النائب علي حول قانون المالية ل 2027: “هل تراجع الحكومة حصيلتها أم تكرر وعودها؟”

قراءة نائب الشعب محمد علي للتوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2027 محور اجتماع مجلس وزاري مضيق انعقد بالقصبة يوم الثلاثاء 4 أوت الجاري

عقدت رئيسة الحكومة، سارة الزعفراني الزنزري، يوم الثلاثاء 4 أوت 2026 بقصر الحكومة بالقصبة، مجلساً وزارياً مضيقاً خُصص للنظر في التوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2027. وخلص الاجتماع إلى التأكيد على جملة من الخيارات التي ستؤطر الميزانية المقبلة، من بينها تكريس ما تسميه الحكومة بـ”الدولة الاجتماعية”، وتعزيز السيادة الاقتصادية، والمحافظة على التوازنات المالية الكبرى، ودعم الأمن الغذائي والمائي والطاقي والدوائي، وإصلاح المؤسسات العمومية، ودفع الاستثمار العمومي والخاص، وإصلاح المنظومة الصحية والضمان الاجتماعي، وتعزيز التحول الرقمي، إلى جانب التأكيد على مواصلة تنفيذ مخطط التنمية 2026-2030 باعتباره المرجعية الأساسية للسياسات العمومية.

غير أن هذا الاجتماع لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد محطة تقنية لإعداد الميزانية، بل هو في جوهره امتحان سياسي للسلطة التنفيذية برمتها في ظرف بالغ الحساسية. فالاجتماع ينعقد في وقت تواجه فيه الحكومة انتقادات متصاعدة بشأن أدائها، وفي ظل دعوات من عدد من النواب والفاعلين السياسيين إلى مساءلتها، بل وإلى استقالتها أو سحب الثقة منها، بسبب ما يعتبرونه عجزاً عن تنفيذ الإصلاحات وتحويل الوعود إلى سياسات ملموسة.

لكن تحميل الحكومة وحدها مسؤولية هذه الحصيلة يحتاج إلى وضعه في سياقه الدستوري والسياسي. فرئيس الجمهورية هو صاحب الدور المركزي في ممارسة السلطة التنفيذية، وهو الذي يحدد الاختيارات الكبرى للدولة والسياسات العامة، فيما تعمل الحكومة ورئيسة الحكومة في إطار هذه التوجهات.

ولذلك فإن أي تقييم لأداء الحكومة لا يمكن أن يتحول إلى فصل مصطنع بين مسؤولية رئيسة الحكومة ومسؤولية رئاسة الجمهورية. فإذا كانت الحكومة مطالبة بالتنفيذ والمتابعة، فإن الجهة التي تضع الخيارات الكبرى وتتحمل المسؤولية السياسية الأولى عن توجهات السلطة التنفيذية مطالبة بدورها بتقديم حصيلة واضحة لما تحقق وما تعطل ولماذا.

وكان من المفترض أن يكون هذا الاجتماع مناسبة لتقييم ما تحقق من مخطط التنمية 2026-2030 الذي دخل حيز التنفيذ منذ جانفي 2026، باعتبار أن سنة 2027 تمثل أول سنة كاملة تأتي بعد انطلاق تنفيذ المخطط. فمنطق التخطيط لا يقوم على الانتقال من وثيقة إلى أخرى، بل على تقييم دوري لما تم إنجازه، ورصد ما تعطل، ومراجعة الاختيارات عند الاقتضاء.

وكان الرأي العام ينتظر أن تقدم السلطة التنفيذية حصيلة أولية لما تحقق خلال الأشهر الماضية: ما هي المشاريع التي انطلقت؟ وما هي الإصلاحات التي دخلت حيز التنفيذ؟ وما هي البرامج التي تعثرت؟ وما أسباب ذلك؟ إلا أن البلاغ الحكومي لم يقدم أي إجابة عن هذه الأسئلة، ولم يتضمن مؤشرات أو أرقاماً تسمح بقياس مدى التقدم في تنفيذ المخطط، وكأن هذا الأخير أصبح مرجعاً خطابياً أكثر منه وثيقة عمل قابلة للتقييم والمساءلة.

ويزداد هذا الغياب إثارة للتساؤل إذا ما قورن بالنقاشات التي شهدها مجلس نواب الشعب خلال الأشهر الماضية، حيث عبّر عدد من النواب عن استيائهم من بطء تنفيذ الإجراءات الاجتماعية التي تضمنها قانون المالية لسنة 2026. فقد أكدوا أن جملة من التدابير التي صادق عليها البرلمان منذ أشهر طويلة لم تجد طريقها إلى التطبيق، وهو ما أضعف مصداقية الالتزامات الحكومية وأثار تساؤلات جدية حول قدرة السلطة التنفيذية على تحويل النصوص القانونية إلى سياسات عمومية نافذة.

