إن مجلس الفرع الجهوي للمحامين بالقصرين وهو يتابع ما آلت إليه الأوضاع في بلادنا، وما تشهده تونس من أزمات متراكمة مست الإنسان في حياته وكرامته وأمنه الاجتماعي والاقتصادي وحريته، يعتبر أن البلاد تقف اليوم أمام منعطف تاريخي لا يحتمل الصمت ولا المواربة ولا سياسة الهروب إلى الأمام بعد تسجيل تعطل المرافق العامة وتواتر الوفيات بعدد غير مسبوق داخل المؤسسات السجنية ومراكز الاحتجاز.
إن ما يحدث في تونس اليوم لم يعد مجرد اختلالات ظرفية أو صعوبات عابرة، وإنما أصبح عنوانا لأزمة عميقة في إدارة الشأن العام وفي علاقة السلطة بالمواطن وفي احترام الحقوق والحريات وفي قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.
إن المحاماة باعتبارها مهنة حرة مستقلة ورسالتها الأولى الدفاع عن الحق والحرية وسيادة القانون لا يمكن أن تقف متفرجة أمام هذا المشهد.
وعليه فإن الفرع الجهوي للمحامين بالقصرين:
أولا: يطالب بفتح تحقيقات جدية ومستقلة ونزيهة في جميع الوفيات داخل السجون ومراكز الاحتجاز وكشف الأسباب الطبية الحقيقية لكل وفاة وتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية دون حماية أو إفلات من العقاب كإخضاع ظروف الاحتجاز لرقابة مستقلة وفعالة ووضع حد لكل مظاهر الإهمال وسوء الرعاية الصحية والمعاملة المهينة.
ثانيا: يتابع بقلق بالغ تواصل اضطرابات التزود بالماء والكهرباء وما ترتب عنها من معاناة يومية للمواطنين، في ظروف مناخية قاسية جعلت أبسط مقومات الحياة عبئا على المواطن فالماء ليس رفاهية والكهرباء ليست امتيازا والصحة ليست منّة والعيش الكريم ليس شعارا انتخابيا وإن عجز مؤسسات الدولة عن ضمان هذه الخدمات أو تحميل المواطن كلفة سوء الإدارة والتخطيط، يمثل شاهدا على غياب الدولة وفشلها الذريع في الوفاء بالتزاماتها وإخلالها بواجباتها الدستورية وعجز مؤسساتها على ضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة لمواطنيها.
ثالثا: يسجل حجم المأزق الاجتماعي والاقتصادي وتفاقم أرقام البطالة وخاصة في صفوف الشباب حاملي الشهادات العليا فالسلطة التي لا تستطيع أن تمنح شبابها أفقا مشروعا للحياة، ثم تواجه غضبهم بالمنع والتضييق وحتى الملاحقات الأمنية والقضائية يكشف عن عجز عميق وخلل في إدارة الدولة.
رابعا: يعبر عن بالغ انشغاله إزاء ما يعتبره تضييقا متزايدا على المجال العام، وتراجعا مقلقا في هامش ممارسة الحريات العامة والفردية فحرية التعبير ليست جريمة والرأي المخالف ليس مؤامرة والاحتجاج السلمي ليس تهديدا للدولة والصحافة الحرة ليست عدوا والمحامي الذي يؤدي رسالته في الدفاع عن حقوق موكليه ليس خصما للسلطة.
إن الفرع يؤكد رفضه لكل ممارسة من شأنها تحويل الاختلاف السياسي أو الفكري أو المدني إلى سبب للملاحقة أو التخويف أو العقاب.
خامسا: يؤكد أن استقلال القضاء ليس امتيازا للقضاة والمحامين وإنما هو حق للمواطن وضمانة للمجتمع بأسره كما أن حق الدفاع ليس منحة تمنحها السلطة أو الإدارة أو أي جهة كانت، وإنما هو حق أصيل لا تقوم محاكمة عادلة بدونه والقضاء لا يمكن أن يؤدي دوره كسلطة إذا كان القاضي يعمل تحت ضغط الخوف أو التهديد أو التضييق.
سادسا: يرفض أن تتحول الدولة إلى فضاء للصمت، وأن يصبح الخوف وسيلة لإدارة المجتمع فالسلطة ليست فوق القانون والمؤسسات ليست فوق المساءلة والحكم ليس تفويضا مفتوحا والدستور ليس نصا يستدعى عند الحاجة ثم يهمل عند الاختلاف والدولة القوية هي التي تقبل النقد وتحترم المعارضة، وتحمي الصحافة، وتصون حرمة المواطن وتضمن استقلال القضاء وتحتكم إلى القانون.
سابعا: يعتبر أن استمرار الوضع الحالي دون مراجعة عميقة للسياسات العامة من شأنه أن يعمق فقدان الثقة ويزيد الاحتقان الاجتماعي ويدفع البلاد نحو مزيد من الانقسام واليأس.
إن الفرع الجهوي للمحامين بالقصرين يقولها اليوم بوضوح لا لبس فيه:
لقد بلغ التوتر الاجتماعي والحقوقي والسياسي مرحلة لا يجوز معها الاستمرار في إدارة البلاد بمنطق الصمت والإنكار وإن تونس ليست سجنا كبيرا وليست مجموعة ملفات أمنية أو أرقاما في تقارير البطالة والتضخم وليست مجرد مرافق تتعطل وماء ينقطع وكهرباء تغيب، تونس وطن والوطن لا يعيش إلا بالحرية والعدالة والكرامة والأمل وإن من يختلف مع السلطة اليوم ليس بالضرورة عدوا للوطن ومن ينتقد أداء الدولة لا يكون بالضرورة متآمرا عليها.
نريد تونس التي حلم بها شهداؤها تونس الحرية والكرامة والعدالة ومن أجل ذلك فإن الفرع الجهوي للمحامين بالقصرين يعلن أن الصمت أمام انتهاك الحقوق ليس خيارا، وأن الدفاع عن دولة القانون ليس موقفا ظرفيا، وأن المحاماة ستبقى وفية لمبادئها ورسالتها وقيمها وتاريخها في الوقوف في صف الحرية والكرامة والعدالة مهما كانت كلفة الموقف.
لن نصمت عندما تكون الحرية في خطر… لن نصمت عندما تكون الكرامة مهددة… لن نصمت عندما يصبح الموت خلف القضبان سؤالا بلا جواب… لن نصمت عندما يتحول اليأس إلى قدر لجيل كامل… ولن نصمت عندما يصبح القانون انتقائيا….
الحرية ليست منّة… والكرامة ليست شعار… والعدالة ليست امتياز… ودولة القانون ليست خيارا.
تونس تستحق أفضل من هذا… ومن أجل ذلك لن نصمت… !!!
عاشت تونس حرة، عاشت دولة القانون، وعاشت المحاماة حرة مستقلة مناضلة
*رئيس الفرع الجهوي للمحامين بالقصرين
الأستاذ محسن سعودي



شارك رأيك