الائتلاف الوطني/مسيرة 17 أكتوبر: “حين يصبح سقف المطالب أصغر من حجم الأزمة”

بلاغ صادر اليوم الجمعة عن الائتلاف الوطني و موجه الى الرأي العام حول مسيرة 17 أكتوبر 2026:

ليست كلّ مسيرةٍ خطوةً نحو التغيير، وليس كلّ احتجاجٍ يمتلك بالضرورة بوصلةً تقود إلى الخلاص. فحين تتعاظم الأزمة ويظلّ سقف المطالب دون مستواها، يصبح من المشروع أن نسأل: هل نتحرّك لتغيير الواقع، أم للاحتجاج عليه فحسب؟

على خلفية الإعلان عن مسيرة 17 أكتوبر، أعلن الائتلاف الوطني عدم مشاركته فيها، مع ترك حرية المشاركة لأنصاره بصفة فردية.

وأجدّد، من موقعي الشخصي، احترامي لهذا الموقف، كما أحترم حقّ كلّ مواطن في اتخاذ قراره، لكنّني أرى أنّ المسؤولية السياسية تقتضي أيضًا توضيح الأسباب التي تجعلني أعتبر أنّ التحرّك الاحتجاجي، مهما كانت النوايا المعلنة وراءه، يحتاج إلى وضوح أكبر في مطالبه ووجهته السياسية.

أولًا: لا يمكن مواجهة أزمة الحكم بمطالب لا تمسّ جوهرها

إنّ التحرّك الذي لا يضع بوضوح إنهاء الحكم الفردي، وإعادة بناء الحياة السياسية على أسس ديمقراطية، ضمن أهدافه، يترك جوهر الأزمة خارج دائرة المطالب. فالمسألة ليست مجرّد الاعتراض على سياسات أو قرارات، بل تتعلّق بمستقبل الدولة، وطبيعة الحكم، والضمانات التي تمنع احتكار السلطة وتعيد القرار إلى المؤسسات والإرادة الشعبية.

فحين تتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتتراجع الثقة في المؤسسات، وتصبح الحريات موضع قلق، لا يكون رفع سقف المطالب ترفًا أو مزايدة، بل ضرورة وطنية تفرضها خطورة المرحلة.

لا يمكن أن يتّسع الخراب فيما تضيق المطالب، ولا أن تتعمّق الأزمة فيما يظلّ أقصى الطموح هو تحسين شروط الواقع القائم. إنّ المطلوب ليس مجرّد تعديل السياسات أو تخفيف حدّة الممارسات، بل فتح أفق سياسي ديمقراطي ينهي منطق الحكم الفردي، ويعيد الاعتبار لدولة القانون والمؤسسات، ويضمن التداول السلمي على السلطة.

لسنا في حاجة إلى استبدادٍ أقلّ قسوة، بل إلى دولةٍ تمنع الاستبداد، وسلطةٍ تخضع للقانون، وحياةٍ سياسية تضمن حقّ الشعب في الاختيار والمحاسبة والتداول السلمي على الحكم.

إنّ التحرّك الذي لا يطمح إلى تغيير طبيعة الحكم، ولا يطرح بوضوح أفقًا سياسيًا بديلًا، يخاطر بأن يتحوّل إلى مجرّد محاولة لتخفيف الضغط عن واقع مأزوم، بدل فتح الطريق أمام تجاوزه.

وحين يتدهور الوضع، لا تكون الحكمة في خفض سقف المطالب حتى يصبح مقبولًا لدى السلطة، بل في الارتقاء بهذه المطالب إلى مستوى حقوق الشعب واستحقاقات المرحلة.

ثانيًا: تهميش الأحزاب ليس طريقًا إلى الديمقراطية

إنّ تغييب الأحزاب السياسية أو تهميش دورها في التحركات الوطنية ليس مسألة تنظيمية هامشية، بل قضية تتصل بطبيعة النظام السياسي الذي نريد بناءه.

فلا حياة سياسية حقيقية بلا أحزاب، ولا ديمقراطية تعددية بلا تنظيمات سياسية، ولا تداولًا سلميًا للسلطة من دون قوى تحمل برامج، وتتنافس على أساسها، وتتحمّل مسؤوليتها أمام المواطنين.

نعم، تعاني الأحزاب من أزمات، وهي مطالبة بمراجعة أدائها وتجديد خطابها واستعادة ثقة المواطنين. لكنّ إصلاح الحياة الحزبية لا يكون بترذيل الأحزاب، ولا بتقديم العمل الحزبي وكأنّه عبء ينبغي التخلّص منه، بل بإعادة الاعتبار إليه بوصفه ركيزةً أساسية في أيّ مسار ديمقراطي.