ولا يقتصر الأمر على الإجراءات الاجتماعية، بل يمتد أيضاً إلى قانون تشغيل من طالت بطالتهم من أصحاب الشهائد العليا، الذي اعتُبر عند المصادقة عليه خطوة مهمة لمعالجة إحدى أكثر القضايا الاجتماعية إلحاحاً. غير أن هذا القانون، رغم مرور أشهر على إقراره، لا يزال ينتظر التفعيل، الأمر الذي دفع عدداً من النواب إلى التأكيد بأن الأزمة لم تعد في إنتاج القوانين، وإنما في تنفيذها، وأن قيمة التشريع تقاس بقدرته على إحداث أثر في الواقع لا بمجرد نشره بالرائد الرسمي.

ومن هنا يبرز أحد أهم التحديات التي تواجه السلطة التنفيذية وهي تهيئ مشروع قانون المالية الجديد. فمن الصعب إقناع الرأي العام بأهداف جديدة في وقت لم تُنفذ فيه بعد التزامات السنة الماضية. كما يصبح من المشروع التساؤل: إذا كانت إجراءات قانون المالية لسنة 2026 وعدد من القوانين الاجتماعية لم تدخل حيز التطبيق بعد، فما الضمانات بأن لا تواجه إجراءات ميزانية 2027 المصير نفسه؟

ويصبح هذا التحدي أكثر تعقيداً بالنسبة إلى سلطة تنفيذية تُوجَّه إليها، منذ أشهر، انتقادات بأنها لا تتواصل مع المواطنين بالقدر الكافي، ولا تشرح خياراتها الاقتصادية، ولا تقدم للرأي العام تفسيراً واضحاً للأسباب التي أدت إلى تأخر تنفيذ عدد من الإجراءات والقوانين، كما لا تفتح نقاشاً عاماً حول الإصلاحات الكبرى التي تعلن عنها. وفي ظل هذا الغياب للتواصل، تتحول البلاغات الرسمية إلى المصدر الوحيد للمعلومة، لكنها غالباً ما تكتفي بعرض الأهداف العامة دون تقديم إجابات عن الأسئلة التي يطرحها المواطنون والبرلمان.

وهنا أيضاً لا ينبغي اختزال مسؤولية التواصل والمساءلة في رئاسة الحكومة وحدها. فإذا كانت رئيسة الحكومة مطالبة بتقديم الحصيلة وتفسير أسباب التعثر، فإن رئيس الجمهورية، باعتباره صاحب الموقع المركزي في السلطة التنفيذية وصاحب القرار في الخيارات الكبرى، يبقى معنياً بصورة مباشرة بالنتائج التي تنتج عن هذه الخيارات. ولا يمكن أن تتحول مركزية القرار إلى مركزية في تحديد السياسات فقط، ثم تُوزع مسؤولية النتائج عند حصول الإخفاقات على بقية مستويات السلطة التنفيذية.

ولعل ما يزيد من صعوبة مهمة السلطة التنفيذية أن إدارة السياسات العمومية لا تقوم فقط على اتخاذ القرارات، وإنما أيضاً على بناء الثقة حولها. فالسلطة التنفيذية مطالبة اليوم بأن تفسر أسباب التأخير، وأن تقدم رزنامة واضحة للتنفيذ، وأن تخضع خياراتها للنقاش والمساءلة. أما الاكتفاء بإعادة التأكيد، في كل مناسبة، على المبادئ نفسها دون تقديم حصيلة أو تفسير أو آجال، فإنه يغذي الانطباع بأن هناك فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي والواقع.

ومن هذه الزاوية، فإن البلاغ الصادر عقب المجلس الوزاري لا يجيب عن الأسئلة التي تشغل التونسيين بقدر ما يعيد إنتاج المفردات نفسها التي أصبحت تتكرر في كل الوثائق الرسمية: الدولة الاجتماعية، والسيادة الاقتصادية، والتعويل على الذات، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المتوازنة، والأمن الغذائي، والأمن المائي، والأمن الطاقي، والأمن الدوائي. وهي أهداف لا يختلف حولها أحد، لكن قيمتها السياسية تبقى مرتبطة بقدرة السلطة التنفيذية على ترجمتها إلى برامج ممولة، وإجراءات محددة، وآجال معلنة، ومؤشرات قابلة للقياس.

