في تعليق له حول تواتر الأخبار المخيبة للآمال في قطاع الاعلام بصفة عامة و الايقافات المتتالية للصحفيين و آخرها الاحتفاظ فجر اليوم السبت 5 سبتمبر بمحمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع الكتيبة بعد ايقافه عشية يوم أمس الجمعة في بهو اذاعة اكسبرس اف أين كان سيحل ضيفا في برنامج للزميل وليد بالرحومة للحديث عن ازمة الماء في البلاد، كتب هشام السنوسي عضو سابق في الهايكا المجمدة من الحكومة ما يلي:
“محمد اليوسفي في السجن،
لأنه رفض التدجين، وتمسك بقواعد المهنة، وفتح الميكروفون للجميع، معارضة وموالاة، مؤمنا بأن دور الصحفي ليس أن يكون تابعا للسلطة ولا ناطقا باسم المعارضة، وإنما أن يكون وسيطا مهنيا بين المجتمع ومختلف الفاعلين فيه.
أما قضية التدوينة التي أثيرت حولها الضجة، فتلك قضية أخرى. تناقش داخل القطاع، وتقيم مهنيا وأخلاقيا في إطار آليات التنظيم الذاتي للمهنة.
اليوم، نحن أمام ما هو أكبر من قضية شخص،
نحن أمام هجمة غير مسبوقة على استقلالية العمل الصحفي وعلى ما تبقى من مساحات الوساطة والتعدد والتنظيم داخل المجتمع.
ولهذا، نحن في حاجة إلى التكتل، بمختلف مشاربنا، وأن نضع خلافاتنا جانبا.
هذه مرحلة تستوجب الفرز.
الفرز بين من اختار أن يمارس الصحافة وفق قواعد المهنة ومعاييرها، كما استقرت في التجارب الديمقراطية، وبين من اختار رفاه الموقع، وقبل أن يتحول إلى شاهد زور على ما يحدث للمهنة وللمجتمع.
النظام السياسي الذي يحكمنا واضح في رؤيته: لا وساطة، لا تعدد، لا هياكل مستقلة.
والوساطة ليست تفصيلا عابرا في الصحافة؛ إنها جوهر وجودها. والصحفي الذي ينقل الوقائع، ويطرح الأسئلة، ويفتح المنبر لمختلف الأصوات، يمارس وظيفة الوساطة بين السلطة والمجتمع.
وحين تضرب الوساطة، يضرب جوهر العمل الصحفي، ومع الأسف، تلك غاية النظام القائم.
انظروا إلى ما حدث للإعلام العمومي والخاص، وللأحزاب، وللمجتمع المدني، وللنقابات، وللهيئات العمومية المستقلة، وللهياكل الحقوقية. المسألة ليست حوادث منفصلة؛ إنها اتجاه واحد نحو إفراغ المجال العام من وسائطه وتنظيماته.
هل ما زلنا في حاجة إلى المزيد من التحليل؟
قطعا لا.
نحن في حاجة إلى الاستعداد لمعركة مدنية دفاعا عن مهنتنا، وعن حق المجتمع في إعلام حر ومتعدد ومستقل.
سبق لبن علي أن انقلب على النقابة، فخسر المعركة.
وبعد الثورة، فرضت المراسيم التي يشهد الجميع بأنها متآلفة مع المعايير الدولية، وها نحن نخوض المعركة من جديد، معركة قد تشكل علامة فارقة في تاريخ الصحافة التونسية.
ومهما كانت اختلافاتنا، تبقى نقابتنا هيكلنا الجامع. ليس المطلوب أن نتفق في كل شيء، بل أن ندرك أن تفكيك الهياكل التنظيمية وزرع الفراغ بينها يعني في النهاية ترك كل فرد وحيدا في مواجهة السلطة.
نختلف داخل المهنة، نعم. نناقش ونحاسب وننتقد، نعم. فهذا جزء من قوة الصحافة وليس ضعفا فيها.
لكن عندما يصبح استهداف الصحافة استهدافا لوجودها نفسه، فإن الدفاع عنها لا يعود دفاعا عن صحفي أو عن قطاع، وإنما يصبح دفاعا عن حق المجتمع في أن يعرف، وعن حقه في أن يسمع أصواتا متعددة، وعن حقه في أن يجد من يسائل السلطة ويحاسبها.
لذلك، فإن معركتنا اليوم ليست معركة محمد اليوسفي وحده، إنها معركة من أجل أن يبقى في هذا البلد فضاء عمومي حر، ومجتمع قادر على التعبير والتنظيم، وصحافة قادرة على القيام بدورها.
فحين نصمت، لا نحمي أنفسنا؛ نحن فقط نؤجل دورنا. وكلما حبسنا الحقيقة في حناجرنا، اقترب يوم قطافنا.
لهذا، لا بد أن نقف الآن. مجتمعين رغم اختلافاتنا، ومتمسكين بقواعد مهنتنا، لأن معركتنا ليست حول موقع أو امتياز، وإنما حول وجود الصحافة نفسها.
وإذا كانت الصحافة قد خسرت مواقع كثيرة، فإنها لم تخسر بعد معركتها. وهذه المعركة لن يحسمها الصمت.



شارك رأيك