القاضي الوسلاتي: “حين تتحول الأخلاق إلى محكمة… ويُحاكم المجتمع مراهقة”

بقلم القاضي عمر الوسلاتي
سلوك تلك المراهقة، ومحاولة والدتها مساعدتها على الوصول إلى فنان مشهور، ليس سوى واجهة لحالة نفسية وعاطفية يعيشها كثير من المراهقين في مرحلة البحث عن الهوية والانتماء والاعتراف. قد نرفض السلوك أو نختلف معه، لكن من الخطأ أن نحاكمه بعقلية الكبار أو أن نحوّل فتاة قاصرًا إلى متهمة أمام محكمة الرأي العام.

الأخطر ليس ما فعلته المراهقة، بل ما فعله المجتمع. مجتمع قرر أن يثبت رجولته وأخلاقه بمحاكمة فتاة قاصر، وكأن رجولة الرجال أصبحت مهددة بتصرف مراهقة. أي أخلاق تلك التي تبدأ بالتشهير بقاصر، ونشر صورتها، وإهانة والدتها، وانتهاك حياتها الخاصة، ثم تنتهي بخطب عن الفضيلة؟
لسنا مطالبين بتبرير سلوك المراهقين، لكننا مطالبون بفهم هشاشتهم. فالمراهقة ليست جريمة، بل مرحلة دقيقة قد تتحول فيها أبسط الصدمات إلى اكتئاب، وقد يقودها التنمر والإذلال العلني، في بعض الحالات، إلى إيذاء النفس أو حتى الانتحار. لذلك فإن أخطر ما في هذه القصة ليس تصرف فتاة، بل عنف جمهور بالغ قرر أن يجعل منها هدفًا لغرائزه الأخلاقية.
المثير للسخرية أن جيوش «حراس الفضيلة» لا تستعرض قوتها إلا على الضعفاء: امرأة، أو طفل، أو قاصر. أما أمام الفساد الحقيقي، والعنف، وانهيار القيم العامة، فتختفي أصواتها أو تبرر صمتها.اتركوا القاصر وشأنها، واتركوا أمها تحاول إنقاذ ابنتها بدل أن تصبح هي الأخرى ضحية لمحكمة «فيسبوك». فمن يحتاج إلى المراجعة اليوم ليس مراهقة تبحث عن وهم، بل مجتمع يعتقد أن التشهير فضيلة، وأن انتهاك الحياة الخاصة بطولة، وأن سحق الضعفاء دليل رجولة.
إن المجتمع الذي يحاكم فتاة قاصرًا أكثر مما يحاكم الفساد، ليس مجتمعًا يدافع عن الأخلاق، بل مجتمع فقد أخلاقه وهو يظن أنه يحرسها.!!!

شارك رأيك

Your email address will not be published.