احتضن المسرح الصيفي سيدي منصور، ضمن فعاليات الدورة السادسة والأربعين لمهرجان صفاقس الدولي، عرض الفيلم التونسي “لقشة من السما”، في سهرة استُهلت بعزف النشيد الوطني احتفالًا بالذكرى التاسعة والستين لعيد الجمهورية، في مشهد امتزجت فيه الرمزية الوطنية بالفعل الثقافي، قبل أن تنطلق رحلة سينمائية لاقت تفاعلًا لافتًا من جمهور حضر من مختلف الفئات العمرية.
ولئن جاء الفيلم الكوميدي ليمنح الحاضرين لحظات من الضحك والترفيه، فإن السهرة حملت في طياتها رسائل ثقافية أعمق، أبرزها أن السينما لا تزال تحظى بمكانة خاصة لدى جمهور صفاقس.
فقد أظهر الحضور والتفاعل مع مجريات الفيلم أن المتفرج الصفاقسي ما يزال يبحث عن العروض السينمائية ويحرص على متابعتها كلما أتيحت له الفرصة، وهو ما يؤكد أن الفن السابع لم يفقد جمهوره، رغم غياب قاعات السينما بالمدينة منذ سنوات.
ويأتي إدراج عرض “لقشة من السما” ضمن برمجة مهرجان صفاقس الدولي في إطار رؤية تسعى إلى تنويع المضامين الثقافية والفنية للمهرجان، حتى لا تقتصر برمجته على السهرات الموسيقية، بل تشمل أيضًا السينما والمسرح وسائر الفنون التي تستجيب لتطلعات مختلف شرائح الجمهور.
ويعكس هذا التوجه إيمان الهيئة المنظمة بأن المهرجان فضاء ثقافي جامع، قادر على احتضان مختلف أشكال الإبداع. وقد كشف نجاح هذه السهرة أن للسينما جمهورًا وفيًا في صفاقس، وأن المدينة تمتلك رصيدًا بشريًا وثقافيًا يجعلها قادرة على احتضان مزيد من التظاهرات السينمائية.
كما يبرز هذا الإقبال أهمية التفكير في تعزيز حضور الفن السابع خلال الدورات المقبلة للمهرجان، سواء عبر برمجة عدد أكبر من الأفلام التونسية، أو تنظيم لقاءات مع المخرجين والممثلين، أو تخصيص تظاهرات موازية تعنى بالإنتاج السينمائي.
وفي المقابل، أعاد هذا الموعد الثقافي إلى الواجهة ملف غياب قاعات السينما في صفاقس، وهي مدينة تعد من أكبر المدن التونسية ومن أهم الأقطاب الثقافية والاقتصادية، لكنها تفتقر اليوم إلى فضاءات عرض سينمائي قارة.
وقد بدت السهرة بمثابة رسالة واضحة مفادها أن الجمهور موجود، وأن الرغبة في متابعة الأفلام قائمة، وأن توفير فضاءات مناسبة للعرض من شأنه أن يعيد الحياة إلى النشاط السينمائي بالجهة.
ولم يكن اختيار السينما ضمن برمجة الدورة السادسة والأربعين خيارًا عابرًا، بل يعكس توجهًا يرمي إلى إعادة الاعتبار لهذا الفن، باعتباره أحد أهم روافد الثقافة وأداة للتعبير والإبداع والتواصل مع الجمهور.
وقد أثبت عرض “لقشة من السما” أن الفيلم التونسي قادر على استقطاب المشاهدين عندما يجد الفضاء المناسب للعرض، وأن مهرجان صفاقس الدولي يمكن أن يشكل منصة مهمة لدعم الإنتاج السينمائي الوطني وتقريبه من الجمهور.
وبذلك، لم يكن عرض “لقشة من السما” مجرد محطة ضمن برنامج المهرجان، بل مناسبة أكدت أن السينما ما تزال جزءًا أساسيًا من المشهد الثقافي الذي يتطلع إليه جمهور صفاقس، ورسخت قناعة بأن حضور الفن السابع في برمجة المهرجان يمثل خيارًا ثقافيًا يستحق أن يتواصل ويتعزز في الدورات القادمة.



شارك رأيك