عدت يوم الأربعاء 11 اوت الجاري من زيارة اخرى لابني غسان الهنشيري وأنا أحمل معي صورة لا أعتقد أنني سأتمكن من نسيانها بسهولة. منذ وصولنا إلى السجن، وجدنا أنفسنا أمام صف طويل من الأهالي، نساءً ورجالاً وشيوخاً وأطفالاً، ينتظرون دورهم تحت شمس اوت القاسية. كانت الحرارة خانقة، والشمس لا ترحم، حتى خُيّل إليّ أن كل شمس تونس قد تجمعت فوق رؤوسنا في ذلك الطابور.
كنا ننتظر ساعات من أجل دقائق قليلة خلف الزجاج. كل واحد منا كان يحمل معه شيئاً يريد أن يقوله، أو خبراً يريد أن يطمئن عليه، أو مجرد رغبة في أن يرى وجه ابنه أو ابنته أو زوجته أو أخيه. لكنني، وأنا أقف في ذلك الصف، لم أستطع أن أتوقف عن التفكير في غسان ورفاقه: إذا كان هذا الانتظار القصير تحت الشمس يجعلنا نشعر بالاختناق، فكيف يعيش هؤلاء الشباب أيامهم ولياليهم داخل فضاءات مغلقة، مكتظة بالبشر، ضعيفة التهوئة، في ظل حرارة الصيف القاسية؟
كنت أفكر في ذلك وأنا أراقب العائلات من حولي: نحن نستطيع، في نهاية الزيارة، أن نغادر المكان ونعود إلى بيوتنا، إلى الماء والهواء والراحة والنوم في أسرّتنا. أما غسان ورفاقه، فيعودون بعد كل زيارة إلى الزنزانة نفسها، إلى الاكتظاظ نفسه، وإلى ظروف لا تمنح الإنسان حتى الحد الأدنى من المساحة التي يحتاجها لكي يتنفس ويرتاح.
ولم تعد المسألة مجرد اكتظاظ أو سوء تهوئة. غسان ورفاقه عاشوا الايام الماضية أيضاً على وقع انقطاعات متكررة للماء والكهرباء داخل السجن، وهي أزمة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد إزعاج يومي. عندما ينقطع الماء في فضاء مغلق ومكتظ، وتتدهور شروط النظافة وتنتشر الروائح والأوساخ وتزداد مخاطر الأمراض. وعندما تنقطع الكهرباء في عزّ الصيف، يصبح الحر داخل الزنازين أكثر قسوة، خصوصاً عندما تغيب التهوئة ويكون العشرات محشورين في فضاء ضيق.
وقد حدثني غسان في الزيارة السابقة عن هذه الظروف، وها أنا أعود إليها اليوم لأن الوضع لم يعد يحتمل الصمت، فالماء والكهرباء داخل السجون ليسا من الكماليات، بل هما من أبسط شروط الحياة والصحة والكرامة. وعندما تتزامن الانقطاعات مع ارتفاع درجات الحرارة، يصبح الأمر مسألة صحية وإنسانية تستوجب تدخلاً عاجلاً.
وفي بلد وصلت فيه موجات الحر إلى مستويات قاسية، وبدأت أصوات كثيرة ترتفع مطالبة بإقرار عفو مناخي عن السجناء، يصبح من الضروري أن تسأل الدولة نفسها: كيف يمكن أن نترك آلاف البشر داخل فضاءات مكتظة، سيئة التهوئة، تعاني من انقطاع الماء والكهرباء، ثم ننتظر منهم أن يتحملوا هذه الظروف وكأن أجسادهم لا تتأثر بالحرارة والمرض؟
ان السجين يفقد حريته بحكم القانون، لكنه لا يفقد حقه في الماء والهواء والنظافة والعلاج والعيش بكرامة،وما يزيد الأمر قسوة بالنسبة إلى غسان هو أن هذه الظروف تأتي في وقت يعاني فيه أصلاً من وضع صحي يثير قلقي الشديد.
لم يدخل غسان السجن وهو في وضع صحي عادي. لقد نجا من موت محقق خلال عملية القرصنة والاحتجاز العنيف التي تعرض لها على أيدي عناصر تابعة للكيان الصهيوني أثناء اعتراض أسطول الصمود الأول وعاد من تلك التجربة حاملاً آثاراً جسدية ونفسية، ومن بينها إصابة وآلام في الرأس لم تتوقف.
واليوم لم تعد الأوجاع كما كانت. بدأت تتوسع وتتكرر بشكل يثير الخوف الحقيقي على حياته.
وهنا لم يعد خوفي مجرد خوف أب على ابنه،أصبحت أخشى أن أفقده، وغسان الذي نجا من الموت في البحر، ونجا من عنف الاعتقال الصهيوني، لا أريد أن أفقده داخل السجون التونسية بسبب إهمال صحي أو تأخر في التشخيص أو غياب الرعاية اللازمة.
ان هذه الفكرة وحدها ترعبني، لذلك أطالب بأن يخضع غسان، في أسرع وقت، إلى فحص طبي شامل ومستقل ودقيق، خصوصاً فيما يتعلق بإصابات الرأس والأعراض التي يعاني منها، وأن تتوفر له متابعة طبية منتظمة تتناسب مع حالته، لا أن ينتظر إلى أن يتحول الألم إلى حالة طارئة.
