بقلم فاهم بوكدوس
في بن قردان، لا تشبه الجنازات غيرها.
منذ الصباح، كانت مقبرة سيدي خليف تستقبل أبناء المدينة الذين جاؤوا لتوديع أبنائها الأربعة عشر الذين ابتلعهم البحر. شمس ثقيلة، وحرارة تكاد تخنق الأنفاس، ووجوه أرهقها السهر والبكاء، وأمهات وآباء وإخوة وأصدقاء يمشون بين القبور كأنهم يبحثون في المكان عن تفسير لما حدث.
كانت الجثامين تصل تباعا، محمولة على أكتاف رجال أنهكهم الحزن. ومع كل نعش، كانت المقبرة تصمت للحظات، قبل أن ترتفع أصوات التهليل والتكبير والدعاء. أسماء تُنادى، ووجوه تُستعاد، وحكايات قصيرة عن شبان كانوا هنا بالأمس فقط، ثم صاروا اليوم أسماء على نعوش.
لم يكن في المشهد ما يشبه الاحتفال. فقط حزن ثقيل، وأسئلة أثقل.
وفي غياب واضح للدولة وممثليها، بدت بن قردان وكأنها تودّع أبناءها وحدها. الدولة التي يفترض أن تكون حاضرة في مثل هذه اللحظات بدت بعيدة، فيما كان الأهالي يملؤون الفراغ بما يستطيعون.
منذ الليلة السابقة، تطوع أبناء المدينة لتجهيز المقبرة. غطّوا أجزاء منها، ووضعوا الطاولات والكراسي، وجلبوا المياه الباردة لمواجهة حرارة الطقس. لم ينتظروا تعليمات، ولم يسألوا من المسؤول. كان يكفي أن يعرفوا أن أبناءهم عائدون من البحر، وأن المدينة مطالبة بأن تستقبلهم بما يليق بهم،لقد غابت الدولة في لحظة كان يفترض أن تكون فيها حاضرة، فكان الأهالي لبعضهم سندًا
.
وكانت جرجيس حاضرة أيضا، كما كانت منذ الساعات الأولى للفاجعة. بحارتها الذين خرجوا للبحث عن المفقودين، يعرفون البحر أكثر مما تعرفه البيانات الرسمية، ويعرفون أن وراء كل جثة قصة عائلة، ووراء كل اسم أمّ تنتظر خبرا لا تريد أن تصدقه.
في المقبرة، لم يكن أحد يتحدث عن أرقام،أربعة عشر شابا ليست رقما،أربعة عشر بيتا انطفأ فيها شيء. أربعة عشر أما فقدت جزء من قلبها. أربعة عشر أبا سيظل ينظر إلى مكان كان يجلس فيه ابنه. إخوة وأصدقاء وأحلام توقفت فجأة في منتصف الطريق.
وكل نعش كان يقول شيئا لا تريد البلاد أن تسمعه: ليس كل من مات في البحر قد بدأ غرقه في البحر،بعضهم يغرق قبل ذلك بسنوات، حين تضيق الحياة، وتُغلق أبواب العمل، ويتحول المستقبل إلى انتظار طويل، ويصبح الرحيل في مخيلة شاب يائس أقل قسوة من البقاء،وهذا ما يجعل جنازة اليوم أكبر من مأساة مركب غرق،إنها جنازة جزء من حلم مدينة كاملة.
بن قردان التي دفنت اليوم أبناءها هي نفسها المدينة التي قبل عشر سنوات وقفت في وجه الإرهاب، حين كان الموت يأتيها من جهة أخرى. يومها لم يسأل شبابها الدولة ماذا أعطتنا قبل أن ندافع عنها. لم يفتحوا دفاتر الحساب. كانت تونس بالنسبة إليهم بيتا يستحق الدفاع عنه.
واليوم، بعد عشر سنوات، تبدو المفارقة موجعة حدّ القسوة.
مدينة دافعت عن حدود الوطن، ثم وجدت أبناءها يحاولون عبور البحر هربا من حدود أخرى: حدود البطالة، والتهميش، وانسداد الأفق.
قبل عشر سنوات، كانت بن قردان عاصمة تونس في لحظة البطولة،اليوم هي عاصمة الحزن.
والمؤلم أكثر أن المدينة لم تفقد أبناءها في لحظة واحدة فقط. لقد خسرتهم على امتداد سنوات، حين أغلقت في وجوههم فرص كثيرة، وحين ظل اقتصاد المدينة معلقا بتقلبات الحدود ومعبر رأس جدير، وحين بقيت المنطقة الحدودية تُرى في الغالب من زاوية أمنية، وكأنها مشكلة ينبغي ضبطها أكثر مما هي فرصة ينبغي الاستثمار فيها،
لكن المقبرة لا تحتاج اليوم إلى محاضرة في الاقتصاد ولا إلى خطب في التنمية،تحتاج فقط إلى الصمت،
إلى أن نفهم لماذا تبكي هذه الأمهات،
إلى أن ندرك أن خلف الغضب حزنا، وخلف الحزن قهرا، وخلف القهر سنوات من الشعور بأن المدينة لا تُذكر إلا حين تقع الكارثة أو حين تحين ذكرى ملحمة السابع من مارس.
في سيدي خليف، كانت الجنازات تمر، واحدة بعد أخرى.
وكانت المدينة تحاول أن تكون قوية، كما اعتادت.
لكن حتى المدن القوية تتعب:تتعب من دفن أبنائها، ومن سماع الوعود، ومن رؤية المسؤولين في المناسبات، ومن الصور والأكاليل والخطب التي تتكرر كل عام، بينما يبقى السؤال نفسه بلا جواب: ماذا فعلنا لكي لا يضطر أبناؤها إلى البحث عن الحياة في البحر؟
بن قردان لا تحتاج اليوم إلى مزيد من المديح،
لقد أخذت من المديح ما يكفي،
تحتاج إلى دولة تراها وهي حية، لا فقط حين تموت،
تحتاج إلى فرص عمل قبل أن تصبح المقابر ممتلئة. إلى مستشفى ومدرسة وطريق ومشروع واستثمار، وإلى سياسة تجعل من موقعها الحدودي فرصة لا لعنة،
تحتاج إلى أن يشعر شبابها بأن لهم مكانا في مستقبل تونس، لا أن يصبح البحر آخر باب بعد أن أُغلقت كل الأبواب.
ومع غروب هذا اليوم، ستغادر الجموع المقبرة،وستعود السيارات إلى البيوت،وسيعود بعض الناس إلى صمتهم، وسيحمل آخرون صور أبنائهم، وستبقى الأمهات أمام أبواب لم يعد أصحابها قادرين على طرقها.
أما بن قردان، فستظل هناك،
مدينة على طرف الخريطة، وعلى طرف اهتمام السلطة، لكنها في قلب تونس حين يكون الوطن في خطر، وفي قلب الألم حين يدفع أبناؤها ثمن اليأس.
اليوم، لم تكن بن قردان تودّع أربعة عشر شابا فقط،
كانت تودّع أحلاما لم تجد في البر ما يكفي لكي تعيش،
وكان البحر، في النهاية، مجرد آخر فصل من حكاية بدأت قبل الوصول إليه بسنوات.
فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين



شارك رأيك