الأستاذ المستيري: شاركت في مسيرة اليوم، وخرجت منها بعدد من الخلاصات السياسية

بقلم الأستاذ المحامي محمد علي المستيري

أولى هذه الخلاصات أن الخطاب القائم على التخويف أصبح عنوانًا للإفلاس السياسي. فمع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتكرر انقطاعات الماء والكهرباء، أصبح الرهان الأساسي للسلطة، هو تحويل الأنظار عن جوهر الأزمة عبر استحضار فزاعة “عودة منظومة ما قبل 25 جويلية” أو “عودة الإسلام السياسي”. غير أن المشهد الذي عاينته اليوم يتعارض مع تلك الرواية.

فالتركيبة البشرية للمسيرة كانت شبابية بامتياز. العمود الفقري للمشاركين هم المجموعات الشبابية التي راكمت الاحتجاجات منذ أشهر، ونظمت المسيرات خلال الخريف والشتاء، إلى جانب عائلات المعتقلين السياسيين وعدد من النشطاء الحقوقيين والمدنيين. أما الأحزاب السياسية التي سبق لها المشاركة في الحكم، فقد بدا حضورها التنظيمي محدودًا، واقتصر في الغالب على بعض القيادات، دون قدرة واضحة على الحشد والتعبئة .

ومن أبرز ما استوقفني كذلك أن جبهة الخلاص الوطني كانت أحد الجهات الداعية إلى هذه المسيرة، وهي جبهة تمثل حركة النهضة أحد أهم مكوناتها. وكان من الطبيعي، وفق الرواية التي تروجها السلطة، أن يكون الحضور الجماهيري لقواعدها طاغيًا. إلا أن الانطباع الذي خرجت به هو أن حضورها كان محدودًا جدا .

نحن اليوم في حضرة جيل جديد يحمل مطالبه الخاصة، ويعبر عن رفضه للاستبداد ولتراجع الحريات، ويبحث عن أفق ديمقراطي يعيد القرار إلى المواطنين عبر انتخابات حرة وتنافس سياسي مفتوح ، و لكل طرف سياسي الحق في الترشح، وللشعب وحده حق منح الثقة أو حجبها. أما إقصاء الخصوم أو توظيفهم كفزاعة دائمة أصبح واضحا لدى الشباب انه لم يعد سوى عنوانا للكذب والمغالطة .

  • أغلب من شارك في المسيرة كان يدرك أن مسيرة واحدة لا تسقط نظامًا، ولم يكن ذلك أصلًا هدف المشاركين. فالرهان الحقيقي هو مراكمة النضال السلمي، وتكرار المبادرات الميدانية، وتوسيع دائرة الوعي المجتمعي، لأن التغيير الديمقراطي لا يتحقق بضربة واحدة، وإنما هو ثمرة عمل تراكمي طويل النفس.

لا تستعاد الحرية بالشعارات وحدها، بل بالإصرار، والنضال السلمي، وتراكم المبادرات المدنية، حتى يصبح مطلب الديمقراطية مطلبًا وطنيًا جامعًا. وما شهدناه اليوم هو حلقة جديدة في هذا المسار، ورسالة واضحة مفادها أن الشباب أصبح اليوم في طليعة المطالبين باستعادة دولة القانون، وصون الحقوق والحريات، وإعادة الكلمة إلى الشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة.

عاشت الجمهورية، وعاشت الحرية، وعاش الشباب ، الذي أثبت مرة أخرى أنه يحمل اليوم مشعل الأمل والتغيير، وأنه سيكون أحد أهم صناع مستقبل هذا الوطن .

شارك رأيك

Your email address will not be published.