لا أريد أن يأتي يوم نبحث فيه عن المسؤوليات بعد فوات الأوان،فأنا أب، وأقول هذا الكلام من موقع الخوف لا من موقع المزايدة، خاصة وان ابني قد نجا من الموت هناك، ولا أريد أن أخسره هنا.
لكن، رغم كل هذا الخوف على صحة غسان، ورغم الألم الذي أشعر به وأنا أراه خلف الزجاج، لا أريد أن تختزل قضية ابني ورفاقه في ظروف السجن وحدها، ولا في الجانب الصحي أو الإنساني فقط، لأن جوهر القضية، في تقديري، أبعد من ذلك.
ان جوهر القضية هو استهداف حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني، ومحاولة إخماد صوتها وكسر إرادة الشباب الذين اختاروا أن يقولوا إن ما يحدث في فلسطين لا يمكن أن يمر أمامنا وكأنه أمر عادي، وإن التضامن مع شعب يتعرض للعدوان والقتل والتهجير ليس جريمة، وإن الدفاع عن الحق في الحرية والكرامة لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للزج بالشباب في السجون.
ان غسان ورفاقه لم يختاروا أن يعيشوا هذه الظروف القاسية. هم اختاروا أن يتحركوا، وأن يعبروا عن تضامنهم، وأن يرفعوا أصواتهم من أجل فلسطين. واليوم، مهما حاول البعض أن يقدم القضية في غير سياقها، فإن الحقيقة بالنسبة إليّ واضحة: هناك إرادة للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وهناك محاولات لإخضاع هذه الإرادة وإرهاب أصحابها وإقناعهم بأن الصمت أقل كلفة من الكلام،وقد استُعملت، في هذا السياق، أساليب كثيرة لتشويه هذا الحراك، من محاولة التشكيك في نوايا المشاركين فيه، إلى تقديمهم في صورة لا تشبه حقيقتهم، وصولاً إلى تحويل التضامن نفسه إلى مصدر للخوف و الملاحقة.
لكنني أقولها اليوم، بعد أن رأيت غسان مرة أخرى خلف الزجاج:كل هذه المحاولات لن تنجح في كسر إرادة ابني ورفاقه،فقد يستطيع السجن أن يحرمهم من الحرية مؤقتاً، وقد يستطيع الحرمان والاكتظاظ والمرض أن يرهق أجسادهم، لكنني لا أعتقد أن كل ذلك قادر على محو القناعة التي خرجوا من أجلها،فغسان ما زال يؤمن بما آمن به قبل دخوله السجن.ورفاقه كذلك.والأهم أنهم لم يسمحوا للسجن بأن يحولهم إلى أشخاص نادمين على تضامنهم مع فلسطين.وهذا، بالنسبة إليّ، هو الشيء الذي ينبغي أن
تضامنية لا ينبغي أن تمر عبر السجن، وأن الدولة القوية هي التي تسمح لشبابها بالتعبير والاحتجاج والتضامن، ولا تجعل من الاختلاف سبباً لفقدان الحرية.
لا أريد لغسان أن يخرج من السجن نادماً لأنه تضامن مع فلسطين. أريده أن يخرج مرفوع الرأس، لأنه عبّر عن قناعة إنسانية آمن بها، ولأن تونس التي أحبها يجب أن تكون بلداً يحمي أبناءه عندما يعبرون عن ضميرهم، لا بلداً يخيفهم من التعبير عنه.
ولهذا، فإن الإفراج عن غسان ورفاقه لا يمثل فقط نهاية لمعاناة عائلات تنتظر أبناءها، بل يمكن أن يكون أيضاً رسالة بأن تونس لا تعاقب أبناءها على تضامنهم مع شعب يتعرض للعدوان، وأن الاختلاف في الموقف أو النشاط السياسي والمدني لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة مسبقة.
ومن هنا، أجدد ندائي إلى السلطات القضائية المختصة بأن تنظر في ملف غسان ورفاقه بمنتهى التجرد والاستقلال، وأن تعيد تقييم مبررات استمرار إيقافهم، وأن تعتمد الأصل القانوني المتمثل في الحرية، وأن يكون الإيقاف التحفظيإجراءً استثنائياً لا يتحول عملياً إلى عقوبة قبل صدور الحكم.
أنا لا أطلب امتيازاً لغسان.ولا أطلب أن يكون فوق القانون.إنني أطلب فقط أن يكون تحت حماية القانون.وأطلب أن يكون ابني في مكانه الطبيعي في بيته، بين أسرته، وأصدقاءه ورفاقه،
لقد رأيته اليوم خلف الزجاج.رأيته يبتسم كي لا أبكي.
ورأيت في عينيه شيئاً لم أستطع أن أنساه وأنا أغادر: لم أرَ فيهما استسلاماً.
غسان يعرف أن السجن يمكن أن يقيد الجسد، لكنه لا يستطيع أن يصادر الفكرة.وأنا، كأب، لا أملك إلا أن أقول:
أعيدوا إليّ ابني قبل أن يتحول خوفي عليه إلى فاجعة.لقد نجا غسان من الموت هناك.فلا تجعلوا السجن هنا مكاناً نخسره فيه.
الحرية لغسان الهنشيري .
الحرية لمعتقلي أسطول الصمود.
الحرية لكل من جعل من التضامن مع فلسطين موقفاً لا يخضع للسجن ولا للترهيب.
*السبتي الهنشيري
والد معتقل أسطول الصمود



شارك رأيك