في الثالث من أوت 1903، وُلد بمدينة المنستير الساحلية طفل لعائلة متواضعة، لم يكن أحد يتخيل أنه سيصبح “المجاهد الأكبر” ومؤسس الجمهورية التونسية ورمزاً من رموز حركات التحرر في القرن العشرين: الحبيب بورقيبة.
العقيد محسن بن عيسى *

بعد دراسته الحقوق في باريس وعودته إلى تونس لممارسة المحاماة، خاض بورقيبة كفاحاً طويلاً ضد الاستعمار الفرنسي، تنقّل خلاله بين السجون والمنافي، قبل أن يقود بلاده إلى الاستقلال سنة 1956 ويصبح أول رئيس لها. وعلى مدى ثلاثة عقود من الحكم، ارتبط اسمه بإصلاحات جذرية غيّرت وجه تونس، أبرزها مجلة الأحوال الشخصية التي منحت المرأة التونسية حقوقاً لم تكن مألوفة في المنطقة، وإلزامية التعليم ومجانيته.
هذه المسيرة الطويلة تركت أثرها في كيفية نظر عدد من كبار قادة العالم الذين تعاملوا معه مباشرة، سواء كخصوم في طاولة التفاوض أو كحلفاء في محافل السياسة الدولية. ومن أبرز هذه الشهادات كما وثّقتها المذكرات والأرشيفات الرسمية.
شارل ديغول : “مناضل وسياسي وزعيم دولة”
فاوض الجنرال ديغول بورقيبة طويلاً حول الجلاء من بنزرت، وخصّص له صفحات في مذكراته “مذكرات الأمل” (Mémoires d’espoir). يستعيد فيها ديغول لقاءهما في قصر رامبويي سنة 1961، واصفاً إياه بأنه وجد أمامه مناضلاً وسياسياً ورجل دولة تتجاوز طموحاته حدود بلاده الصغيرة نسبياً. كما يشير إلى أن بورقيبة كان، منذ بداياته، رمز المطالبة باستقلال تونس. اللافت أن هذه الشهادة جاءت من رجل خاض معه أزمة بنزرت الدامية سنة 1961، ما يعكس نوعاً من الاحترام المتبادل رغم حدّة الخلاف السياسي والعسكري بين البلدين في تلك المرحلة.

جون ف. كينيدي: “قائد بتوجه واضح ومتماسك”
أشاد قبل أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة، السيناتور جون كينيدي في خطاب أمام مجلس الشيوخ الأمريكي سنة 1957 بجهود بورقيبة، رئيس وزراء تونس آنذاك، في البحث عن أرضية مشتركة مع فرنسا بعد أزمة السويس. ولاحظ كينيدي أن الحركة الوطنية التونسية، خلافاً لحركات تحرر أخرى في المنطقة، كانت تمتلك في بورقيبة قيادة واضحة الاتجاه ومتماسكة. وحين انتُخب كينيدي رئيساً، استقبل بورقيبة في زيارة رسمية إلى واشنطن في ماي 1961، وألقى كلمة تكريم في مأدبة عشاء أشاد خلاله بعراقة تاريخ تونس وبمكانة بورقيبة القيادية على الساحة الدولية. وفي المقابل، وصف بورقيبة كينيدي بحسب ما نقلته الصحافة الأمريكية في تلك الفترة بأنه رجل صادق يؤمن بما يقوله.
دوايت أيزنهاور: “التزام أمريكي بسيادة تونس”
وفي لقاء رئاسي وثّقته وزارة الخارجية الأمريكية، أكد الرئيس دوايت أيزنهاور لبورقيبة التزام واشنطن باحترام سيادة تونس واستقلالها، في وقت كانت فيه البلاد لا تزال تتحسّس مكانتها بين قوى إقليمية ودولية كبرى. ومن جهته عبّر بورقيبة في ذلك اللقاء عن قناعته بأن الدول الكبرى ينبغي أن تتعامل بسخاء مع الدول الصغرى، وهي عبارة تلخص فلسفته في التعامل مع القوى العظمى طيلة مسيرته: مفاوض عنيد لكنه واقعي، يوازن بين الاعتزاز بالسيادة الوطنية والانفتاح البراغماتي على الغرب.
الملك عبد العزيز آل سعود: “يمكنكم الاعتماد علينا“
قبل أن يصبح بورقيبة رئيساً، جمعته علاقة شخصية وسياسية بالملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، بدأت بلقاء أول في مكة سنة 1945 ثم لقاء حاسم في الرياض صيف 1951. وفي تلك الزيارة الثانية، طلب بورقيبة من الملك دعم خطته للكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي، فوعده الملك بالمساندة ودعمه في رؤيته لسياسة المراحل. هذه العلاقة الطيبة مع الرياض استمرت نسبياً مع خلفاء الملك عبد العزيز، حتى في أوج الخلافات العربية مع بورقيبة إثر دعوته سنة 1965 إلى التفاوض مع إسرائيل على أساس قرار التقسيم، حين ظل الموقف السعودي متحفظاً بلا هجوم مباشر على شخصه.

