بقلم رضا الشكندالي
- تخيّل مواطناً تونسياً، في الستين من عمره، يعاني من مرض مزمن ويحتاج إلى أدوية بصفة يومية. يذهب إلى الصيدلية في بداية الشهر، كما يفعل كل مرة، ليكتشف أن سعر أحد أدويته قد ارتفع. قد تكون الزيادة بضعة دنانير في علبة واحدة، لكنها بالنسبة إليه ليست «بضعة دنانير» فقط. فهو لا يشتري علبة واحدة، وإنما عدة أدوية، كل شهر، وطوال السنة مع ان اسعار الادوية عالية جدا.
يعود إلى البيت ويبدأ في الحساب: راتب محدود، مصاريف الغذاء والكهرباء والماء والنقل، وربما إيجار أو أقساط، ثم تأتي الأدوية في مقدمة المصاريف التي لا يستطيع الاستغناء عنها.
وهنا يجد المواطن نفسه أمام سؤال مؤلم: من أين سأدفع ثمن الدواء؟ - هذه ليست قصة من وحي خيالي. بل انها قصة حقيقيةيمكن أن يعيشها اليوم آلاف التونسيين، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة والمتقاعدين والعائلات محدودة الدخل.
ومن هنا يجب أن ننظر إلى قرار الصيدلية المركزية التونسية مراجعة أسعار مئات الأدوية، لا باعتباره مجرد تعديل إداري للأسعار، وإنما باعتباره مؤشراً جديداً على أزمة أعمق تعيشها منظومة الدواء والمالية العمومية في تونس. - عندما يتراجع دور الدولة الاجتماعية : الدولة الاجتماعية لا تقاس بالشعارات، وإنما بقدرتها على حماية المواطن عندما يواجه مخاطر لا يستطيع تحملها بمفرده، وفي مقدمتها المرض.
فالمواطن يستطيع أن يؤجل شراء بعض السلع عندما ترتفع أسعارها، أو أن يستبدلها بسلع أخرى. أما المريض الذي يحتاج إلى دواء يومي، فلا يملك هذا الخيار.
ولهذا فإن رفع أسعار الأدوية، خاصة الأدوية الضرورية وأدوية الأمراض المزمنة، في ظل تراجع القدرة الشرائية للتونسي، يطرح سؤالاً أساسياً:
إلى أي مدى مازالت الدولة قادرة على القيام بدورها الاجتماعي؟ فالدولة الاجتماعية لا تعني أن الدولة تمنع كل زيادة في الأسعار مهما كانت كلفة الإنتاج والتوريد. لكنها تعني أن الدولة لا تسمح بأن يصبح المرض سبباً إضافياً لإفقار المواطن. - من أزمة الكهرباء إلى أزمة الدواء
ما يحدث في الصيدلية المركزية لا يمكن فصله عن سلسلة الأزمات التي بدأت تضرب المؤسسات والمنشآت العمومية.
فبعد أزمة الكهرباء، التي كشفت عن الوضع المالي الصعب الذي تعاني منه الشركة التونسية للكهرباء والغاز، يأتي الدور على الصيدلية المركزية.
وفي الحالتين نجد مؤسسة عمومية استراتيجية تواجه صعوبات مالية متزايدة، فتجد الدولة نفسها مضطرة إلى التدخل لتوفير الموارد اللازمة لاستمرار نشاطها.
لكن الخطر في حالة الصيدلية المركزية أكبر، لأن الأزمة المالية يمكن أن تتحول، إذا لم تتم معالجتها بسرعة، من أزمة تمويل إلى أزمة توفير للدواء.
وقد لا يكون الخطر اليوم في ارتفاع الأسعار فقط، وإنما في إمكانية أن نشهد خلال الأشهر القادمة صعوبات أكبر في توفير بعض الأدوية، خصوصاً إذا استمرت مشاكل التمويل والتوريد وتكوين المخزون.
وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة:
هل نحن أمام أزمة أسعار أم أمام بداية أزمة في منظومة توفير الدواء؟ - الصيدلية المركزية ليست وحدها المعنية : الصيدلية المركزية ليست مؤسسة معزولة.
فهي جزء أساسي من منظومة صحية مترابطة، وأي أزمة مالية أو لوجستية تصيبها يمكن أن تلقي بظلالها على عدد كبير من المؤسسات والمنشآت العمومية.
المستشفيات العمومية تحتاج إلى الأدوية والمستلزمات الطبية.
والكنام تتحمل جزءاً مهماً من تكاليف العلاج والأدوية.
والصيدليات الخاصة مرتبطة بدورها بمنظومة التعويض والتكفل.
وبالتالي فإن أزمة الصيدلية المركزية يمكن أن تنتقل تدريجياً إلى بقية المنظومة:
ولذلك فإن معالجة الأزمة في الصيدلية المركزية ليست مسألة تخص مؤسسة واحدة، بل هي مسألة تخص الأمن الصحي والاجتماعي للبلاد بأكملها. - وماذا عن الكنام والـAPCI؟
قد يقول البعض إن جزءاً كبيراً من الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة يدخل ضمن الأمراض التي تتمتع بالتكفل في إطار الـAPCI.
وهذا صحيح، لكنه لا يعني بالضرورة أن المواطن لن يتحمل أي زيادة.
