يتجدد الجدل في تونس حول مشروع قانون المساواة في الميراث ومبادرات تنقيح مجلة الأحوال الشخصية، متزامناً مع أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة تضغط على يوميات المواطن. وفي كل مرة ينقسم المشهد الإعلامي والسياسي سريعاً وفق خطوط التماس التقليدية: بين المنظمات الحقوقية والنسوية — وعلى رأسها الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات — وبين القوى المحافظة والرافضة للتنقيح. غير أنه أمام المعاناة المباشرة للطبقات الفقيرة والمتوسطة، يفرض سؤال كاشف نفسه: هل نحن أمام نقاش مجتمعي حقيقي، أم أمام مجرد “ضجيج مفتعل” الهدف منه تغييب الأسئلة المصيرية؟ هل أضحت المعارك الفقهية-الحقوقية مجرد استراتيجية إلهاء تُبعد البوصلة عن أزمة القوة الشرائية، وتفكيك الريع، وتركز الثروة؟
عبد الوهاب بن موسى

تستدعي العقلانية الاقتصادية الإقرار بأن إثارة هذه السجالات الهوية في توقيت تتفاقم فيه الضغوط التضخمية، وتتراجع فيه القدرة الشرائية، وتنسد فيه آفاق التنمية، قد لا تكون سوى استراتيجية للتحويل والمناورة (diversion)؛ أداة لإلهاء الرأي العام بشعارات لا ترتب أي التزام مالي على الدولة، وصرف النظر عن القضايا الهيكلية التي تمس مكامن الخلل الفعلي.
بالنسبة للغالبية العظمى من العائلات ذات الدخل المحدود، يبدو هذا الخلاف حول أنصبة المواريث مجرد تجريد لا يعنيها في شيء: عن أي قسمة أو تركة نتحدث داخل أسرة لا تملك أصلاً أصولاً ذات قيمة، أو يقتصر ما تملكه على عقارات مشاعة ومعقدة إجراءات التسوية؟
المعركة الحقيقية التي يُراد التغطية عليها
إن هذا الضجيج الأيديولوجي ينجح في كل مرة في طمس القضية الجوهرية للاقتصاد السياسي في المرحلة الراهنة: كيف تتشكل الثروة الوطنية، وكيف تتراكم وتتركز في أيدي الأقليات قبل أن نصل إلى مرحلة تقسيمها؟
إن الفجوة الاجتماعية الحقيقية في تونس لا تقف عند حدود قواعد التوزيع العائلي للتركات، بل تكمن في الهياكل الاقتصادية التمييزية التي تحكم التوزيع الأول للرأس مال:
1. اقتصاد الريع وهيمنة الاحتكار: تشكلت جزء لا يستهان به من الثروات الكبرى عبر النفاذ التفضيلاتي للموارد، واستغلال تراخيص القطاعات المغلقة، وغياب المنافسة الحقيقية، وليس عبر الاستثمار الخلاق أو القيمة المضافة.
2. غياب تكافؤ الفرص: العائق الحقيقي أمام أبناء الفئات الشعبية ليس حجم الميراث المستقبلي، بل انسداد آفاق الحراك الاجتماعي بسبب تراجع جودة التعليم العمومي، وصعوبة النفاذ للتمويل البنكي، والحرية الاقتصادية المكبلة بالبيروقراطية.
إسقاط أقنعة الإلهاء والعودة إلى الأصل
إن معالجة الفوارق الاجتماعية وتخفيف العبء عن الفئات الضعيفة تتطلب الجرأة في تفكيك “صناعة الضجيج” والتوجه مباشرة نحو الإصلاحات الهيكلية الملموسة: بناء اقتصاد إنتاجي إدماجي، دمج الفئات الهشة، تفكيك كارتيلات الاحتكار والريع، وإصلاح المنظومة الجبائية لتكون أكثر عدلاً.
طالما بقيت السجالات المجتمعية تُستغل كستار دخاني لإبعاد الناس عن معركتهم اليومية من أجل العيش الكريم، ستظل الأسباب الحقيقية للركود والتفاوت الطبقي قائمة. لقد حان الوقت لإسقاط المعارك الجانبية والتركيز على الأصل: كيف نخلق الثروة بعدالة ونقطع مع اقتصاد التجميع والريع، قبل أن نتصارع على هوامش التركات.



شارك رأيك