«الغروب الخالد» لحسنين بن عمّو: رواية ابن خلدون عن ابن خلدون

ماذا لو أُتيح لابن خلدون أن يروي حياته بنفسه، لا بوصفه مؤرخًا يفسّر أحوال الدول، بل رجلًا عاش صراعاتها واختبر تقلّباتها؟ في رواية «الغروب الخالد»، يمنح الروائي التونسي حسنين بن عمّو صاحب «المقدمة» صوتًا سرديًا يستعيد به مساره، من تونس التي ضربها الطاعون إلى بلاطات المغرب والأندلس، حيث يتقاطع الطموح الشخصي مع صراعات الحكم، وتتحول التجربة إلى مادة للتأمل في الإنسان والتاريخ.

جمال ڨتالة 

«اهبط. راك ديما واقف وحدك. تعال امشي معايا واحكيلي». بهذه العبارة باللهجة التونسية، خاطب حسنين بن عمّو تمثال ابن خلدون القائم في شارع الحبيب بورقيبة بتونس، وفق حكاية رواها الكاتب في ظهور تلفزيوني. تبدو الجملة أقرب إلى مفتاح أدبي للرواية منها إلى مجرد طرفة: دعوة إلى إنزال المفكر من مقامه الرمزي، وإعادته إلى الحياة، حيث يمشي ويتكلم ويتردد، وتترك التجربة آثارها في قراراته ونظرته إلى العالم.

من هذه الرغبة تنبني خصوصية «الغروب الخالد». فبدل أن يروي كاتب من الخارج سيرة شخصية تاريخية معروفة، يختار بن عمّو ضمير المتكلم، ويجعل ابن خلدون يروي حكايته بلسانه داخل النص الروائي. بذلك يتغير موقع الشخصية من موضوع للسرد إلى صوت يقود الحكاية، ويصبح القارئ أقرب إلى تجربتها، لا إلى المعلومات المتعلقة بها فحسب.

لكن «أنا» الرواية ليست صوت ابن خلدون التاريخي كما وصل إلينا في مؤلفاته؛ إنها صوت أدبي صاغه حسنين بن عمّو انطلاقًا من السيرة التاريخية، مستعينًا بالتخييل لاستكشاف ما لا تنقله الوقائع وحدها من مشاعر وتوترات وأسئلة. ومن هنا تأتي أهمية الاختيار السردي: أن يتحدث الرجل عن نفسه، فيما يظل الروائي هو من يبني هذا الصوت ويحدد مساره.

الطاعون: بداية السيرة من جرح

تبدأ الحكاية في تونس خلال العهد الحفصي، في زمن يضرب فيه الطاعون المدينة ويخلّف خسارات عميقة في حياة ابن خلدون. لا يؤدي الوباء وظيفة الخلفية التاريخية فقط؛ إنه يضع الشخصية أمام الفقد، ويجعل هشاشة الحياة جزءًا من التجربة التي سترافقها لاحقًا.

تكتسب هذه البداية أهميتها من موقعها في البناء الروائي. فابن خلدون لا يدخل الحكاية باعتباره مفكرًا اكتملت رؤيته، بل إنسانًا يتشكل عبر ما يفقده وما يواجهه. ومنذ الصفحات الأولى، تبتعد الرواية عن صورة العبقرية التي تظهر مكتملة منذ البداية، لتتابع رجلًا يصنع فهمه للعالم عبر الاحتكاك به.

ومن تونس، تتسع الرحلة نحو مدن المغرب والأندلس، ومنها تلمسان وبجاية وفاس وغرناطة. وتمنح هذه التنقلات السرد مجالًا أوسع لتتبع تحولات الشخصية، إذ تتغير الأمكنة والوجوه، بينما يظل الاستقرار مطلبًا صعبًا في عالم تحكمه صراعات السلطة وتقلب التحالفات.

في دهاليز السياسة

في بلاطات الحكام، تتكشف المسافة بين ما تعلنه السلطة وما يجري داخلها. تتداخل المصالح والمكائد، وتتغير الولاءات بتغير موازين القوة، ولا تضمن المكانة التي يكتسبها المرء استمرار موقعه. ويختبر ابن خلدون هذه التقلبات عبر المحن والسجن وتبدل الحكام، فيجد نفسه داخل الصراعات التي يحاول فهم منطقها.

