في «محاكمة كلب»، يضع عبد الجبار العش قارءه داخل قاعة محكمة غريبة: القاضي كلب، ووكيل الجمهورية كلب، والمحامون كلاب، فيما يقف الإنسان وحيدًا في قفص الاتهام. عنوان الرواية يبدو، للوهلة الأولى، كأنه يحيل إلى حكاية ساخرة عن الحيوان، لكن المحاكمة التي يقودنا إليها الكاتب تتعلق بالإنسان حين يفقد حقه في أن يكون إنسانًا.
جمال ڨتالة
المتهم هو «عروب الفالت». ومنذ الصفحات الأولى، لا تبدو القضية مجرد ملف جنائي. خلف الاتهام تتحرك ذاكرة مشوهة، وطفولة عنيفة، وهوية تعرضت للعبث، ومجتمع لا يبدو مستعدًا للإصغاء إلى الشخص الذي يقف أمامه.
العنوان نفسه يفتح باب المفارقة. فالسؤال لا يبقى طويلًا: «من هو الكلب الذي يحاكم؟». سرعان ما يتحول إلى سؤال أكثر قسوة: من الذي صنع هذا الكلب؟ ومن يملك، بعد ذلك، حق محاكمته؟
من رجاء إلى عروب: هوية صاغها الآخرون
لا يصل عروب إلى قفص الاتهام محمّلًا بقضيته وحدها. خلف الاسم سيرة طويلة من العنف والتهميش، يكشفها العش تدريجيًا، من دون أن يحولها إلى ملف نفسي مغلق.
في واحدة من أكثر لحظات الكتاب قسوة، يروي عروب أنه اكتشف بعد سنوات أن الشخص الذي عُرف في البداية باعتباره فتاة كان في الأصل حالة جسدية ملتبسة، وأن عملية «تصحيح الجنس» غيّرت مسار حياته. اسم «رجاء» يفسح المجال لاسم آخر، وكأن الهوية يمكن أن تُمنح للإنسان ثم تُسحب منه بقرار الآخرين.
المسألة عند العش لا تتوقف عند الجسد، بل تتعلق بالحق في امتلاك الذات. من يختار اسم الإنسان؟ من يحدد هويته؟ ومن يتحمل آثار قرار اتخذه آخرون نيابة عن شخص لم يكن يملك القدرة على الاختيار؟
تتسع صورة العنف مع استعادة عروب تفاصيل من طفولة قاسية، بينها التعذيب والإيذاء الجسدي. الجسد الذي كان يفترض أن يجد الحماية يتحول إلى ذاكرة حية للعنف، والطفل الذي كان يحتاج إلى الأمان يتعلم مبكرًا أن العالم المحيط به يمكن أن يكون مصدرًا للأذى.
هنا تبرز فكرة «الفصل المفقود». فالرواية لا تملأ كل الفراغات في حياة عروب، ولا تحول ماضيه إلى تفسير جاهز لشخصيته. بعض السنوات تبقى معلقة، وبعض التفاصيل تظل خارج السرد. تلك المساحات البيضاء تمنح الحكاية قوة إضافية، لأن ما لم يُروَ يصبح بدوره جزءًا من المأساة.
المحكمة تنظر إلى المتهم في لحظته الراهنة؛ الرواية تعيده إلى ما سبق تلك اللحظة.
حقوق الحيوان في قفص الاتهام
تبلغ المفارقة ذروتها عندما يدخل المحامي إلى المرافعة بسلاح يبدو للوهلة الأولى بعيدًا عن القضية: «الإعلان العالمي لحقوق الحيوان».
يستحضر النص الإعلان المعلن في باريس يوم 15 أكتوبر 1978 بمقر اليونسكو، وما يتصل به من مبادئ حول احترام حياة الحيوان ورفض معاملته بقسوة.
المفارقة لا تحتاج إلى خطاب سياسي مباشر. يكفي أن تتحول حقوق الحيوان إلى حجة للدفاع عن إنسان حتى ينقلب المنطق على المحكمة نفسها. فإذا كانت القسوة مرفوضة عندما يتعلق الأمر بالحيوان، فكيف يمكن تبريرها عندما يكون الضحية إنسانًا؟
قوة المشهد تأتي من أن المحامي لا يهاجم المؤسسة من خارج قواعدها. يستخدم إحدى منظوماتها الأخلاقية ليضعها أمام تناقضها. بذلك تتحول المرافعة إلى اختبار للعدالة نفسها، لا إلى مجرد دفاع عن متهم.
من هذه النقطة يتجاوز «الكلب» وظيفته الرمزية المباشرة. فهو صورة للإنسان الذي جرى إقصاؤه، لكنه أيضًا شاهد على ما حدث له، ومتّهم بما آل إليه مصيره. عروب لا يُقرأ فقط من خلال أفعاله، بل من خلال الظروف التي سبقته وصاغت جزءًا من شخصيته.
الجملة التي يختم بها الكتاب تختصر هذا التوتر: «من العيب أن نولد كلابا، ولكن ليس من اليسير أن تكون كلبا وتعي أنك كلب.»
الوعي هنا لا يقدم نفسه كخلاص. معرفة الإنسان بوضعه قد تكون بداية تحرره، لكنها قد تجعله أيضًا أكثر اصطدامًا بالعالم الذي وضعه في ذلك الوضع.