جمال عبد الناصر: “خصومة سياسية لا تخلو من اعتراف بالندية”
على النقيض من العلاقة مع الرياض، شهدت العلاقة مع القاهرة الناصرية توتراً حاداً، خصوصاً بعد دعوة بورقيبة إلى التفاوض مع إسرائيل، وهي الدعوة التي واجهتها الأنظمة العربية الثورية، وفي مقدمتها مصر عبد الناصر وسوريا والعراق البعثيتان، بحملة سياسية وإعلامية واسعة اتهمت بورقيبة بالتفريط في القضية الفلسطينية. ومع ذلك، فإن حدة هذه الخصومة السياسية تكشف في العمق اعترافاً ضمنياً بثقل بورقيبة ومكانته، إذ لم تكن الآلة الدعائية المصرية لتخصص لرجل هامشي كل هذا الجهد في الرد عليه ومحاصرة مواقفه.
ليوبولد سيدار سنغور: شريك في تأسيس الفرنكوفونية
كان الشاعر والرئيس السنغالي ليوبولد سيدار سنغور من أبرز الشخصيات الأفريقية التي جمعت بينهما ببورقيبة علاقة العمل والتقدير المتبادل ، فهو أحد أهم المفكرين الأفارقة في القرن العشرين ومنظّر حركة “الزنوجة” الثقافية. لم تكن العلاقة بين الرجلين مجرد صداقة عابرة، بل شراكة سياسية مؤسِّسة: ففي 20 مارس 1970 بمدينة نيامي في النيجر، وقف بورقيبة إلى جانب سنغور والرئيس النيجري حماني ديوري والأمير الكمبودي نورودوم سيهانوك، ليؤسسوا معاً “وكالة التعاون الثقافي والتقني”، النواة الأولى لما أصبح لاحقاً المنظمة الدولية للفرنكوفونية. يُنظر إلى هؤلاء الأربعة اليوم بوصفهم “الآباء المؤسسين” لهذا الفضاء الدولي الذي يضم حالياً أكثر من ثمانين دولة وحكومة.
هذا التأسيس المشترك يعكس تقارباً فكرياً بين بورقيبة وسنغور: كلاهما كان من دعاة الانفتاح على الغرب والفرنكوفونية كأداة للتنمية والحوار الحضاري، لا كإرث استعماري يُنبذ، وهو موقف ميّزهما عن كثير من زعماء الاستقلال الأفارقة والعرب الذين تبنّوا خطاباً أكثر راديكالية تجاه فرنسا سابقتها الاستعمارية.

بورقيبة في مشهد الزعامات الأفريقية الأولى
شكّل بورقيبة إلى جانب سنغور، مع رؤساء من الجيل المؤسس لدول أفريقيا المستقلة أمثال فليكس هوفويت بوانيي (ساحل العاج)، جزءاً مما يمكن تسميته “التيار المعتدل” داخل الحركة الأفريقية الناشئة في الستينيات، مقابل تيار أكثر راديكالية مثّله كوامي نكروما وأحمد سيكو توري. وقد شارك بورقيبة في المؤتمرات التأسيسية للحركة الأفريقية المشتركة، وألقى في اجتماعات منظمة الوحدة الأفريقية مواقف كانت تحظى باهتمام كبير من نظرائه، بحكم تجربته الطويلة في مقاومة الاستعمار وبناء الدولة الحديثة.
كما وثّق تقرير رسمي أمريكي أُعدّ بعد جولة لنائب الرئيس الأمريكي هيوبرت همفري في أفريقيا مطلع 1968 وشملت تسع دول، أن زيارته لتونس ولقاءه ببورقيبة كانا “أبرز محطة” في جولته الأفريقية بأكملها، واصفاً بورقيبة بأنه شخصية تاريخية بين زعماء جيله، ومن القلائل الذين أثبتوا، بعد نيل بلادهم الاستقلال، قدرتهم على الحكم الفعلي لا الاكتفاء بالخطاب الثوري. وهي شهادة، وإن جاءت من مسؤول غربي، تعكس المكانة التي كان يحظى بها بورقيبة في نظر معاصريه من قادة القارة الأفريقية في تلك المرحلة التأسيسية.
ما يجمع هذه الشهادات، رغم اختلاف مواقعها ومصادرها، هو الإجماع على أن بورقيبة لم يكن مجرد زعيم وطني تونسي، بل شخصية سياسية بحجم دولي، فرضت حضورها في أروقة القرار بباريس وواشنطن على حد سواء. كان محاوراً صعباً حين يتعلق الأمر بسيادة بلاده، لكنه في الوقت نفسه عُرف كصانع تسويات يفضّل طاولة التفاوض على المواجهة، وهو ما جعل خصومه أنفسهم يعترفون له بحنكته السياسية.
بين المنفى والسجن ورئاسة الجمهورية، ثم الإقامة الجبرية في أواخر حياته، تبقى شخصية الحبيب بورقيبة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل والتقدير في تاريخ المغرب العربي الحديث، رجل صنع دولة، وترك بصمته في ذاكرة معاصريه من زعماء العالم كما في ذاكرة شعبه.
المصادر: مذكرات شارل ديغول “Mémoires d’espoir”، أرشيف مكتبة جون ف. كينيدي الرئاسية، وثائق وزارة الخارجية الأمريكية (FRUS 1958-60 وFRUS 1964-68)، الصحافة الأمريكية لسنة 1961، مذكرات محمد المصمودي “العرب في العاصفة” (1977) كما وردت في مجلة الفراتس، مذكرات الباجي قائد السبسي “الحبيب بورقيبة: المهم والأهم” (2008)، وموقع Leaders.com.tn حول تأسيس الفرنكوفونية في نيامي 1970.



شارك رأيك