رسالة المناضل غسان البوغديري من سجن المرناقية :

“التطبيع خيانة عظمى”، شعار تربّع على سقف الجمل الثوريّة والخطابيّة في تونس، شعار قابل للترديد وغير قابل للتفعيل. هكذا صرّح رئيس الجمهوريّة، أعلى هرم السلطة التنفيذيّة في تونس، على لسان بودربالة في البرلمان، وهكذا أُجهض مشروع قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني. فإن لم تدخل بيت طاعة هذا الانعطاف، وإن انسلخت عن الاكتفاء بالترديد وطلبت التفعيل والتطبيق، فهيّئ نفسك للمحكمة، ولاستثنائك من بين عشرات الموقوفين قبل خروجك للجلسة، لتخضع أكثر من مرّة لعمليّة تفتيش مهينة للذات الإنسانيّة، ولأن يتمّ جلبك للمحكمة في ظروف لا يحتملها الحيوان.

لا تسأل عن التهمة، غير مهمّ، المهمّ أنّك عكّرت صفو المنظومة التي تريد أن تبرهن لأمريكا عن صلاحيّتها وجدارتها في أن تكون تابعة.

ألم ندرك بعد أنّ الطريق إلى واشنطن يؤدّي بالضرورة إلى تل أبيب؟ ولا تستغرب أن تكون أنت المتضرّر وأنت الشاكي والمتّهم في آن واحد، وأن يتمّ مقاطعة استنطاقك وهضم حقّك في الدفاع.

لا تسأل عن العقوبة، غير مهمّ، فأنت في الأصل موقوف في قضيّة أخرى، ومصنَّف كمجرم خطير بتهمة الانقضاض على الأمن الصهيوني برًّا وبحرًا.

موقوف مصنَّف، ممنوع من التواصل والتراسل، وخطّ سيرك محكوم بالحراسة ومرافقة قوى الطلائع الخاصّة.

تقبّل إذًا مدّة إضافيّة لسجنك كي تخفّف عن قوى الثورة المضادّة ضغط المسألة الوطنيّة. في هذا السياق، أكّدت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائي القاضي بسجني لمدّة 7 أشهر على خلفيّة تحرّك احتجاجي أمام شركة ميرسك المتواطئة مع الإبادة الجماعيّة في غزّة، والتي تصدّرت عمليّة شحن السلاح والذخيرة إلى الكيان المحتلّ. وهم بهذه المحاكمات السياسيّة يسعون إلى لجم الجبهة التي اقتحمت مساحات الحراك المناهض للتطبيع بشتّى مستوياته، ويريدون استدامة الوضع الاجتماعي المائل إلى السكينة، وإضعاف شروط نهوض الجماهير وتطوّرها، وسلب الصراع التاريخي مع الصهيونيّة طبيعته الصداميّة.

إنّ اللحظة الراهنة، التي نفتقر فيها لجاهزيّة قوانا الذاتيّة وللفاعليّة الثوريّة وللمشروع التحرّري، هي لحظة الكلمة التي يجب أن تُقال، ولحظة المناورة التي يجب أن تُفضح، ولحظة حريّة من خلف قضبان السجون، ولحظة الإجابة عن سؤال الديمقراطيّة، ولحظة وحدة وتماسك يقتضيها الإحساس والوعي بالخطر المشترك والمصلحة المشتركة.

ولحظة يجب أن يكسر فيها الأحرار حاجز الخوف، وتتغذّى فيها بنبض المواجهة.

ولن تزيدنا السجون إلّا التزامًا وصلابة وثباتًا على الموقف.

يسقط الاحتلال، تسقط الصهيونيّة، ويسقط التطبيع معه، وسينتصر الدم على السيف.

شارك رأيك

Your email address will not be published.