ومن هنا، فإنّ مشاركة الأحزاب تحت مظلّة منظّمات نقابية، من دون إبراز هويتها واستقلاليتها السياسية، تطرح سؤالًا جوهريًا: هل نريد استعادة الحياة السياسية، أم نُسهم، من حيث لا نقصد، في تكريس الصورة التي تجعل الأحزاب موضع ريبة، والتنظّم السياسي أمرًا ينبغي التبرؤ منه؟

للاتحاد العام التونسي للشغل دوره النقابي والوطني، وللأحزاب دورها السياسي، وللمجتمع المدني استقلاليته. ولا تقوم الديمقراطية على إلغاء هذه الفوارق، بل على التكامل بين هذه المكوّنات مع احترام استقلالية كلّ طرف.

إنّ ترذيل الأحزاب لا يُضعف الأحزاب وحدها، بل يُضعف قدرة المجتمع على إنتاج البدائل، ويترك المجال العام أكثر فقرًا في التنظيم والبرامج، وأكثر عرضةً لعودة منطق الفرد واحتكار القرار.

فلا يجوز أن نرفض احتكار السلطة، ثم نقبل بتهميش القوى التي يُفترض أن تتنافس على ممارستها ديمقراطيًا. ولا يمكن أن نطالب بالتعددية، ثم نتصرف وكأنّ التعددية الحزبية تفصيل يمكن الاستغناء عنه.

ثالثًا: حرية الاختيار لا تعني غياب الموقف

إنّ احترام حرية أنصار الائتلاف في المشاركة بصفة فردية لا يتعارض مع إعلان موقف سياسي نقدي من المسيرة. فالاختلاف في تقدير الوسائل لا يلغي وحدة الالتزام بالمبادئ، وحرية الاختيار لا تفرض على أحد التخلّي عن قناعاته.

إنّ موقفي ليس اعتراضًا على الاحتجاج السلمي، ولا إنكارًا لأهمية التحركات المدنية في الدفاع عن الحقوق والحريات، بل هو اعتراض على سقف المطالب، وعلى غموض الوجهة السياسية، وعلى كلّ مقاربة لا تجعل التغيير الديمقراطي العميق أفقًا واضحًا للتحرّك.

أنا مع الاحتجاج الذي يفتح أفقًا سياسيًا، لا الذي يكتفي بتنفيس الغضب. ومع المعارضة التي لا تكتفي برفض الواقع، بل تمتلك الشجاعة لطرح البديل. ومع تحرّك وطني تتكامل فيه الأدوار النقابية والمدنية والحزبية، من دون إقصاء أو وصاية أو تهميش.

إنّ تونس لا تحتاج إلى إدارة غضبها فحسب، بل إلى تحويله إلى مشروع وطني واضح، يضع حدًّا لمنطق الحكم الفردي، ويعيد الاعتبار لدولة القانون والمؤسسات، ويحمي الحريات، ويؤسس لحياة سياسية ديمقراطية يكون فيها التداول على السلطة حقًا طبيعيًا لا استثناءً مؤقتًا.

فأخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يفشل الاحتجاج في تغيير الواقع فحسب، بل أن ينتهي إلى خفض سقف التغيير حتى يصبح التعايش مع الأزمة بديلًا عن إنهائها.

لهذه الأسباب، أعلن عدم مشاركتي في مسيرة 17 أكتوبر، انطلاقًا من قناعتي بأنّ تونس تستحقّ تحرّكًا أكثر وضوحًا في مطالبه، وأكثر جرأةً في أهدافه، وأكثر إيمانًا بالتعددية السياسية واستقلالية الأحزاب.

لن يكون التغيير الحقيقي مجرّد تحسينٍ لشروط الأزمة، بل إنهاءً لأسبابها. ولن تكون الديمقراطية مجرّد شعارٍ في الشوارع، بل منظومةً تحمي الحريات، وتمنع احتكار السلطة، وتضمن حقّ الشعب في اختيار من يحكمه ومحاسبته وتغييره.

تونس تستحقّ أكثر من الاحتجاج على نتائج الأزمة؛ تستحقّ مشروعًا وطنيًا ينهي أسبابها.

هيثم العوني
عضو المكتب التنفيذي للائتلاف الوطني

شارك رأيك

Your email address will not be published.