بقلم رضا الشكندالي
في هذا الشهر، شهر أوت 2026 : أزمة خانقة في تونس تمس التونسيين، فلا ماء، لا دواء، ورفوف عديد الفضاءات خالية: عندما تدار الندرة عوضا عن الوفرة:
- اقتصاد الندرة وانهيار المقدرة الشرائية: عندما يغتال الغلاءُ قيمَ المجتمع :
يعيش المواطن التونسي اليوم واقعاً اقتصادياً واجتماعيا شديد القسوة، حيث تحولت أبسط مقومات الحياة اليومية إلى رفاهية بعيدة المنال. فنحن نعيش اليوم أزمة تزويد خانقة تضرب الأسواق في مشهد سريالي يعيد إلى الأذهان وبقوة صورة الدول الاشتراكية في حقبات انهيارها؛ حيث تُدار “الندرة” بدل إدارة الوفرة، وتصطف الطوابير الطويلة أمام رفوف فارغة للحصول على أبسط الضروريات. - أزمة العطش والأسواق الموازية : في ذروة الصيف، يجد التونسي نفسه محاصراً بين مياه حنفية متغيرة اللون، متعفنة وغير صالحة للشرب، وبين انعدام تام للمياه المعدنية في المساحات التجارية. هذه الوضعية الكارثية خلقت أرضية خصبة لازدهار “السوق الموازية” للمياه، حيث تباع بأسعار خيالية تستنزف جيوب المواطنين. وتكتمل المعاناة مع لجوء الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (الصوناد) إلى القطع المتكرر للماء.
- رفوف خالية ومفارقات اقتصادية صارخة : في مشهد يحاكي أسوأ فترات الاقتصاد الموجّه، نقف اليوم في طوابير طويلة أمام رفوف خالية؛ لا ماء، لا دواء، لا سكر، لا قهوة، ولا حتى بنزين. هذا النقص الفادح ترافقه مستويات أسعار غير مسبوقة لكل المواد الأساسية كالخضر والغلال والأدوية. والمفارقة المبكية هنا أن تجد مادة كالليمون مفقودة تماماً من السوق التونسية، في حين أن تونس تُعد تاريخياً من بين أهم مصدري القوارص في العالم!
- ضربة قاضية للأمن الغذائي والصحي : لم تقف الأزمة عند المواد الغذائية، بل طالت الأمن الصحي للتونسيين مع الفقدان المتواصل لعديد الأنواع من الأدوية، والارتفاع الفاحش في أسعار المتوفر منها.
من جهة أخرى، أدت الانقطاعات العشوائية للكهرباء من طرف “الستاغ” في أوقات ذروة الحرارة إلى كارثة حقيقية لصغار مربي الدواجن، حيث تسببت في نفوق الآلاف من الدجاج. هذه الخسائر الفادحة خلقت ندرة حادة في لحم الدجاج، والذي يُعتبر الحد الأدنى والملاذ الأخير لاستهلاك اللحوم لدى العائلات التونسية، ليصيب هذا القطاع أيضاً جنون الأسعار. - تدهور الاقتصاد يُنتج تدهوراً للأخلاق : أمام كل هذه الأزمات المتراكمة، وصلت القدرة الشرائية للمواطن التونسي إلى أسوأ حالاتها. وهنا يكمن الخطر الأكبر: الانعكاس الاجتماعي للأزمة الاقتصادية. فالضغط المادي الرهيب وعجز الموظف عن تلبية الاحتياجات الأساسية لعائلته، يدفع البعض للأسف نحو التخلي عن المبادئ، وسوء الأخلاق، وحتى التفكير في الانخراط في منظومة “الرشوة” والفساد كآلية للبقاء. فعندما تتدهور الأحوال الاقتصادية، تسوء بالضرورة الأخلاق وتتدهور القيم ما يجعل من حماية المقدرة الشرائية للمواطن وتوفير السلع الأساسية له ليس مجرد إجراء اقتصادي، بل هو حماية للسلم الاجتماعي وللقيم الأخلاقية للمجتمع بأسره.



شارك رأيك