصطلحات، بل تمس جوهر العمل الصحفي. فوفق إعلان ميونيخ لواجبات وحقوق الصحفيين، لا تقتصر مهمة الصحفي على نقل أقوال الأطراف، وإنما تتمثل في البحث عن الحقيقة، والتحقق من الوقائع، واحترام الكرامة الإنسانية، وتقديم معالجة متوازنة تخدم حق الجمهور في المعرفة.
وكان من المنتظر أن تتجاوز المعالجة الإعلامية مجرد منح الكلمة لطرف واحد، لتطرح الأسئلة التي تفرضها الوقائع نفسها: هل وقع فعلًا تمييز في الولوج إلى فضاء مفتوح للعموم؟ وما هو الإطار القانوني المنظم لذلك؟ وما مدى صحة الادعاءات المتعلقة بتسجيل الأشخاص داخل الفضاء؟ تلك هي الأسئلة التي تصنع الصحافة، لأنها تنقل النقاش من تبادل الروايات إلى البحث عن الحقيقة.
إن التوازن في الإعلام لا يتحقق بمجرد توزيع الوقت بين الأطراف، بل بتحقيق الإنصاف في المعالجة، خاصة عندما تكون موازين القوة وإمكانيات الوصول إلى المنابر غير متكافئة. فالصحافة لا تؤدي رسالتها إذا اكتفت بمنح الميكروفون، بل عندما تمارس دورها في مساءلة الجميع، دون انحياز ودون خلط بين المفاهيم القانونية والاختيارات التحريرية.
وفي النهاية، فإن القضية تتجاوز هذه الواقعة بعينها، لتطرح سؤالًا أعمق: هل نريد إعلامًا يكتفي بإدارة الخلافات بين الأطراف، أم صحافة تجعل من الحقيقة، واحترام القانون، وكرامة الإنسان، بوصلتها الأولى؟.

شارك رأيك

Your email address will not be published.