آدم فتحي
سفينة يضيئها الغرق
أيها الحالم بأمره
الذاهب باليقظة ربّانًا بعد آخر
إلى بِحار عمياء
اقترب من سُلّمها ولا تصعد
لن تصعد ما لم تذق حُلمها
سُلّمُها ملحٌ وحجَرُ نسيان
من يضع قدمه على أوّل درجة
تنزل إليه حافيةً وعلى كفّها حياته
إنّها تونس
إنّها قرطاج
إنّها قبصة
سفينة ترقص تحت الرمل وفوقه
في ذاكرتها موانئ تشتعل
في مخيّلتها جزُرٌ بأشرعة خضراء
قف عند سلّمها العالي وقل لي
كيف انكسر زيتونها على يديك
حتى انهار قصرُ الكاهنة
كيف خسرَت مغارةُ جبل السرج ذهبَها
ولهث سكانُها وراء جرعةٍ ومصباح
أيُّ ريح أضنت هذه البلاد
حتى فقدت حاسة الماء
أيُّ عناء أصاب تريتونيس
بسرَة النور العالقة بجريد النخل
يوم غاصت القوافل وخرجت من السراب
امرأة تحمل في رأسها مدينة
حتى طائر البلشون
حزم حزنه في جناحين وغادر
ترك الحصن للحجارة والأندلس للرائحة
ومضى يبحث عن بحيرة تحبّه
اِرتَجِف تحت أوّل درجات سُلّمها
يا ابنها يا أباها يا سيّدها يا خادمها
وقل لي:
كيف وصلتَ بك إلى هذا الدرك؟
أو انحَنِ واغترف الشعر بيديك
هنا تُراقُ القصائد كي يشرب منها الجميع
حتى الحجر
هل رفعت عينيك يوما؟
البلاد تتدفق من مناجمها الأولى
الفلاحون يحرثون مزارعهم بوُعود الشمس
والبناؤون شهود
على زمن كان يبني للمياه المعابد
اليوم ها هي الساعة مكتوفة العقارب
الماء يتضوّر جوعًا
الضوء يتلظّى عطشا
الأحلام تشهقُ في الشرايين
أزيز نار
تأكل ما تبقى في الصدور والرؤوس
أنصت إلينا بنات هذه الأرض وأبناءها
أحفاد الذين وُعدوا بالماء فورثوا الظلام
شفتنا العطشى تلتقي شفتنا السؤال
هكذا نصرخ
هكذا نردّ عطشنا عليك
اُجثُ على ركبتيك أمام سلّمها المحترق
لا تطفئه
ما من سفينة تحترق إلاّ وخلفها ربّان
هل جرّبت مرة أن تذهب إلى عرس
بأكفان على الكتف
انفض عنك أعشاب الموتى وتعال نختصم
عند حجر النسيان
نحن نخالة قرن مجنون يتباهى بضوء لم يولد فيه
نحن مروّضو العاصفة كي تمرّ فينا لا من فوقنا
نسمّي الأمل جهةً
نشدّ أيدينا إلى السفينة
فإذا أوشكنا
شددنا أيدينا إلى النار
واحتطبنا سفينة جديدة
انظر إليها أيها الربّان بأمره
تعلم أن تحبّها لتحبّك
لا لأنّك بريء
بل لأنها لا تستحقّ أن تَكره
انظر إليها في عينيها هذه المرة
اسألها من أنتِ
تونس
قرطاج
قبصة
غريقة يضيئها الظمأ؟
ستقول لك كلا
أنا موجة نور
لا تباع في علب الضوء
أنا سفينة يضيئها الغرق
اركع عند أسفل درجات سلّمها
وقل لي
هل تظنّها وضعت فمها
على أذن الصمت؟
إنها تصغي إلى حبالها حتى تسمع غناء الأعماق
تحنو على بحّارتها حتى يومض بأشرعتهم الجرح
تعرف أنّ الحرائق لا تعشش في الصواري
بل في الفكرة اليابسة
في البوصلة حين تنسى الشمال
وأنت أيضًا أيها العالَم
يا حطابَها
واحدًا بعد الآخر
ضع فمك عند عطشها
ارفع منه كأسًا
اجعل عتمتها نافذة لأفقك
وقبل أن يطير صبرُها دخانًا اُنظر
البلاد المحترقة ظمأ وعتمة
ليست بعيدة عنك كما تظن
تَرَكتَ شيئا من روحها بين أسنانك
ووقفتَ طويلا مع طغاتها
كي يظلّ البحر بعيدا عنك
قريبا
تأكلك حدودك
قريبا تقف عند صنبور جافّ
تحت سقفٍ بضوء مستعار
والغابة خلف نافذتك تشتعل في صمت
تسأل ولا يجيبك أحد
من قطع عنك النهر؟
من أطفأ فوقك النجمة؟
من أشعل في رأسك هذه النار؟
ابتعد عن سلّمها
لن تصعد
ما لم تحلم بأمرها
الملح الذي كان نسيانًا
صار جرحا يتذكرك
والكفّ التي حملت حياتك ذات يوم
فارغة الآن
ترتجف في الريح
سلكا بلا كهرباء
ينتظر بلا ملح
ينتظر بلا نسيان
ينتظر بلا انتظار
مثل سفينة يضيئها الغرق.



شارك رأيك