تأتي هذه الرسالة تضامناً مع سعدية مصباح، الناشطة الحقوقية ورئيسة جمعية «منامتي»، المسجونة في تونس على خلفية عملها في الدفاع عن حقوق السود والسوداوات ومناهضة العنصرية. نكتبها اليوم، في ظل استمرار حرمانها من حريتها وما يرافق ذلك من قلق على سلامتها وحقها في العلاج والزيارة والتواصل، لنؤكد أنّ الدفاع عن المساواة والعدالة لا ينبغي أن يكون سبباً للعقاب أو العزل. وهي دعوة إلى التضامن معها، وإلى تحمّل المسؤولية الجماعية في مواجهة العنصرية وصون كرامة كل من يعيش في تونس.
على إيقاع السطمبالي: نوبة تضامن ومقاومة مع سعدية مصباح
في السطمبالي، تتعانق أصوات القمبري والشقاشق والأجساد في النوبة. وهو فنّ يحمل ذاكرة العبودية والاقتلاع والعنصرية، لكنه يحمل أيضاً معنىً آخر: أن لا يُترك من أثقلته المحن والظلم وحيداً.
من هذه الذاكرة نكتب إليكِ يا سعدية. نكتب إليكِ كرفيقة حملتِ طويلاً أصواتاً كثيرة، وفتحتِ في المجال العام مساحةً للاعتراف بحقوق السود والسوداوات في تونس. ويحقّ لكِ اليوم أن تجدي حولكِ دائرة لا تطلب منكِ مزيداً من القوة، بل تحمل معكِ بعض الثقل، وتترك للرفق والنجاة متسعاً.
لم تكن النساء السود، في تاريخ مقاومة العبودية والفصل العنصري والتمييز، وجوهاً تُعلّق على جدران الذاكرة بعد انقضاء المعارك. كنّ في قلبها: يجمعن ما بعثره الخوف من أصواتٍ وحقوقٍ وروابط بين الناس. ومن حقول القطن وقوافل الرقّ نشأت ذاكرةٌ رفضت أن يُختزل العنف في ماضٍ منتهٍ، وحوّلت ما خلّفه من تهميش وعزلة إلى وعيٍ مشترك بالمقاومة وبالحق في العدالة.
ومن هذا الإرث نفهمكِ يا سعدية: لا كامرأةٍ يُحمَّل جسدها وحده عبء قضية كاملة، بل بوصفكِ جزءاً من ذاكرةٍ جماعية جعلتِ من التجربة المشتركة وعياً سياسياً يكشف بنية الإقصاء. لقد صار النضال من أجل الظهور والانتماء والمواطنة الكاملة مطلباً عاماً، يضع الدولة والمجتمع أمام مسؤوليتهما في مناهضة العنصرية، لا في الاكتفاء بإدانة بعض مظاهرها.
أزحتِ الستار عن جدار الإنكار الذي أحاط بالعنصرية، وبيّنتِ أن ما يُقدَّم بوصفه تفصيلاً عابراً لا يكون عابراً حين يتكرر ويستقر في حياة الناس. فالإشارات الصغيرة تتراكم لتصنع حدوداً غير مرئية: بين من تُمنح لهم الثقة بلا سؤال ومن يُستقبلون بالشك، وبين من يعبرون الفضاءات العامة من دون مساءلة ومن يُذكَّرون، مرةً بعد أخرى، بأن انتماءهم نفسه موضع اختبار.
لذلك، كان كلامكِ عن السود والسوداوات في تونس كلاماً عن تونس ذاتها: عن تاريخ تميل البلاد إلى سرده خالياً من شقوقه، وعن حاضر لا تكفيه لغة التنوع ما لم تتحول إلى واقع. لم تطلبي موضعاً على هامش الحكاية الوطنية، بل نبّهتِ إلى أنها تبقى ناقصة ما دام من أُبعدوا طويلاً عن مركزها غائبين عنها. فالاعتراف لا يكتمل في الخطابات؛ بل يظهر في العمل والمدرسة والإدارات، وفي حق الإنسان في أن يعبر الشارع من دون أن يصبح جسده موضع ريبة أو أن يضطر إلى الدفاع عن إنسانيته.
لقد قلتِ ما كان ينبغي أن يُقال، وتحملتِ من كلفة ذلك ما لا ينبغي أن يقع على عاتق شخص واحد. واليوم، ليست سلامتكِ وحقكِ في العلاج والزيارة والتواصل تفاصيل ثانوية، بل حقوقاً أصيلة تمسّ حريتكِ وكرامتكِ. فسجنكِ ليس مجرد سلبٍ تعسفي للحرية، بل استهدافٌ سياسي لعملكِ الحقوقي ولمواجهتكِ التمييز الممنهج؛ وعقابٌ لامرأةٍ رفضت التهميش، ومحاولةٌ لإسكات صوتٍ كشف شقوق المنظومة وترهيب كل من يختار كسر جدار الإنكار والنضال ضد العنصرية.
أن نقف إلى جانبكِ يعني ألّا نسمح للسجن بأن يقطع خيوط القرب بينكِ وبين من يحبّونكِ ويهتمّون بكِ. أنتِ امرأة لها تعبها وخوفها وحاجتها إلى الأمان، وأمّ وصديقة ورفيقة أعطت كثيراً للآخرين. وما فتحتِه من كلامٍ وأسئلة عن العدالة والعنصرية لا ينبغي أن يبقى عبئاً على كتفيكِ وحدكِ، بل أمانةً ومسؤوليةً نتقاسمها جميعاً.
في نوبات السطمبالي، لا يُترك الوجع وحيداً مع صاحبه؛ يلتف حوله الإيقاع والأنفاس والرفقة، حتى يجد طريقاً آخر إلى النجاة. هكذا نريدكِ بيننا: قريبةً بما أنتِ عليه، أمّاً وصديقةً ورفيقةً عزيزة. وما حملتِه من أجل نضال السود والسوداوات في تونس أمانةٌ نتقاسمها، لا فاتورةٌ تُترك لكِ وحدكِ.
منظمة العفو الدولية تونس



شارك رأيك