محكمة لا تحاكم فردًا فقط
الكلب في الرواية ليس رمزًا أحادي المعنى. مرة يظهر باعتباره ضحية، ومرة باعتباره شاهدًا، ومرة أخرى بوصفه متهمًا. هذه المستويات المتداخلة تمنع القارئ من إصدار حكم سريع على عروب.
السؤال الذي تطرحه الرواية لا يتعلق فقط بما فعله المتهم، وإنما بما حدث له قبل أن يصل إلى المحكمة. ومن هنا تتغير زاوية النظر: الجريمة، إن وجدت، لا تعود منفصلة عن التاريخ الشخصي والاجتماعي لصاحبها.
ذلك ما يمنح المحكمة طابعها العبثي. القاضي كلب، والمحامون كلاب، والمتهم إنسان؛ لكن خلف هذا الترتيب الساخر توجد محكمة أكثر واقعية، هي تلك التي يمارسها المجتمع على المختلف والضعيف والمهمش.
السخرية السوداء لا تلغي المأساة، بل تكشفها. كلما بدت قاعة المحكمة أكثر غرابة، أصبحت الأسئلة التي تطرحها أكثر قربًا من الواقع.
الحاشية تفتح الرواية على الواقع
في الجزء الأخير، يضيف العش «حاشية» تخرج ظاهريًا عن البناء الروائي، لكنها تكشف الكثير عن علاقته بالنص وبالحقيقة. يشرح الكاتب كيف أعدّ نسخة من مخطوط الرواية ليقرأها بعض أصدقائه قبل نشرها، ويذكر من بينهم الروائي فوزي الديناري والمحامي محمد التركي، كما يشير إلى الكاتب والناقد محمود طرشونة والمحامي زبير الوحشي، ضمن الأسماء التي ارتبطت بقراءة النص أو إبداء الملاحظات حوله.
ولا يكتفي العش بذكر هذه الأسماء، بل يشرح دوافعه إلى إضافة الحاشية. كان مترددًا في إدراجها بعد اختلاف آراء أصدقائه حول جدواها، قبل أن يختار في النهاية أن يترك للقارئ شيئًا من الطريق الذي سلكه النص نحو النشر.
هذه الإضافة تفتح نافذة على عملية الكتابة نفسها. الرواية لم تعد عالمًا مغلقًا على شخصياتها، بل صار واقع الكاتب وذاكرة المخطوط وبعض الأسماء المحيطة به جزءًا من بنيتها. الحدود بين المتخيل والواقعي تصبح أقل صلابة، من دون أن تختفي تمامًا.
إنها تقنية سردية تمنح «محاكمة كلب» بعدًا آخر: البحث عن الحقيقة لا يحدث داخل المحكمة وحدها، بل يمتد إلى الطريقة التي كُتبت بها الرواية نفسها.
وفي النهاية، لا يقدم العش حكمًا يريح القارئ. تبقى الأسئلة معلقة، ويبقى عروب في مواجهة منظومة أكبر منه. تتحول قاعة المحكمة إلى فضاء عبثي تتداخل فيه الأصوات، ويصبح النباح لغة جماعية يصعب تجاهلها.
وفي موضع آخر من النص تأتي العبارة: «دعونا نموت مثل الكلاب… لكن دعونا نموت.»
الجملة، في بساطتها وقسوتها، تختصر عالم الرواية: الإنسان الذي حُرم من شروط الحياة الكريمة لا يطالب بالانتصار، بل بحقه الأساسي في الوجود.
لهذا لا تبدو «محاكمة كلب» رواية عن حيوان، ولا حتى عن محاكمة بالمعنى التقليدي. إنها رواية عن إنسان جرى دفعه إلى الهامش، ثم وجد نفسه مطالبًا بتفسير ما فعلته به الحياة.
وقيمة الكتاب اليوم لا تحتاج إلى إسقاط مباشر على الحاضر. يكفي السؤال الذي بقي حيًا في داخله: ماذا يحدث للإنسان عندما يطول به الإذلال إلى درجة يصبح معها جزءًا من صورته عن نفسه؟ عبد الجبار العش لا يقدم إجابة جاهزة. يترك القارئ أمام مرآة، والمحكمة مفتوحة، والمتهم بلا كلمة أخيرة. وربما لهذا تبقى العبارة الختامية أكثر إزعاجًا من أي حكم يمكن أن تصدره المحكمة: من العيب أن نولد كلابًا، لكن المأساة الأكبر أن نعيش ككلاب ونعي أننا كذلك.
عبد الجبار العش، «محاكمة كلب»، رواية، طبعة مزيدة ومنقحة، مراجعة وتحرير: وليد أحمد الفرشيشي، أركاديا للنشر والتوزيع، 2022.
صدرت الرواية للمرة الأولى عن دار الجنوب سنة 2008، قبل أن تصدر في طبعة جديدة ومزيدة ومنقحة عن أركاديا للنشر والتوزيع سنة 2022.
: Abdeljabbar El-Euch, Procès d’un chien, traduit de l’arabe par Hédi Khélil, Centre national de traduction (Cenatra), Tunis.




شارك رأيك