قانون المالية 2027 : من وعود العدالة الاجتماعية إلى مسؤولية التنفيذ

لا تُقاس العدالة الاجتماعية بما يعلنه مشروع قانون المالية لسنة 2027 من أهداف، بل بما سيغيّره فعليًا في حياة المواطنين. فالتخفيف من الضغط الجبائي، وتحسين القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، وتقليص الفوارق بين الجهات، لا تتحقق بمجرد إدراجها ضمن الأولويات، وإنما بقرارات قابلة للتنفيذ ونتائج يمكن التثبت منها. (الصورة: مقر وزارة المالية، في القصبة، تونس).

عبد الوهاب بن موسى *

وتقتضي العدالة الاجتماعية أن تصل ثمار السياسات العمومية إلى مستحقيها، وخاصة الأسر محدودة الدخل، والعاطلين عن العمل، والشباب الباحثين عن فرص الشغل، وصغار الفلاحين، والمؤسسات الصغرى، وسكان الجهات الأقل حظًا في التنمية. والمهم ليس فقط تحديد هذه الفئات، بل وضع إجراءات عملية تستجيب لحاجياتها، وتضمن وصول الموارد والمنافع إليها. لكن كيف يمكن التأكد من أن الأهداف المعلنة ستتحقق فعلًا؟

المطلوب أن تتحمل كل جهة مسؤوليتها بوضوح. فوزارة المالية مطالبة بمتابعة تنفيذ الاعتمادات وتوفير بيانات دقيقة حول استعمالها. والوزارات والهياكل العمومية المكلفة بالمشاريع مطالبة بتحديد آجال الإنجاز ومؤشراته، وتفسير التأخير عند حصوله. أما الجهات المعنية بالتنمية المحلية والجهوية، فعليها الإسهام في متابعة تقدم المشاريع والتحقق من انعكاسها على الخدمات وفرص التنمية في مناطقها.

ولتحقيق ذلك، ينبغي إرساء آلية دورية لمتابعة تنفيذ قانون المالية، تنشر معطيات واضحة حول ما بُرمج وما أُنجز، والاعتمادات المرصودة والمبالغ المصروفة، ونسب تقدم المشاريع، ومدى استفادة الفئات المستهدفة. كما يجب قياس الأثر الفعلي للإجراءات على القدرة الشرائية والتشغيل وجودة الخدمات العمومية، بدل الاكتفاء بمؤشرات الإنفاق أو التصريحات العامة.

إخضاع النتائج للرقابة والمساءلة وفق القانون

وتكتمل هذه الآلية بتحديد أسباب التعطل، وضبط إجراءات تصحيحية بآجال معلومة، وإخضاع النتائج للرقابة والمساءلة وفق القانون. فالمحاسبة لا تعني البحث عن المسؤول بعد فوات الأوان، بل ضمان حسن التنفيذ، والتدخل عند ظهور الإخلالات، ومنع تحول التأخير إلى أمر عادي لا يتحمل أحد مسؤوليته.

لذلك، ندعو الحكومة ووزارة المالية إلى نشر لوحة متابعة دورية لتنفيذ قانون المالية لسنة 2027، تتضمن الأهداف المعلنة، والآجال المحددة، ونسب الإنجاز، والأثر على الفئات المستفيدة، وأسباب الفوارق بين المبرمج والمنجز، والإجراءات المتخذة لمعالجتها. وينبغي أن تكون هذه المعطيات متاحة للمواطنين وللهياكل الرقابية، حتى يصبح تقييم الأداء قائمًا على الوقائع لا على الانطباعات.

فمشروع قانون المالية ليس مجرد جدول للموارد والنفقات؛ إنه التزام تجاه المجتمع. والاعتمادات المرصودة لا تكتسب قيمتها بمجرد صرفها، بل بما تنتجه من خدمات وفرص وتحسن في ظروف العيش.

العدالة الاجتماعية تبدأ بالقرار، لكنها لا تتحقق إلا بالتنفيذ الفعلي. وما لم تُنشر النتائج وتُحدّد المسؤوليات وتُفعّل المساءلة، ستظل المسافة قائمة بين الأهداف المعلنة والواقع الذي يعيشه المواطن.

* مهندس إعلامية – إطار في بنك عمومي.

شارك رأيك

Your email address will not be published.