كثيراً ما تُطرح أسئلة ملحة في الشارع المالي والإنتاجي: لماذا تبدو البنوك العمومية أبطأ أحياناً في التفاعل مقارنة بالمؤسسات الخاصة؟ وكيف يمكن للمؤسسة المالكة لها — وهي الدولة — أن تضمن نجاعتها دون أن تفقدها دورها التنموي؟ قراءة تبسط أسباب هذا التردد المؤسساتي وتطرح حلولاً عملية لإعادة الهيكلة.
عبد الوهاب بن موسى

تعتبر البنوك العمومية في البلدان النامية شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني. لكن هذه المؤسسات تجد نفسها باستمرار أمام معادلة صعبة: كيف تجمع بين تقديم خدمات بنكية سريعة ومربحة مثل القطاع الخاص، وبين الاستجابة لمتطلبات الدولة في تمويل المشاريع الكبرى والدفع بالنمو؟
هذه المعادلة الصعبة هي ما يجعل الأسواق المالية تقيم البنوك العمومية بنوع من الحذر، ليس شككاً في صلابتها، بل تسجيلاً لعدم وضوح حدود أدوارها.
فخ الدور المزدوج
عندما ينزل البنك العمومي إلى السوق اليومية ليقدم القروض المباشرة للخدمات والأفراد، فإنه يجد نفسه في منافسة مباشرة مع بنوك خاصة تمتلك مرونة أكبر وآليات عمل أسرع.
لكن في المقابل، يحمل البنك العمومي على عاتقه مهاماً لا تُطلب من غيره: كاستمرار التواجد في جميع الجهات الداخلية حتى غير المربحة منها، ومساندة المؤسسات العمومية والقطاعات التي تمر بصعوبات. هذا التناقض بين منطق الربح المالي السريع ومنطق المصلحة العامة يجعل أداء هذه البنوك يظهر أحياناً أقل فاعلية مما يُنتظر منه.
من الالتزام الشكلي إلى الفاعلية الحقيقية
إن إصلاح البنوك العمومية لا يتوقف عند مجرد احترام الترتيبات والقوانين البنكية المعمول بها، رغم أهميتها الحيوية لحماية أموال المودعين. إن النجاح الحقيقي يعتمد على قدرة الدولة على تحديد رؤية موجهة وصريحة:
جانب تجاري واضح: يخضع لمنطق المنافسة والجودة والسرعة في الخدمة.
جانب تنموي محدد: يخدم الاستثمار والجهات، وتضع له الدولة آليات حماية وتأطير واضحة حتى لا يؤثر سلباً على التوازنات المالية للبنك.
ثلاث خطوات عملية للإصلاح
لتجاوز هذه الضبابية وبناء قطاع بنكي عمومي حديث وقوي، تبرز ثلاث أولويات عمل :
1. وضوح الأهداف والتعهدات: إبرام اتفاقيات أداء واضحة ومحددة في الزمن بين الدولة والبنوك العمومية، تُحدد بالضبط ما هو مطلوب منها وما هي مستويات المخاطر المسموح بها.
2. استقلالية القرار الفني : اتخاذ قرارات القروض والاستثمارات بناءً على دراسات جدوى علمية ومستقلة، بعيداً عن أشكال التدخل الضغوطات الإدارية.
3. تخصيص مسارات التمويل : توجيه التمويلات ذات الأثر الاجتماعي أو التنموي طويل الأجل عبر قنوات أو نوافذ متخصصة، لكي لا تُرهق الميزانية التجارية للبنك.
إن قيمة البنوك العمومية لا تقاس بالظروف العابرة ولا بالإعلانات الاتصالية المؤقتة، بل بمدى وضوح نموذجها الاقتصادي. لن تسترجع هذه المؤسسات كامل قوتها ومكانتها بالركض خلف القطاع الخاص في أساليبه التجارية فقط، بل بامتلاك مهمة استراتيجية صريحة ومحكمة. فمصداقية البنك العمومي اليوم تقاس بقدرته على تحويل الحوكمة السليمة إلى محرك حقيقي للنمو والسيادة الاقتصادية.
* مهندس رقمي ومسؤول تنفيذي في القطاع المصرفي.



شارك رأيك