ببالغ الحزن والأسى، ودعنا مساء اليوم الصديق العزيز يوسف خضر حبش، الصحفي والناشط الحقوقي الفلسطيني- ، وأحد الوجوه التي جمعت بين النضال من أجل فلسطين، والدفاع عن حرية الصحافة، والعمل المدني والاجتماعي المناهض للهيمنة والاستغلال.
لم يكن يوسف مجرد صحفي يحمل قضية وطنه إلى المنابر الدولية، بل كان مناضلًا مدنيًا آمن بأن تحرير الإنسان لا ينفصل عن العدالة الاجتماعية والحقوق والحريات، وأن التضامن بين الشعوب ليس شعارًا، بل ممارسة يومية تتجاوز الحدود والانتماءات الضيقة.
في المنتدى الاجتماعي العالمي، حيث كان عضوًا في لجنته الدولية ومنسقًا للمشاركة الفلسطينية، ساهم في تعزيز حضور القضية الفلسطينية ضمن الحركات الاجتماعية والمدنية العالمية، وعمل على بناء جسور التضامن بين الشعوب، مؤمنًا بإمكان صياغة عالم أكثر عدلًا وحرية. كما ارتبط اسمه بالجهود الرامية إلى تطوير التجربة الاجتماعية الفلسطينية وتوسيع مشاركة الشباب في العمل المدني والتضامني.
وفي العمل النقابي والحقوقي، اضطلع يوسف بدور في الدفاع عن الصحفيين الفلسطينيين، من موقعه رئيسًا لفرع نقابة الصحفيين الفلسطينيين في أوروبا، وسعى إلى نقل معاناتهم إلى المؤسسات الأوروبية والدولية، وإلى حشد الدعم من أجل حماية الصحفيين ومحاسبة المسؤولين عن استهدافهم، ولا سيما في ظل حرب الإبادة على قطاع غزة وما خلّفته من استهداف واسع للصحفيين والصحفيات ومحاولات لإسكات صوت الحقيقة.
كان يؤمن بأن المعركة من أجل فلسطين لا تُخاض في الميدان وحده، بل أيضًا في المؤسسات الدولية، وفي الفضاءات الإعلامية والثقافية، وفي الشارع وبين الحركات الاجتماعية التي تدافع عن حق الشعوب في الحرية وتقرير المصير. لذلك ظلّ حاضرًا في اللقاءات والفعاليات والمبادرات التضامنية، حاملًا فلسطين في مواقفه وكلماته وعلاقاته الإنسانية.
أما تونس، فكانت بالنسبة إلى يوسف أكثر من محطة عابرة. كان يزورها بانتظام، ويلتقي فيها زملاءه وأصدقاءه ورفاقه، وتجمعه بهم روابط تجاوزت الصداقة إلى الرفقة في دروب النضال والعمل المدني والتضامن الأممي. وكثيرًا ما فكّر في الاستقرار فيها، إذ كان يرى في تونس منصة رئيسية لإسناد الشعب الفلسطيني، وفضاءً يمكن أن تتعزز فيه المبادرات المدنية والسياسية الداعمة لقضيته العادلة.
كان يشعر بأن فلسطين ليست شأنًا فلسطينيًا وحده، بل قضية حرية وكرامة وعدالة تخصّ كل من يرفض الاحتلال والظلم، وأن مسؤولية إسناد شعبها تقتضي العمل المتواصل، وتوحيد الجهود، وربط النضال الوطني الفلسطيني بقيم التحرر الإنساني والتضامن بين الشعوب.
لكن المرض الخبيث، الذي قاومه بكل ما حمله من طاقة وأمل وإصرار، كان أقوى من جسده، فغلبه في النهاية، وانتزع من بيننا صديقًا عزيزًا ورفيقًا صادقًا، كانت لا تزال في قلبه أحلام كثيرة، وفي ذهنه مشاريع لم تجد طريقها إلى الاكتمال، وفي روحه طاقة لم تتخلّ عن فلسطين حتى اللحظة الأخيرة.
برحيل يوسف حبش، تخسر فلسطين مناضلًا حمل صوتها إلى المحافل الدولية، وتخسر الصحافة الفلسطينية مدافعًا عن حقوق العاملين فيها، وتخسر الحركة المدنية والاجتماعية أحد الذين آمنوا بقوة التضامن الشعبي في مواجهة الظلم. أما أصدقاؤه ورفاقه في تونس، فيفقدون إنسانًا أحبّ هذا البلد، ووجد في ناسه مساحة للرفقة والأمل والعمل المشترك.
وداعًا يوسف، يا صديق تونس ورفيق فلسطين.
سنفتقد حضورك ولقاءاتك وأحاديثك وأحلامك التي كانت تتجاوز حدود البلدان، لكننا سنحتفظ بذكراك وبما جمعنا من محبة ورفقة وإيمان بأن النضال من أجل الحرية لا يعرف الحدود.
رحلتَ قبل أن تحقق حلمك بالاستقرار في تونس، لكنك تركت فيها أصدقاء ورفاقًا سيحفظون لك مكانتك، وسيواصلون حمل القيم التي ناضلت من أجلها.
إلى روحك السلام، ولأهلك وأصدقائك ورفاقك خالص العزاء. ولتبقَ فلسطين حرة، كما حلمتَ بها وناضلتَ من أجلها”.
*فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية



شارك رأيك