فالكنام تعتمد في التكفل بالأدوية على التعريفة المرجعية، وهي ليست دائماً مساوية للسعر الذي يدفعه المواطن في الصيدلية.
وبالتالي، إذا ارتفع سعر الدواء ولم يقع تحيين التعريفة المرجعية بنفس النسبة، يمكن أن يتحمل المواطن جزءاً من الفرق، حتى عندما يكون مرضه مشمولاً بالـAPCI.
وهنا تظهر مفارقة مؤلمة: المواطن الذي يفترض أن تحميه منظومة التأمين الصحي قد يجد نفسه مضطراً إلى دفع جزء من كلفة الأزمة من جيبه.
وتزداد المشكلة عندما تتأخر الكنام في استرجاع بعض المصاريف أو عندما يجد المواطن نفسه مضطراً إلى تحمل مصاريف صحية لا تتناسب مع دخله. - أدوية بأسعار تفوق القدرة الشرائية
لا يمكن تحديد أسعار الأدوية بمعزل عن القدرة الشرائية للتونسي.
فما يمكن أن يبدو زيادة «محدودة» في سعر دواء بالنسبة إلى ميزانية الدولة، قد يمثل عبئاً كبيراً على متقاعد أو عامل محدود الدخل يحتاج إلى عدة أدوية كل شهر. فما بالك والعبادات فاقت في بعض الأحيان ال100 بالمائة.
والأخطر أن المريض المزمن لا يملك خيار التوقف عن العلاج.
لذلك فإن ارتفاع أسعار الأدوية يمكن أن يؤدي إلى نتائج صحية واجتماعية خطيرة: تأجيل شراء الدواء، تقليص الجرعات، الاستغناء عن بعض الأدوية أو تأخير العلاج.
وهنا لا تعود المسألة اقتصادية فقط، بل تصبح مسألة صحة عامة.
- لكن هناك أزمة أخرى خلف أزمة الدواء: العملة الصعبة
هناك عامل آخر يجب ألا نغفل عنه.
تونس تعتمد بدرجة مهمة على توريد الأدوية والمواد الأولية الدوائية، وهو ما يتطلب العملة الصعبة.
وفي ظل الضغوط المتزايدة على احتياطي البلاد من العملة الأجنبية، تجد الدولة نفسها أمام خيارات صعبة: الطاقة، المواد الأولية، الغذاء، الأدوية وغيرها كلها تحتاج إلى العملة الصعبة.
ومن الطبيعي أن تحرص الدولة على المحافظة على مدخراتها من العملة الأجنبية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحفاظ على احتياطي العملة الصعبة إلى عائق أمام توريد الأدوية الضرورية.
إذ يمكن تأجيل توريد بعض السلع الكمالية، ويمكن ترشيد واردات عديدة، لكن لا يمكن أن نطلب من المريض أن «يرشد» استهلاك الدواء. فالدواء ليس سلعة كمالية.
إنه حق أساسي وأحد مقومات الأمن الصحي الوطني.
نحن أمام أزمة منظومة وليس أزمة أسعار فقط
- ما يحدث اليوم يجب أن يدفعنا إلى التفكير في الصورة الكاملة : نحن أمام:
- أزمة مالية للصيدلية المركزية؛
- ضغوط على توفير الأدوية وتكوين المخزون؛
- صعوبات مالية للكنام؛
- ضغوط كبيرة على المستشفيات العمومية؛
- ارتفاع في أسعار عدد من الأدوية؛
- تراجع في القدرة الشرائية للمواطن؛
- وضغط متزايد على موارد العملة الصعبة.
لهذا لا يمكن أن يكون الحل مجرد رفع أسعار الأدوية كلما ازدادت صعوبات الصيدلية المركزية.
ولا يمكن أن يكون الحل نقل الأزمة تدريجياً من ميزانية الدولة إلى جيب المواطن.
المطلوب هو إصلاح منظومة الدواء من جذورها: إصلاح حوكمة وتمويل الصيدلية المركزية، ضمان مخزون استراتيجي حقيقي للأدوية الحيوية، دعم الصناعة الدوائية المحلية والأدوية الجنيسة، مراجعة منظومة الأسعار، تحيين التعريفات المرجعية للكنام، وإصلاح تمويل الكنام وضمان قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها.
كما يجب أن تكون هناك استراتيجية واضحة للعملة الصعبة تميز بين ما يمكن تأجيل توريده وما لا يمكن المساس به، وفي مقدمة ذلك الأدوية والطاقة والغذاء.

- إن تونس لا تحتاج فقط إلى إدارة أزمة الدواء، وإنما إلى سياسة وطنية للأمن الدوائي.
فالدولة الاجتماعية لا تعني أن الدولة تتحمل كل الأعباء مهما كانت كلفتها، لكنها تعني أن المواطن لا ينبغي أن يدفع ثمن اختلالات المالية العمومية من صحته. - وفي النهاية، يعود السؤال إلى ذلك المواطن الذي بدأنا به:
عندما يذهب إلى الصيدلية الشهر القادم، هل سيكون مطالباً بأن يدفع أكثر لأنه مريض؟
إذا كانت الإجابة نعم، فعلينا أن نسأل أنفسنا بصدق:
ماذا بقي من الدولة الاجتماعية؟
رضا الشكندالي أستاذ جامعي اختصاص اقتصاد



شارك رأيك