ويبدو هذا التناقض أكثر وضوحاً عندما يتحدث البلاغ عن تعزيز الدولة الاجتماعية، بينما يأتي ذلك بعد أشهر شهدت ارتفاع أسعار عدد كبير من الأدوية، واستمرار الصعوبات في التزود بالمياه والكهرباء، وتواصل التحديات التي تواجه قطاعات الصحة والنقل والخدمات العمومية. فالمواطن لا يقيس نجاح الدولة الاجتماعية بعدد المرات التي تُذكر فيها في البلاغات الرسمية، وإنما بمدى انعكاسها على حياته اليومية.

كما يثير البلاغ إشكالاً آخر يتمثل في غياب أي تقييم لأداء السلطة التنفيذية نفسها. فبعد فترة من العمل الحكومي، كان من الطبيعي أن يتضمن الاجتماع مراجعة لحصيلة الإنجاز، وتحديد مواطن الإخفاق، وتقديم تفسير للتأخير في تنفيذ عدد من الالتزامات. غير أن البلاغ اختار الانتقال مباشرة إلى الحديث عن أولويات جديدة، وكأن الإشكال لا يتعلق بالتنفيذ وإنما فقط بالإعلان عن أهداف إضافية.

والأهم أن هذا الغياب عن التقييم لا يطرح سؤالاً يتعلق بكفاءة الحكومة فقط، وإنما يطرح سؤالاً أوسع حول طريقة إدارة الدولة نفسها. فعندما تتركز السلطة التنفيذية فعلياً في موقع رئاسة الجمهورية، تصبح المسؤولية السياسية عن النتائج أوسع من حدود الفريق الحكومي المباشر. ولا يكفي في هذه الحالة تغيير الوزراء أو تحميل الحكومة وحدها كلفة التعثر، ما لم تتم مراجعة الخيارات التي أنتجت هذا التعثر، ومساءلة الجهة التي تملك القرار السياسي الأعلى بشأنها.

إن قانون المالية لسنة 2027 لن يكون مجرد وثيقة مالية، بل سيكون اختباراً حقيقياً لقدرة السلطة التنفيذية على استعادة الثقة السياسية والمؤسساتية. فالرهان الحقيقي اليوم لم يعد في إنتاج خطاب جديد، وإنما في إثبات أن الدولة قادرة على تنفيذ ما سبق أن التزمت به. وسيكون من الصعب إقناع البرلمان والرأي العام ببرامج جديدة إذا لم تُقدَّم أولاً حصيلة واضحة لما تحقق من مخطط التنمية، وما أُنجز من قانون المالية لسنة 2026، وما نُفذ من القوانين الاجتماعية التي صادق عليها مجلس نواب الشعب.

وفي النهاية، تبدو السلطة التنفيذية مطالبة اليوم بأكثر من إعداد مشروع ميزانية جديدة؛ إنها مطالبة أيضاً بإعادة بناء الثقة. وهذه الثقة لا تُستعاد بتكرار المفاهيم والشعارات، بل بالمصارحة، والتواصل، وتقديم الحصيلة، والاعتراف بالتعثر عندما يحصل، ثم تقديم حلول قابلة للتنفيذ. وفي نظام تتركز فيه السلطة التنفيذية والخيارات الكبرى للدولة في رئاسة الجمهورية، فإن هذه المسؤولية لا يمكن أن تتوقف عند رئيسة الحكومة أو الوزراء، بل تمتد بالضرورة إلى رأس السلطة التنفيذية نفسه.

فنجاح أي قانون مالية لا يقاس فقط بما يتضمنه من أهداف طموحة، وإنما بقدرة السلطة التي تضع السياسات وتنفذها على إقناع المواطنين والبرلمان بأنها تملك الإرادة والوسائل والكفاءة لتحويل تلك الأهداف إلى واقع ملموس. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه مع مشروع قانون المالية لسنة 2027 ليس فقط: ماذا ستعد الحكومة؟ بل أيضاً: ماذا أنجزت السلطة التنفيذية فعلاً مما وعدت به؟ ومن يتحمل مسؤولية ما لم يُنجز؟وعندها فقط يمكن أن نعرف ما إذا كانت ميزانية 2027 تمثل بداية جديدة، أم أنها ستكون مجرد إعادة صياغة لوعود سابقة ما تزال، إلى اليوم، تنتظر التنفيذ.

شارك رأيك

Your email address will not be published.