عائدا من زيارة ابنه غسان معتقل أسطول الصمود، السبتي الهنشيري يكتب بمرارة…

تحت عنوان “غسان… رغم السجن حر”، نشر السبتي الهنشيري يوم أمس الاربعاء 5 أوت، قليلا من القليل من وجعه و وجع ابنه و رفاقه من مناضلي أسطول الصمود القابعين منذ 5 أشهر وراء القضبان:

“عدت اليوم من الزيارة الدورية لابني غسان، لكنني في الحقيقة لم أعد كما ذهبت. تركت جزءًا من قلبي خلف ذلك الزجاج الذي يفصل بين الأب وابنه، وعدت مثقلًا بأسئلة لا تغادرني، وبوجع لا يعرفه إلا من رأى فلذة كبده محروماً من حريته، ولا يملك سوى أن يودعه كل مرة على أمل لقاء جديد.

منذ إيقاف غسان، كنت أخشى أن يكسره السجن، وأن يسرق منه الأمل أو يطفئ في عينيه تلك الحيوية التي عرفها كل من عرفه. لكن ما رأيته اليوم كان مختلفًا. لم أرَ شابًا استسلم لواقعه، بل رأيت إنسانًا قرر أن يواجه المحنة بصبر وعزيمة، وأن يحافظ على توازنه النفسي رغم كل ما يحيط به. شعرت أنه تجاوز صدمة الأيام الأولى، وأصبح يقاوم السجن من داخله، لا بالصراخ ولا بالانكسار، وإنما بالإصرار على ألا يسمح للجدران أن تنتصر على روحه.

والأكثر إيلامًا بالنسبة إليّ أنني وجدته يحاول أن يخفف عني وعن عائلته. كان ينتقي كلماته بعناية، ويبتسم كلما شعر بأن الحزن يقترب منا. في تلك اللحظات أدركت أن الابن أصبح يحمل همّ والديه، ويحاول أن يزرع فيهما الطمأنينة، رغم أنه هو من يعيش المحنة. وهذا وحده يكفي ليكشف حجم القوة التي يحاول أن يتمسك بها، وحجم الألم الذي يخفيه حتى لا يزيد من وجعنا.
غير أن هذه القوة لا ينبغي أن تحجب الحقيقة، فغسان يبقى إنسانًا له قدرة على التحمّل، لكنها ليست بلا حدود.

ما يؤلمني أكثر من كل شيء أن ابني، إلى اليوم، ما يزال يتقاسم فراشًا واحدًا مع ثلاثة نزلاء آخرين. قد تبدو هذه الجملة بسيطة لمن يقرأها، لكنها تختزل معاناة يومية لا يشعر بها إلا من يعيشها. كيف يمكن لإنسان أن يجد قسطًا من الراحة وهو لا يملك حتى مكانًا مستقلاً ينام فيه؟ كيف يستعيد جسده عافيته وهو مضطر إلى التعايش مع الاكتظاظ، خاصة في هذا الصيف الذي تعرف فيه البلاد درجات حرارة قياسية؟
وليس الأمر مجرد مسألة راحة، بل هو مسألة كرامة أيضًا. فالقواعد المنظمة للحياة السجنية تقر بحق السجين في فراش فردي، لأن احترام الإنسان لا يسقط بمجرد دخوله السجن، ولأن العقوبة هي سلب الحرية، لا سلب الكرامة أو الحد الأدنى من شروط العيش اللائق.

وما يزيد خوفي على ابني أنه لا يزال يعاني من آلام حادة في الرأس، وهي ليست آلامًا طارئة، بل امتداد لآثار الاعتداء العنيف الذي تعرض له على أيدي عناصر تابعة للكيان الصهيوني أثناء اعتراض أسطول الصمود واختطاف المشاركين فيه. منذ ذلك اليوم، لم تنقطع هذه الأوجاع، وكلما رأيته أتساءل بيني وبين نفسي: هل يتلقى الرعاية الطبية التي يحتاجها؟ وهل تتم متابعة حالته الصحية كما ينبغي؟ وهل يمكن لأب أن يطمئن وهو يعلم أن ابنه يعاني الألم بعيدًا عنه، ولا يستطيع أن يفعل له شيئًا؟

وقبل أن تنتهي الزيارة، لم يطلب غسان أن أحدث الناس عنه وحده، بل أوصاني أن أنقل حقيقة ما يعيشه هو ورفاقه داخل السجن. حدثني عن الانقطاعات المتكررة للماء والكهرباء، وعن أيام يغيب فيها ماء الشرب، في ظروف تصبح أكثر قسوة مع ارتفاع درجات الحرارة. لم يكن يتذمر، ولم يكن يشكو لنفسه، لكنه كان يريد أن يعرف الناس أن وراء الجدران واقعًا إنسانيًا يستحق أن يُسمع وأن يُؤخذ بعين الاعتبار.

وأنا اليوم لا أتحدث بصفتي والد غسان فقط، بل بصفتي أبًا يعرف أن كل شاب من هؤلاء له أم تنتظر، وأب يقلق، وأسرة تعيش على أمل اللقاء. لذلك فإن الحديث عن ظروف الإيقاف ليس محاولة لاستدرار العواطف، بل هو دفاع عن حق أصيل في الكرامة الإنسانية، وهو حق لا يجوز أن ينتقص منه أي ظرف.

إنني أجدد ندائي إلى السلطات القضائية المختصة بأن تنظر بعين القانون والعدالة والإنسانية إلى ملف ابني غسان ورفاقه، وأن تمتعهم بالحرية ومتابعتهم في حالة سراح، ، انسجامًا مع ما يكفله الدستور التونسي والقوانين النافذة من ضمانات، واحترامًا لمبدأ أن الأصل هو الحرية، وأن الإيقاف التحفظي يظل إجراءً استثنائيًا لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة مسبقة.

لا أطلب امتيازًا لابني، ولا أسعى إلى معاملة خاصة. كل ما أتمناه هو أن يُعامل بما يكفله القانون لكل مواطن، وأن يعود إلى بيته في انتظار أن يقول القضاء كلمته، وهو بين أسرته، لا خلف الجدران.

إن غسان يقاوم، ونحن أيضًا نقاوم معه بالأمل. لكن حتى أقوى الناس يحتاجون إلى بصيص أمل، وإلى شعور بأن العدالة لا تنسى، وأن الحرية ستعود يومًا إلى أصحابها.
اللهم احفظ غسان ورفاقه، وفرّج كربهم، واجمعهم بأهاليهم في أقرب الآجال.
الحرية لغسان هنشيري.
الحرية لمعتقلي أسطول الصمود”.

السبتي الهنشيري والد معتقل اسطول الصمود غسان الهنشيري

شارك رأيك

Your email address will not be published.