عز الدين الباجي يكتب عن مهرجان قرطاج… ذلك الذي كان صرحًا فهوى…

*بقلم الفنان الناقد عز الدين الباجي

إن الصروح الثقافية لا تسقط حين تخبو أضواؤها، وإنما حين تفقد المعنى الذي أُقيمت من أجله.”

ليس أشد إيلامًا من أن يشاهد المرء صرحًا ثقافيًا عريقًا وهو يبتعد عن الرسالة التي حملها منذ تأسيسه. فمهرجان قرطاج الدولي لم يكن يومًا مجرد موعد للفرجة أو فضاءً لاستهلاك الأسماء، بل كان مشروعًا حضاريًا أراد أن يجعل من الفن لغةً للحوار بين الشعوب، ومن ركحه منارةً تستقبل كبار المبدعين، وتحتفي بالتجارب التي تضيف إلى المشهد الفني قيمةً وجمالًا.

لقد كان مهرجان قرطاج أكثر من مجرد مهرجان؛ كان ذاكرة فنية وحضارية، وكان الصعود إلى ركحه في حد ذاته اعترافًا بقيمة الفنان ومكانته. فالفنان الذي يقف أمام مدرجاته الأثرية لا يدخل فضاءً عاديًا، بل يدخل تاريخًا تشكل عبر عقود، حيث كانت الأسماء التي تعتلي هذا الركح تصنع الحدث، لا تكتفي بالمشاركة فيه.

غير أن هذه المعادلة بدأت تنقلب. فقد أصبح معيار النجاح لدى البعض مرتبطًا بحجم الحضور الجماهيري، وكأن امتلاء المدارج وحده قادر على منح الشرعية لأي اختيار فني. والحقيقة أن المهرجانات الكبرى لا تُقاس بعدد الحاضرين فقط، وإنما بما تتركه من أثر في الذاكرة، وبما تضيفه إلى الذائقة العامة، وبقدرتها على صناعة القيمة لا مجرد صناعة الفرجة.

ولعل سهرة الفنانة ميادة الحناوي يوم السادس من أوت كانت من أكثر الأمثلة دلالة على هذا الارتباك في الاختيارات. فالنقد هنا لا يتوجه إلى تاريخ فنانة كبيرة صنعت جزءًا من تاريخ الأغنية العربية، ولا يمكن لأي رأي أن ينال من مكانتها وما قدمته من أعمال خالدة، وإنما يتعلق بالسؤال المشروع حول مدى ملاءمة الحاضر الفني للماضي المجيد.

فالفنان الكبير يحتاج، في مراحل معينة من مسيرته، إلى من يصون صورته بقدر ما يحتاج إلى من يحتفي به. وقد كشف العرض، بكل أسف، عن أداء صوتي لم يعد يمتلك كثيرًا من مقوماته السابقة، وغابت عنه السيطرة والمرونة التي عرفها الجمهور في سنوات التألق، فكان المشاهد أمام مسافة مؤلمة بين صورة راسخة في الذاكرة وواقع لم يعد يوازيها.

وقد سبق للفنانة ميادة الحناوي أن اعتلت ركح مهرجان الحمامات سنة 2016 بمرافقة الفرقة الوطنية للموسيقى بقيادة المايسترو محمد الأسود، وهي مشاركة أثارت يومها نقاشًا واسعًا بسبب ما شاب الأداء من تذبذب. فإذا كانت تلك التجربة قد طرحت ملاحظات قبل عشر سنوات، فإن العودة اليوم إلى ركح المسرح الأثري بقرطاج كانت تستوجب قراءة أكثر عمقًا لمسار الفنانة وقدرتها على تقديم عرض يحفظ لتاريخها مكانته.

ولو كان الهدف الحقيقي هو تكريم ميادة الحناوي، لكان بالإمكان اختيار صيغة أكثر وفاءً لمسيرتها؛ حضور رمزي يليق باسمها، تُستعاد خلاله روائعها بأصوات تونسية قادرة على حمل هذا الإرث الغنائي، مثل الفنانة آلفة بن رمضان، بينما يكون حضورها احتفاءً بتاريخها الطويل، لا اختبارًا لقدراتها الصوتية في مواجهة جمهور ينتظر من ركح قرطاج ما تعود عليه من قيمة وإبداع.

لكن القضية، في جوهرها، تتجاوز سهرة بعينها أو اسمًا محددًا؛ إنها تكشف أزمة أعمق تتعلق بفلسفة إدارة المهرجان. فمهرجان بحجم قرطاج لا يمكن أن يُدار بمنطق المناسبات العابرة، وإنما يحتاج إلى رؤية فنية واضحة، وإلى إدارة متخصصة تعرف كيف توازن بين احترام التاريخ والانفتاح على المستقبل.

إن غياب المدير الفني للموسم الثاني على التوالي، وانفراد وزيرة الشؤون الثقافية ببرمجة العروض، يطرحان أسئلة حقيقية حول موقع الاختصاص الفني في صياغة هوية مهرجان يُفترض أن يكون من أكبر الواجهات الثقافية لتونس.

ولكي أكون منصفًا، فإن بعض العروض حافظت على شيء من بريقها الفني، غير أن الاتجاه العام لا يمكن إنكاره؛ فقد انزلق المهرجان، عن وعيٍ كامل وباختيارات محسوبة من القائمين عليه، نحو منطق الفرجة التجارية، حتى غدا معيار النجاح هو عدد المقاعد الممتلئة، لا قيمة الأفكار التي تملأ الوجدان، ولا الأثر الذي يبقى بعد انطفاء أضواء الركح.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية: أن مهرجانًا وُلد ليصنع الذائقة ويؤسس للتميز، أصبح أسير منطق السوق، بعيدًا عن الرسالة الثقافية التي حمل اسمه لعقود.

فالمسارح لا تفقد هيبتها حين تخلو مقاعدها، بل حين تمتلئ دون أن تحمل ما يستحق أن يبقى في الذاكرة.

لقد كان مهرجان قرطاج صرحًا للفن، ومنارةً للذوق الرفيع، لكنه لم يَهْوِ بفعل الزمن، وإنما بفعل اختيارات بشرية أفرغته تدريجيًا من روحه، حتى أصبح الاسم أكبر من المضمون، والذكرى أبهى من الحاضر.

فمهرجان قرطاج لم يفقد بريقه فحسب… بل فقد المعنى والمشروع الذي وُجد من أجله؛ فالسقوط الحقيقي للصروح لا يكون حين تخفت أضواؤها، وإنما حين تفقد الروح التي أقامتها، وحين يصبح الاسم شاهدًا على مجدٍ مضى أكثر مما يكون عنوانًا لحاضرٍ يليق بتاريخه.

عز الدين الباجي رئيس جمعية ترانيم الثقافية، موسيقي، شاعر، كاتب و ناقد…

شارك رأيك

Your email address will not be published.