أدبيًا، لا تكمن أهمية هذه الأحداث في تعداد محطات السيرة، بل في الطريقة التي تسهم بها في بناء الشخصية. فطموح ابن خلدون لا يظهر في وصف مباشر، وإنما يتكشف من خلال علاقته بمراكز النفوذ؛ وخبرته السياسية لا تُقدَّم معرفة جاهزة، بل حصيلة تجربة تتداخل فيها المبادرة مع الإخفاق، والرغبة في التأثير مع حدود القدرة على التحكم في الأحداث.

هنا تظهر مفارقة الشخصية التي يشتغل عليها بن عمّو: الرجل الذي سينشغل بفهم قيام الدول وتحولها عاش بنفسه تقلّبات الحكم، ولم يكن مراقبًا يقف خارجه. ومع ذلك، لا تختزل الرواية فكره في تجاربه السياسية، بل تجعل هذه التجارب سياقًا إنسانيًا يتيح للقارئ الاقتراب من الأسئلة التي ستشغل مشروعه الفكري.

تصل الرحلة إلى الكتابة، وإلى «كتاب العبر» ومقدمته الشهيرة، حيث تنتقل الوقائع من مستوى ما عاشه الفرد إلى مستوى التفكير في أحوال البشر والعصبيات وآليات قيام الدول وتحولها.

ولا ينبغي قراءة هذا الانتقال بوصفه علاقة سببية بسيطة، كأن كل تجربة سياسية أنتجت فكرة بعينها. فالرواية تعيد بناء الصلة بين الحياة والفكر من خلال السرد، لكنها لا تعوّض البحث التاريخي ولا تقدم التخييل في صورة وثيقة. وما تمنحه للقارئ هو إمكان تخيل المسافة التي تفصل الحدث عن تأمله، والتجربة عن تحويلها إلى معرفة.

وتؤدي التأملات والحِكم التي تتخلل الحكاية وظيفة أدبية حين تنبع من المواقف التي تواجه الشخصية. فهي تمنح الحدث امتدادًا فكريًا، من دون أن تضطر الرواية إلى التوقف لتقديم درس نظري. وبهذا التداخل، يحاول بن عمّو أن يجعل الأفكار جزءًا من حركة السيرة، لا مادة منفصلة عنها.

ويظل التمييز بين التاريخ والتخييل ضروريًا: ابن خلدون شخصية تاريخية موثقة، لكن صوته الداخلي في «الغروب الخالد» بناء روائي. فالمشاعر والمواقف والحوار المتخيل عناصر في تشكيل الشخصية الأدبية، وليست جميعها شهادات حرفية عن حياة المفكر.

الرجل وراء الإسم

صدرت «الغروب الخالد» للمرة الأولى سنة 2006، ونالت الجائزة الكبرى للرواية التونسية سنة 2007. وفي سنة 2026، أعادت دار مسكلياني نشرها في طبعة من 336 صفحة، بالتزامن مع تتويجها بجائزة ابن خلدون.

غير أن المدخل الأهم إلى الرواية لا يتوقف عند مكانة الشخصية أو الجوائز التي نالتها، بل يبدأ من قرار سردي واضح: أن يُمنح ابن خلدون فرصة الكلام بضمير «أنا». فمن خلال هذا الصوت، تتقاطع السيرة السياسية مع بناء الشخصية، وتصبح التجربة مدخلًا إلى التفكير في العلاقة بين الإنسان والتاريخ.

تعود عبارة بن عمّو الموجهة إلى التمثال لتلخص هذا المسعى: «تعال امشي معايا واحكيلي». فالرواية لا تغيّر مكانة ابن خلدون في التاريخ، لكنها تحاول أن تعيد إليه حركته وصوته، وأن تجعل القارئ يصغي إلى الرجل وراء الاسم، وإلى التجربة التي سبقت الكتابة وصاحبتها.

شارك رأيك

Your email address will not be published.